عشرة أيام في الحي الصيني

عادة ما أفضل السكن في الاحياء التي تمثل المدن التي أزورها وتعكس صورتها بشكل أو بآخر من معمار أو سكان أو موقع مميز إضافة لإعتبارات أخرى تختلف من رحلة الى أخرى ومن مدينة لأخرى…
لأول مرة أجد نفسي أقطن في الحي الصيني بمدينة نيويورك التي سبق لي العيش في عديد من احيائها منذ صغري في منهاتن العليا…

وأمر وجودي في هذه المرة لم يكن خيارا، لذا كان علي وبشكل تلقائي أن أبحث عن ما يشبه شيئا في نفسي في هذا الحي. الغريب.. كل اللافتات باللغة الصينية وحتى انواع الأكل والخضروات التي وقفت أمامها مطولا أحاول أن أجد رابطا بينها وبين ما اتناوله، و دكاكين الحلاقة حيث الحلاق فيها وزبونه الجالس بإستسلام على كرسيه متشابهين، والباعة الجوالين ومناداتهم باللغة الصينية، والعازف الفقير في محطة المترو يحتضن قيثارته الصينية.. لم أجد من مشترك لا شكلا ولا لغة ولا رائحة ولا صورة ولا ملامح.

الحي الصيني
الحي الصيني (الصورة: عن الشبكة).

الناس من حولي بعيونهم الضيقة وحركتهم السريعة والتفاتتهم المباغتة. اللغة المجزأة النطق كأنها حبيبات أرز متناثرة يلتقطونها بالعصي بسرعة… حاولت ابحث عن شيء واحد مشترك فعجزت…حتى مررت بسوق السمك.. عندها وجدت قدمي تغوصان في المياه المنسكبة على الارضية المبلطة، ورأيت الاحذية والنعال تسبح فيها دونما تردد.. ثم ما أن دخلت حتى قابلني سمك الدندشي الأحمر والتريليا والمرجان وأنواع سمك أخرى اخبرها… وهكذا حدثت في داخلي دورة كاملة اتجه سهمها نحو طرابلس وتوقف عند “سوق الحوت”… حركة الباعة والمشترين والسمك الملقى بفوضى على جوانبه في الثلج المجروش.. يبحلق في الفراغ ينتظر مصيره بدعة واستسلام…والرائحة النفاذة المنبعثة من “قراجيم الحوت”.

بدأ الصيني يحدثني بلغة انجليزية ركيكة دون محاولة جدية في الحديث بها، يقنعني أن اشتري مما يريد التخلص منه على ما يبدو خاصة وأن النهار كان في آخرة يلفظ أنفاسه ببرودة…يفتح لي اوداج السمكة كدليل على طزاجتها… حاولت ازاحته عن طريقي بلطف فأنا دخلت لأستعيد صور وذكريات وأطير بروحي إلى مكان آخر… أسمع أصوات الباعة وخربشة قشور السمك المتناثرة عند التنظيف، وخبطات “بالطة” القطع…لكنه استمر.. التفت إليه وقلت له أرجوك لا تتعب نفسك فأنا إبنة صياد… رأيت في حركة حاجبيه استغرابا وفي تمطط شفتيه استهزاءا… قال لي “أنا صادق… هذه أسماك طازجة”…بادلته نظرات تعجب واستهجان… ومضيت افتش بعيني وأنا اعاين السمك واتفحص عيونه التي أبحث عنها ككرة ” البطش” اللامعة التي كنا نحرص على مسحها في ثيابنا أثناء طفولتنا..
اخترت ما أردت… دفعت الثمن لشابة صينية تنطق الأرقام وكأنها تنفخ فقاعات تنقشع في الهواء وهممت بالخروج.. لمحت ذاك الشاب البائع يقف بالباب وكأنه ينتظر خروجي ليحاول مجددا البيع كما ظننت، لكنه مد برأسه وهمس لي … انت فعلا ابنه صياد… اصدقك ! ثم اردف.. كيف ستطبخينها؟
ابتسمت وقلت له بلهجتي وبوضوح… “حرايمي”، انزعج ” ماذا؟” وقد ازدادت عيناه ضيقا.
” حرايمي … ابحث عنه في جوجل”… وخرجت إلى الحي وسط قومه.

عن عزة المقهور

عزة كامل المقهور. من مواليد طرابلس 1964، ولدت في بيت قانوني وأدبي فوالدها المرحوم كامل حسن المقهور محام معروف ومن روائد القصة القصيرة الليبية، ووالدتها السيدة سهيرالغرياني من أوائل الخريجات الجامعيات الليبية ومن مؤسسي مجال الخدمة الإجتماعية في ليبيا. تخرجت عزة المقهور من كلية الحقوق جامعة بنغازي في عام 1985، ثم تحصلت على درجة الماجستير في القانون الدولي والمنظمات الدولية من جامعة السربون بباريس عام 1988. تدربت بمكتب دولي للمحاماة، ثم أسست مع والدها مكتب المقهور وشركاه عند إعادة مهنة المحاماة عام 1990. كاتبة قصة قصيرة، وصدرت لها مجموعتان قصصيتان الأولى بعنوان "فشلوم/ قصص فبراير"، والثانية بعنوان "30 قصة من مدينتي"، ولديها مجموعتان تحت الطبع.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى