رائدة في دنيا المُستحيل

لم تكن اللوحة المُثبتة على طاولة رئيسة جمعية النهضة النسائية «عام 1954» ببنغازي، والتى خُط عليها جملة «ليس فى الدنيا مستحيل» مجرد لوحٍ مخطوطٍ للزينة أو المُباهاة، كميلٍ تُتهم به الأنثى عادةً، فالرائدة حميدة العنيزي «1892-1982» كانت وقبل ما يقارب الثلاثين سنة من تاريخ تأسيسها لأول منظمة نسوية، قد باشرت مشروعها النهضوى فى تاريخ ليبيا وحراك نسائها، فسفرها المُبكر إلى تركيا، بعد اجتيازها مرحلة «التعليم الراشدى العثماني» رفقة مُجايلاتها فى مدينتها «شرق ليبيا»، ومدينة طرابلس «غرب ليبيا»، وقد تفوقت وبرزت فيه اجتهادًا ومثابرة ما رشحها كمُتقدمة على بنات صفها للدراسة فى معهد المعلمات المُسلمات «إسطنبول تركيا 1912»، وكانت حال عودتها 1917 م قد شرعت فى تأسيس أول فصل دراسى لبنات عائلتها والجيران، وقد كان ذلك الفصل الخاص فى ركن من بيتها مُبتدأ الحلم الكبير من معلمة إلى ناظرة المدرسة، فمن استحالة السفر آنذاك لامرأة عبر «بابور البحر»- المسمى الشعبى للسفينة- وكان لها أن سافرت بل وتفوقت، ورُشحت لإتمام دراسة عليا بفرنسا، لولا ضغط الأب فليس له وقتها أن يقبل بتعليم وعيش عالم دولة النصارى «فرنسا»، ولعل حسه السياسى آنذاك غلبه وحسب المُقتضى والحال ما له أثره ودوره.

السيدة حمية العنيزي
السيدة حمية العنيزي

ابنة بنغازى المعجونة بمحيطها والعارفة بسبر مسالكها من بدأت حُلمها الكبير برفع لواء العلم والمعرفة من ذلك الفصل (القرابي) بدكة ومسند بممر طويل ببيتها، وكمُعلمة خرجت إلى البيوت والأحياء تنادى أن حيا للعلم مفتاح التنور للنساء، فلا جهل ولا عُزلة ولا ارتهان لشبح التخلف أو الاتكاء على معوقات الزمان والمكان، بل المُغالبة والتمترس على كسر إيقاع الاستسلام والمراوحة، مما يأتى وقد لا يأتي، ولليبيا مُستقبل ستُجارى فيه جاراتها من الدول بل والعالم، ويكفى أن تتطلع بعينيها شرق بلادها؛ لترى مُعاركة ونضال المرأة المصرية، وقد كان بعض من الطالبات قد خرجن للدراسة الجامعية بها مع أواخر الثلاثينيات وأول الأربعينيات، نموذجهن فتحية عاشور مديرة المدرسة بدرنة، لم تكن حميدة ترى ذلك حُلما مُستحيلا، فى مشروعها اختطت سُبلا عديدة، موظفةً الجهد والوقت خير توظيف بدءًا من نهجها خلق الحواريات الشبيهات، فقد جعلته (ما ظهر أخيرا تحت مسمى التنمية البشرية: صُنع القادة)، خط سيرها لتوسعة دور الفاعلات اللاتى لم يخل المناخ منهن، وقد احتجن إلى سنيدة ورديف تشاركهن أهدافهن الخجولة قياسًا بالزمان والمكان، فى المشروع كان العمل الأهلى المدنى ديدنها، فلم تتعاط الرائدة حميدة نضالها النسوى من واقع اتهام الرجل ومعاداته بقدر ما قررت أن تجعل منه مُحاذيًا وداعمًا للمساهمة فى رفعة قدر وقيمة وكرامة نصف المجتمع، ففى دعمها لمنجز التنمية الريفية الذى يوازى المنجز التعليمى بالمنجز الاقتصادى للمرأة وحسب رائدة التنمية الريفية السيدة عائشة زريق أن خطة حكيمة دعمتها مُعلمتها حميدة، أن فى الدخول إلى بيوت الرعاة والفلاحين والاقتراب من بناتهن لتعليمهن حرفة يحققن تحسنًا فى مستوى معيشة عائلتهن، هى فرصة أيضًا لمحو أميتهن بغية التمكن من الاضطلاع بمسائل التكلفة والربح والخسارة، وفى ذلك نجحت عائشة بدعم من حميدة، وفى مجال الإعلام والصحافة اعتبرت الرائدة الإعلامية خديجة الجهمى أن إلحاح السيدة حميدة وضغطها دفعا بها لما استشعرت أنها أهلٌ له، فخطاب خديجة وصوتها المفارق وتلك الشاعرية المتمردة والروح النضالية التى شحنتها الظروف بها خليقة بثقة حميدة المتطلعة والمستشرفة فى أن تصير خديجة الإعلامية حاملة مشعل توعية المجتمع بكل شرائحه بدور المرأة، بل إن خديجة من ستكون المؤصلة لمشاريع مُؤسسة فى غرب البلاد كمجلة المرأة ومجلة الطفل.

حميدة العنيزى زوجة أحد مثقفى العصر والمستنير ناظر المدرسة والفنان، كذلك السندُ الواثق فى امرأة دُنيا المُستحيل، وهى من وظفت بذكائها قيم البداوة الرفيعة النبيلة، فحضور المرأة فى المجتمع البدوى حضور مسئول وعالٍ، حين بادرت بدعوة رجال الحكومة والأعمال وأصحاب المحال الصغيرة «من قرطاسية وأقمشة وأدوات منزلية» بأن يُقاسموا ويشاركوا- وليس أمرًا- بما لديهم لمن يؤسسن مشاريع صغرى لتحفيز النساء على العمل اليدوى صناعة وبيع منتوج، وكم مرت بتجار أقمشة، وكانت تكفى إشارتُها لكى يجرى تجهيزهُا لتصير فستانًا أو مريلة أو سروالًا فى ماكينة إحدى المُشتغلات، ثم ليمنح لفئات مُهمشة زمن ضيق الحال من أيتام وأرامل وذوى احتياجات خاصة حفظًا لحقهم، فالمجتمع ولى لمن لا ولى له، وحميدة كانت حواء الليبيات أينما تطلعن بانت عليهن جنتُها، فكما عرجت على مُدن شرق البلاد نزلت لرائدات طرابلس، والتقت منهن الناشطات والمُتعلمات، وقد أشادت الراحلة صالحة ظافر المدنى بذلك الدعم الذى قدمته حميدة، حين وضعت نصب أعينهن ضرورة البدء فى خلق تنظيم مدنى يجمعهن لتوحيد الجهود وترسيخ الأهداف وتحقيقها، فكانت جمعية النهضة النسائية بطرابلس 1957، ثم جرى تبادل الزيارات للاستفادة من الخبرات، وتعزيز الدور النسوى فى تلك المرحلة والانطلاق للقرى والأحياء الأطراف.

عن فاطمة غندور

كاتبة وباحثة ليبية أصدرت ثلاثة كتب منها إصدار عن الحكاية الشعبية في ليبيا، تعمل في المجال الصحفي كمدير عام لجريدة "ميادين" المستقلة التي صدرت من بنغازي في مايو 2011

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى