“حتى لا تتيه في الحي” والكشف عن الأسرار

MEO : رشا عدل

مرت فرنسا في منتصف القرن الماضي بمجموعة من  التغيرات الأجتماعية والإقتصادية والثقافية، وذلك من جراء الحرب العالمية الثانية عليها التى أثرت بدورها على الإنتاج الفكري والثقافي والأدبي، وقد عايش هذا التغير مجموعة من أشهر وأهم كتاب فرنسا وتشكل منه وعيهم، وتأثروا بها تأثراً كبيراً، كل منهم بشكل مختلف ومنفرد، ولعل أكثرهم انفرادية كان الروائي الحاصل على نوبل 2014 باتريك موديانو، فهذه التغيرات السياسية والبيئية والجغرافية نجدها قد أثرت على تكنيك الرواية لدى باتريك موديانو، وجعلت السردية الزمكانية لها فضل الصدارة على آليات السرد لديه، وشكلت هذه الآلية السردية ظاهرة جوهرية في نسيج الرواية لديه وترجع  هذه الآلية إلى تغلغل الذاكراة والماضي في وجدان باتريك.
من قرأ السيرة الذاتية لباتريك موديانو “سلالة” سيعلم أن رواية “حتي لا تتيه في الحى” هي فصل من فصول حياة الكاتب الفرنسي التي أشار إليها في كتاب ذكرياته، وهذا ليس غريبا على الكاتب الذي اعتاد كتابة تاريخ حياته واستنساخ ماضيه في كافة أعماله، فالأحداث هي نفسها والأشخاص هم أنفسهم والأماكن التي زراها هي مسرح أعماله.
وفي روايته “حتى لا تتيه في الحي” كشف موديانو عن سر تمسكه بإطلاق أسماء شخوص بعينيها قابلها في حياته الحقيقية منذ زمن مضى.
شكلت مرحلة الطفولة والمراهقة عند باتريك موديانو في ظل عائلة مففككة؛ أب غامض بالكاد يتحدث معه، يعمل في أعمال مشبوهة، وأم ممثلة مسرح لا يسع وقتها أن تعتني به، وسرعان ما تخليا عنه عند الأهل والأصدقاء، حتى انتهى به الحال في المدارس الداخيلة.
وإزاء هذا الضياع الشخصي، نجد ضياعا عاما، ميز فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.   جميع هذه الظواهر انعكست سلباً على موديانو، فخلقت لديه شعورا بالفراغ والتيه، ونما بداخله إحساس بعدم الثقة بالنفس، لذلك نجد أنه مرة بعد اخرى يعود لماضيه، للبحث عن شيء ما هناك، وهذه العودة تبعث على الارتباك والحيرة.

لذلك صنع ماضي باتريك موديانو متاهة كبيرة، هؤلاء الأشخاص غريبو الأطوار الذين يعتريهم الغموض من أصدقاء أبويه، لم يستطع وقتها بسبب صغر سنه التعرف على شخصياتهم الحقيقية والتقرب إليهم. ومن ناحية أخرى كانت هناك شخصيات أثرت فيه  (كاني سترواند) بطلة العمل تلك المرأة التى وضعت في يده ورقة  مطوية على أربعة،  دونت فيها العنوان وارفقتها بعبارة “حتى ﻻ تتيه في الحي”.
ظل موديانو يذكر هذه الشخوص في أعماله، وذلك بمنحهم أدوارا ثانوية، كما جاء في الرواية على لسان الرواي “إن كتابة كتاب ما ﻻ  تعدو أن تكون بالنسبة له سوى إرسال نداءات ضوئية أو إشارات مورس باتجاه أشخاص معينين يجهل ما حل بهم، كان يكفي أن ينثر أسماءهم جزافا على الصفحات، وأن ينتظر التوصل بأخبارهم في النهاية”. فهل كان موديانو يدس بأسماء من صادفهم يوماً ولم يعلم بعدها عنهم شيئا في رواياته كشفرة فيما بينهما للتوصل إليه!؟ فهذه العبارة نجدها متعلقة بجميع أعمال موديانو وهي تأخذ شاكلة الإعلانات المتعلقة بالبحث عن شخص مفقود “ربما بقليل من الحظ سيثير هذا الكتاب انتباهها وستبعث بما يدل على أنها ﻻ تزال على قيد الحياة” الأمر أشبه برسالة يكتبها صاحبها، ويلقي بها في البحر وهو غير واثق البتة أن الرسالة سوف تصل لصاحبها، ولكن دائما كان هناك أمل ما.  فقد التقى جون دراغان بطل الرواية مع  آنى سترواند، بعد سنوات طويلة من ذكره اسمها في أحد رواياته، وأخبرته أنها قرأت الرواية  وفهمت الاشارة.
استمر موديانو بوضع أسماء الشخصيات الواقعية التي يبحث عنها في رواياته، حتى وأن كان المقطع لا يتطابق مع باقى أجزاء الرواية، ودخيل عليها وذلك لخلق عالم مواز بشخصيات ملتبسة ما بين الحقيقة والخيال، ووصف ذلك “كجزء من الواقع يمرره خلسة كأحد الرسائل الشخصية التي ينشرها المرء في الإعلانات الصغيرة بالجرائد والتي ﻻ يمكن فك شفرتها سوى من طرف شخص واحد”. يواصل موديانو كشف سره الكبير بزج الشخوص بشكل فوضوي لا يمت للحبكة الدرامية بصلة، ولكنه يراعى في نفس الوقت أن لا يؤثر عليها، وذلك بأن يدرج اسم شخص ضمن لائحة طويلة من أسماء طلبة في مدرسة أو اسم سائق حافلة أو يافطة معلقة في الشارع.
“لم يدرك أبدا معنى أن يضع المرء في رواية ما كائنًا له أهمية بالنسبة له وما أن يندس بين ثنايا الرواية كما يعبر المرء مرآه، فإنه سيفلت منك للأبد كما لو أنه لم يوجد أبدا، بالفعل لقد تم اختزاله إلى الأبد” هذا النص يبعث على الحيرة  ويدفعنا للتساؤل هل كان موديانو يدس بالشخوص التي التقاها في حياته بين ثنايات الورق للتخلص من ذاكرها أم للبحث عنها؟ 
الهاتف يرن بإلحاح في أحد شقق جادة بباريس ثم صوت معدني يخبر البطل “الأمر متعلق بمفكرة هاتفك سيدي”. يشرح له أنه عثر على مفكرة هاتفه في القطار، ويضرب له موعدا في أحد المقاهي ليسلمها له.
يتردد جون في الذهاب، المفكرة قديمة، وأغلب أرقام الهواتف بها لا تجيب، لأن أصحابها رحلوا منذ زمن. 
في المقهي يلتقي جيل اتولينى الذي جاء بصحبة فتاة تدعى شانتال غريباي، يمد له الرجل المفكرة ويسأله عن اسم بعينه جاء بها. لا يتذكر جون الاسم وخاصة أن رقم الهاتف مكون من سبعة أرقام، وهذا دليل على أنه دون في المفكرة منذ أكثر من ثلاثين عاما على الاقل. 
يخبره الرجل أن هذا الاسم قد ذكره في روايته الأولى “سواد الصيف”، ولا بد أن يتذكره، يطلب جون منه أن يمنحه بعض الوقت لاسترجاع الذاكرة للوراء ربما تدله على شيء. في اليوم التالي تقابله شانتال ومعها  دفتر بغلاف أزرق، به بعض الاقتبسات من رواية “سواد الليل”، التي ذكر فيها اسم الشخص، وبعض محاضر للشرطة متعلقة بحادث ما،  وصورة لصبي. 

تترك عنده الملف وتطلب منه أن يقوم بدراسته لأنه مؤكد سيدله لشيء ما. لم يكن فتح الملف إلا بمثابة فتح باب للذكريات، فالأسماء التى كان قد كساها النسيان وصدأت برقت مجددا، وأخذ البطل يتجول بنا في أرجاء ذاكرته المتعبة، فكل اسم يقوده لطريق ويقوده لشخص ويقوده لحدث حتى زالت عتمة الذاكرة.
يتماهي الواقع مع الخيال في شخصية شانتال وجيل فقد التقى بهما البطل في حياة سابقة، ويفشل في تقفي اثارهما، فليس لهما وجود إلا في ذاكرته هو. و”الخيال المتسكع” الذي أخبره جيل اتولينى أنه عنوان رواية كتبها لم يكن سوى خيال البطل نفسه الذي يتسكع في أرجاء ماضيه.
يغوص جون في ذكرياته، ويبحث عن آنى سترواند، وهي المرأة التي تركته عندها أمه لرعايته في فترة غيابها. فيعيش معها في بلدة سان لوي لافوريه.
كان طفل وحيد ترك عند أشخاص غامضين، لا يعرف عنهم شيئا بالكاد يتحدثون معه. تخرج المرأة لعملها ليلاً، عندما يستعد للنعاس، وتعود وهو في طريقه للمدرسة. وذات يوم اصطحبته معها لكشك تصوير أوتوماتيكي لالتقاط صورة له لاستخراج جواز سفر مزور للسفر معها إلي روما، وبعدها أخذته في رحلة بالقطار الليلي للسفر إلي مدينة  “كوت دايزر” وأخبرته أنهما من هناك سوف يذهبان إلى روما. 
 أصاب الطفل الصغير القلق فهو لا يعرف شيئا! لا يعرف لماذا عليهما الذهاب إلى روما؟ ولماذا عليه أن ينسي اسمه ويتذكر اسمه الجديد “جون استروند”، ويعبر الكاتب عن القلق الذي ألم بالطفل “بدأ القطار في التحرك – بقي مكان فارغ في أحد المقصورات – لم يرد أن ينفصل عنها أدخلته إلى المقصورة، وهي تمسك بكتفه كان يخشى أن تتركه هناك لكن مكانه كان بجانب باب المقصورة”. 
لم تتركه المرأة في القطار، ولكنها تركته وحيدا ورحلت في المنزل الذي ذهبا إليه  وأخبرته أنهما سيمكثان فيه حتى يسافران إلي روما. 
ويختم البطل  الرواية بهذه العبارة “في الصباح توقظه أشعة الشمس التي تخترق غرفته من خلال الستائر، وتصنع بقعًا ليمونية على الجدار. في البداية لم يكن هناك تماما ما يذكر، صرير العجلات على الحصى، صوت محرك ينأى. وأنت بحاجة لمزيد من الوقت حتى تنتبه إلى أنه لم يبق أي أحد في المنزل سواك”. 
تنتهي الرواية بتخلي آني عنه. وقد شكلت هذه الذكرى الكثير من ألم الفقد والخذلان،  كان الطفل يثق بالمرأة ويحبها، وذلك لحرصها على سلامته حتى أنها كتبت له ورقة بها العنوان وطوتها على أربعة، في الصيف كان يتنزه وحيداً وبجيبه الورقة المطوية التي كتبت فيها “حتى لا تتيه في الحي”. وهي لم تدرك أنه بسببها قد تاه في حياته، واستمر تائهًا بين ماضيه وحاضره. 
آلية السرد عند باتريك لم تتبدل أو تتغير، كتابة شذرية مقتضبة لا وصف أو تفصيل. وكالعادة روايات موديانو بصيغة ضمير المتكلم، فهذه الصيغة تربط علاقة بوح بين القارئ والرواي، وهذا تماما ما يصبو إليه الكاتب. فحكاياته دائما تتضمن أسئلة عالقة.. معلومات ناقصة .. وجهات نظر تخص الرواي فقط، ويرجع غياب الاكتمال في روايات موديانو إلى الحفاظ على هذه الروايات مفتوحة أبدا على آفاق بعيدة.

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى