رواية “عايدون”.. غربة وطن ونُخبة مُهَجَّرة

رواية عايدون لكوثر الجهمي.
رواية عايدون لكوثر الجهمي.

كأي ليبية وليبي، ستصدمك مشاعر متناقضة داخلك عند قراءة كلمة “عايدون”، لأنك تعودت على سماعها فقط بعيداً عمن يعنيهم الأمر!
 
هكذا تفاجئنا الكاتبة الليبية كوثر الجهمي بعنوان روايتها الجديدة والتي تحمل عنوان “عايدون”، هـذه الكلمة التي أطلقها المجتمع الليبي على كل ليبي أو ليبية رجعوا إلى وطنهم بعد خروجهم أو هروبهم منه لعدة أسباب.
 
غزالة وابنتها حسناء بطلتا الرواية، غزالة وحسناء البشر وكذلك التمثال، تعيشان حالة اختطاف في نفس اليوم، في رمزية واضحة يمكن أن نطلقها على الوطن المختطف ككل، غزالة المرأة الليبية التي قررت مواجهة المجتمع وعاداته بعد موت زوجها، لتتفرغ لواجهة أقاربه في معركة لا تنتهي من أجل حماية طفلتها من المعاناة التي عاشتها خلال سنين زواجها، ويظل يطاردها وصم العودة من بلد مشرقي مع والدها الكريتلي الأصل.
 
يعيش الوطن –طرابلس– حقبا من الغربة تختلف باختلاف الزمان وأحواله، طرابلس العثمانية وطرابلس الإيطالية وطرابلس الملكية وطرابلس الجماهيرية وطرابلس الثورة وطرابلس الفوضى، ودائماً يحاول هذا الوطن العودة إلى هويته وبعثها من جديد لينعت بذلك الوصم “عايدون” والذي يبدو عاديا لأول وهلة، ولكن لأن المجتمعات المكبوتة تجتهد في النفاق، تُحَمل هذه الكلمة أوزاراً ليست لها أي علاقة بمعناها الأصلي، كتهمة الانحلال والعار والانتهازية.
 
وتواصل حسناء الابنة مسيرة العائلة في مواجهة الغربة المفروضة عليهم لأسباب مختلفة ولكنها تصب في محاربة كل ما هو مختلف وكل جديد على هذا المجتمع، فتحاول حسناء الدفاع عن قيم الثورة ولكن بأسلوب حضاري بعيداً عن العسكرة والتطرف اللتان فرضتا على أبناء هذا المجتمع.
 
وتكون الغربة هي الفرض المكروه في سيرورة الأسرة، وتكمل حسناء مسيرة أسلافها إلى عالم جديد، لا يبدو فيه القادم أفضل ولكن طبيعتنا البشرية هي ما تجعلنا نمتلك مصائرنا للبحث عن البقاء مقارنة بتمثال اختفى ولم يظهر للعيان من جديد، ولن يظهر أبداً على ما يبدو!
 
ولا تنسى الجهمي تسليط الضوء على ما تعانيه المرأة الليبية من تهميش في مجتمع ذكوري بكل ما تحمل الكلمة من معنى رغم تعدد الحقب التي عايشها المجتمع!
 
الرواية سريعة في أحداثها، وكان يمكن أن تعطينا المزيد من التفاصيل حول الحياة في الأماكن التي عايشتها شخوصها، ولكن البديل كان المواجهة مع المجتمع في واحدة من أهم قضاياه وهي جدلية الهروب والعودة المتواصلة.

عن رأفت بالخير

نشر إنتاجه الأدبي على عدد من المواقع الإلكترونية.. وهو مقدم للبرامج التلفزيونية الحوارية.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى