جولة في جرافة حوت

محمد سعد جاب الله

المقدمة
إن الكلمات التي وضعت في هذه الأسطر لتجسد عن أحاسيس في وقت اشتد به الآلام.
 عن صبرٍ كان سبيلاً للنجاة رغم فقدانه من حين لأخر وأملاً لم يفتقد..
.

جولة في جرافة حوت
جولة في جرافة حوت (تصميم: مصطفى أبورويص)

في إحدى أيام طفولتي القصيرة، من طباعي عزلتي وبقائي، مع خيالي الفذ، كنت دائما أمسك بألعابي الصغيرة، كنت أدعوها “مكعباتي “. وهي أجزاء مكعبة صغيرة لتشكيل الأجسام لألهو بها، ففي تلك الآونة نضج عقلي درجة من درجات الطفولة، فقررت الاعتزال عنها بعض الشيء، والانخراط بهواية جديدة، لكي أكون أكثر انسجاماً بعزلتي، اتخذت من جهازي المكتبي مسلكاً لأدخل هواية أشبع بها ملكات نفسي، لاسيما بعد أن فقدت شخصا، هو من أعز الناس لدى “والدي الغالي” رحمه الله، مهتما بالألعاب التقنية ومر الوقت ومرت الأيام كأنها جبال حتى انقضت سنة أخرى، وفي واحدة من تلك الليالي الثقال، جلست في غرفتي منشغلا بذلك الجهاز الأسود ذي الشاشة المسطحة لكي استمتع بما اعتدت عليه من تلك اللعبة الالكترونية الرائعة
(كرة القدم)، تلك اللعبة التي طالما استمتعت بها كثيراً والتي كنت دؤوباً عليها لما تبعث في نفسي نوعاً من الإثارة والحماس، اللذين جعلاني أسلو أحزاني وقد أشعر في نفسي بشيء من النشوة ولكن في غمرة الاستمتاع بهذه اللعبة، لا أدري ما الدهر أخفاه لي.
وبينما أنا منغمس في لعبتي وفجأة أسمع دوي صوتٍ كان في عقلي مجرد خيال، لأني لم أتوقع سماعه في واقعي، قلت لنفسي كلا يا أبله هل ستترك لعبتك وتركض وراء ذهنك، هذا من وحي خيالك، أبقى واستمتع…
لكن لم استطع جذب تركيزي بين عيني حينما كان يسرح مع أذناي، ليتفقد ما أسمعه من صوت فإذا بذلك الصوت يعلو ويكثر، قلت لنفسي لقد أصبح الخيال واقعا، وذهبت مسرعاً لأخطف النظر من وراء سيتار نافذة شقتنا، تلك التي ترعرعت وشهدت فيها لذة ومرارة حياتي، لأجد أن هناك انتشاراً للجيران وغرباء معهم يتبعثرون كتبعثر أزهار النرد في صندوق يرميها اللاعب لتحديد مصيره…
دخلت مسرعاً “ماما…ماما” هناك جلبة تجوب شارعنا، والخوف كان يعتريني، وخيالي أصبح يلقي بما كان يحويه عقلي، ذلك من أحداث كانت من المستبعد وقعها، أصوت كتلك التي تسمع في الحروب والغزوات، أسلحة نارية خفيف منها وثقيل أيضا، مسدسات، ومدافع والأغرب حينها صوت جنزة عجلات الدبابة الغريبة، فكنت استمع وأعرف ما كان يجوب شارعنا من أصوات على رغم صغري…
فقالت لي أمي حينها: لقد حدث ما كان يقولون إنه ستكون ثورةً على حكم أصبح للبعض بغيضا جداً، قلت لنفسي لا دخل لي بأمور لا اعلمها فحينها لازلت صغيراً. ولكنه كان الحدث، دَخلتْ أمي مسرعة لغرفة إعداد الطعام “المطبخ” وإذا بي أراها تحضر سكينا وتخبئه بين يديها وتأخذ بي وأخواتي الاثنين، فتحت باب شقتنا وإذا بجيراننا يقولون كلام لم افهمه وأمي مذعورة من أشياء كنت أجهل حدوثها وهي تعلمها فكاهل المسؤولية يقع عليها لتحمينا وتحقق ما وعدت به أبانا رحمه الله وأبقاها لنا…
هبطنا إلى جيراننا ودخلت أمي وإخوتي لمنزلهم، وأنا إذا بي أدخل مع رجال الجيران أيضا لمنزل أحدهم، لكي نحتمي بجدران كاد الاهتراء يملأ خارجها وداخلها ونعلم أن الله القدير لبصير بحالنا وهو من يحمينا، ولكنها الغريزة التي بداخل كل آدمي…
بقينا وقتاً طويلا وإذا بتلك الأصوات تعلو وتجوب شوارع المنطقة وهنا أخبارُ تَرِدُ لنا من خارج العمارة التي كنا بها، معلومات عن أن جيشاً يتقدم لكي ينتهك حرمات المنازل العامرة بأهلها الآمنين، ويجوب الأبنية لبسط سيطرته كاملة عليها، ويثبت حكمه فيها، ولكن قاطنيها أبوا واستنكروا وأصروا على الجهاد وألا يستكينوا بعد سقوط أول فقيد حينها، لتندلع أكثر وأكثر ولم تنطفئ حتى وإن قال أمِرُهُم ارجعوا ولكم منا سلام أَبَدِيَ…
طال الوقت، واستمر حتى شارفت شمس المغيب وأصوات الطلقات ودوي المدفع لا ينقطع للوصول حدث ما حدث وأمي كانت في كل تارة من ذلك الوقت تخرج من منزل الجيران وتقول “ولدي ولدي ديرو بالكم عليه” والخوف يقطع أوصال قلبها، ولا تملك من الأمر شيء إلا خوفاً عارماً علىَّ وعلى أخواتي، هدأ الوضع ونزلنا لأسفل الشارع لنجد المكان أصبح ساحةً هبت عليها عاصفة جعلتها  جرداء بلا لون، ليقول لنا جارنا الذي أصبح يجاور أبي لدى خالقنا رحمهما الله، هيا  ليأخذ كل منا أسرته ويخرج من المنطقة إلى حين هدوء الأوضاع، ذهبت مسرعا أنادي ” ماما…ماما هيا” اجلبي ما تستطيعين مما أمكنك وأتي به.
هكذا خيالي كان يقول ولساني نطق بـ “هيا بنطلعو”  أخدت بهم أسفل العمارة وإذ بجيراني يركبون سياراتهم ويرحلون ولم يتبقى غيرنا وأنا في ذلك الوقت لا أعلم أن بمقدوري القيادة في وسط يسوده دمار كنملة تحاول النجاة من قطرات ماء متناثرة في كل مكان، ولكن بيني وبين نفسي قلت أستطيع فعلها، ركبنا وقدت بأسرتي ولففت الشارع  لكي اخرج منه ولم أكن أعلم بصيرناَ إلى أين يأخذنا…
الشارع كان مزدحماً والمنظر كان أشد المناظر الواقعية التي لم أكن أتصورها البتة، مبعثرة ومحروقة تلك المركبات المجنزرة والأظرف الفارغة من رصاصها الحي، والبشر يهتفون بأعلى صوت ” الله اكبر الله اكبر” وجسمي يقشعر، وأمي وأخواتي كادوا يموتون رعباً والبعض يقول لنا من خارج الطريق “كبري يا حاجه متخافيش” انطلقنا لمصير مجهول لا علم لنا به.
 وفجأة تقول أمي لنذهب لأصدقاء أباك رحمه الله فإنهم لن يتركونا. سرنا إليهم والدمع يذرف من أعيُننا وصلنا حينها بجهد كبير لأني في ذلك الوقت تعلمت القيادة من شدة خوفي على عائلتي وشعوري بالمسؤولية التي ألقيت على عاتقي وأنا في سن حدث لا زلت صبياً.

بمرور الأيام مرت ثلاثة أشهر تقريباً، وبعد تلك الفوضى أصبحنا نجوب البيوت خوفا من تأزم الأوضاع والقلب يزداد خوفا ورعباً وألماً، ولكن بزيادة المسؤولية التي أجهل التعامل معها، إلى أن نصل إلى بيت أقارب والدتي الذين لم أعي بوجودهم في مدينتنا لأنني كنت صغيرا لا أعرفهم، وبعد بحثِ طال الوقت لإيجادهم من منطقة لأخرى ومن بيت لآخر ومن مدرسة لأخرى إلى أن وصلنا لمدرسة كان القدر يحملنا لها، بعد تلاطم أمواج الحياة في وجوهنا بقينا في تلك المدرسة نتخالط ونتعارف إلى الأناس الذين سبقونا إليها، ووجدت آنذاك جاري الطفل الصغير الذي كان صديقا لي، يراقبني من بعيد وفي ذهنه يقول، هل هذا صديقي الذي يقف هناك ولكن كيف؟ !…
اتجهت إليه ماشياً لأسلم عليه، واستمر ذلك الوضع المشتت الذي فقد فيه صديقي أخته أثناء الحرب على مدينتي، وأقول لنفسي كيف يحدث هذا أي قلوب تقوم بهذا من أي أنواع البشر هم،ومر الوقت وهدأت الأوضاع في الخارج حسبما يُأتي إلينا من أخبار وخرجنا مع العائلة التي بقيت معهم أمي وإخوتي في فصلٍ لتعليم الأطفال الذين هم في مثل سني والذي أصبح الآن محل إيواء للعائلات الفارة من حرب أكلت من الأرض أخضرها ويابسها وبسطت عليها صفارها…
وصلنا لمنزلهم وكانوا فرحين لأول وهلة رأوا فيها منازلهم الناجية من تلك العاصفة الهوجاء فبقينا لدى تلك العائلة ريثما يتحدد مصيرنا إن كان سيتركنا بلا مأوى أم سنرجع لمنزلنا!
توالت الأيام ولا يزال الوضع على مشارف المدينة يزداد سوء ونحن نقطن هذه المنطقة بالقرب من ميناء المدينة، إلى أن عرفتُ من أمي بأن هناك أناس، استقلوا سفن ليذهبوا إلي مدن أخرى، فقالت لقد تخاطبت أنا والعائلة التي كنا لديهم حول ذهابنا في إحدى تلك السفن وأنا حينها أصبحت أتصور سفناً شتى كبيرة وصغيرة والأحمر والأبيض منها و البطيء والسريع والواقع يخفي الحقيقة في طياته…
أتى رجل كانت والدته تربطها بوالدتي صله، أخدنا وبعض من أغراضنا تلك إلى ميناء السفن ,والسماء تسودها ظلمة حالكة كسواد فوهة المدافع والبنادق, لا نهاية لها ولكنها صافية، وصلنا والازدحام يملئ المكان نزل الرجل من سيارته وفي غضون لحظة واحدة  تهافتت نحونا  أشياء براقة من السماء ذات  أصوات صاخبة يقال لها “جراد “.
 هذا ما علمت، عندما سألت عنها في عجلة من أمري قفزت لمقعد السائق وقدت بأهلي متخذاً من صناديق المعدن الكبيرة “حاويات” تلك مخبأ، كنت كعصفور في بداية حياته يبحث عن مأوى له، استجمعت قوة الرجال في نفسي استرجلت وذهبت إلي الخارج بعد الرعب الذي انتشر، اخدت أقدم العون للذين يتعاونون علي إفراغ ذاك المركب الرث، وبين زوايا عقلي أتمتم أين تلك  السفينة الغبية التي ستنقلنا، بعد الانتهاء وبسرعة فائقة من إفراغ محتويات المركب، قام بعض القائمين على الرحلات البحرية على متنه يقولون هلمو بسرعة وأحضروا العائلات وأنا وقعت في محيط ذلك المكان شارداً هل هذه سفينتنا التي سنكربها…
أصبحت العائلات تركب في هذا المركب باستعجال، منهم من وقع ومنهم من جرح وكل تلك الجلبة خوف من تكرار ما حدث فور وصلنا…
تمت عملية التعبئة بنجاح، هكذا قلت لنفسي، انطلقت السفينة تبحر كما لو أنها ثقب أسودُ في فضاء سماؤه شديدة الظلمة وأسفلنَا أشد حلكة بالعتمة، ومركبنا قد أطفئ أضوائه لكي لا نصبحُ هدفا سهلا لمدافع العدو، هكذا  استنتجت من أفكاري…
يا للمجهول، أنت يا بائس الحظ شاحب الوجه، مهتز الشعور، غير مكترث، نسير لوجهةٍ لا نعلمها ولكننا، سرنا.
 ومن شدة تعبي وخوفي لم أستطع المقاومة والبرد أفشلني، ومن كان بجواري يقول هذه الجرافة حينها وبذهنٍ ضعيف التقط أخر الكلمات “جرافة”!.
انطلق كطائر النورس محلقاً في سماء البحار، وارتقب فريسة سهلة لكي انقض واشبع جوفي من تلك المسافات الطويلة، ها أنا مثله أبحر على متن جرافة مهترئة صغيرة الحجم مزدحمة، البشر فوقها، لا اعلم كم مسافة سنقطع ولا يوم سنبقى في ماء البحر المتوسطِ، بزغت الشمس وها أنا أول مرة أشاهدها تشرق من بحر أنا ضيفه كما لو أنه يضفي طمأنينة علينا ألا تحزنوا ستبشرون…
مرة اللحظات والساعات والألم والخوف يملأ من المكان، أنظر أين أمي؟ وأخواتي؟ هل فقدتهم أم ماذا؟؟
جبت الجرافة تلك باحثا لكي أجدهم بحجرة ملأتها المياه، والقرف يعم أرجائها، وجدتهم ممددين بين النساء اللاتي كن معهن، ضممتها وقلت هل انتن بخير، أو تحتاجون لشئ؟ قالت لا ولكن أرجوك بني احذر، أننا في مصير لا نعلمه، وأنت أملنا بعد الله، تركتهم آنذاك، ومضى اليوم بما فيه من أشياء لم اعتدها واشتياق لغرفتي ومدينتي والأكثر منهما أصبحت احنُ لليابسة الجرداء هناك.
اليوم التالي آتى بعد معناةٍ مع البرد القارص، والمياه المتجمدة، والخلاء الذي كان أشد من الذي كنت أجاوره في غرفتي، إلا أني اعتدته و أمواج البحر تتلاطم بجدران المركب، ومنها ما يدخله  البشر من حولي مرعبون أطفالا، ونساء، وشيباً، ورجالاً،منهم من كان يخفف من آلامه بالبحث عن الطعام الذي لم نجلبه معنا بسبب الفزع الذي حدث في الميناءٍ، ولكن بعض الطعام وجد، وكان عبارة عن صندوق طماطم وعلب  تونة وبعض اكياس من المعكرونة وماء  الشرب ليس بكثير.

كان هناك رجل مليء البنية يبحث عن بعض الطماطم وعلب التونة تلك، فوجدها وإذا  به يأخذ منها، ويمسك باليمنى التونة، واليسرى الطماطم، ويأكل بشراهة، كما لو أنه لم يأكل من عشرة أيامٍ، إلا أننا لم نتمكن سوى يوم واحد، أكل ما استطاع أكله ومن تم ذهب مسرعاً إلى حافة الجرافة ليفرغ ما في جعبته من طعام يا لسوء حظه العاثر، بقيت أحدق بالذين كانوا على مقربة مني يمينا ويسار هل سأصل حيث المرتقب آم سنبقى عالقين، أم سيظهر لنا حوت كبير ويلتهمنا؟ والخيال يأتي بما طاب له التفكير فيه، وفجأة سمعت كما سمع غيري صوت بدأ مألوفا ومستبعد أيضا، صوت طائرة عاموديه “هليكوبتر” هكذا اعرفها، تحوم فوق الجرافة وأصبحت أبداننا تقشعر هل سنقتل أم ماذا؟
وفي ذلك الوقت أصبحت أقول لنفسي كل ما شاهدته من خيال وسمعت عنه يحدث أمامي هل أنا في غيبوبة أم حقيقة مؤلمة! بدأ “كابتن” الجرافة يخاطبهم عبر جهاز اللاسلكي، والاستيعاب لم يكن يحالفني تلك الأثناء فلم أعلم سوى أنهم يظنون أننا أشخاص يحاولون الهرب من خلال البحر ليذهبوا إلى بلاد أولئك الأوروبيين ,وبعد طول انتظار في بحر عميق تركونا وشأننا، بعد أن تأكدوا من هويتنا ووجهتنا، الجوع والخوف يكاد أن يصبحان كظلي، فالأمر لم ينتهي بعد اهتزازات، ورياح وبرد، كتلك التي يواجهها الصياد، ليصل إلى صيده الوفير في يوم مليء بالغيوم، وحلت الظلمة الحالكة ولكنها امتلأت بمصابيح “النجوم” لذلك المسافر في طريقه المجهولة، لتنير له قلبه وتريحه على الرغم من شدتها عليه، أتى الصباح وأشرقت الشمس من مكان بعيد، وانتصف النهار وصوت النورس الجميل، مهلا  استفقت فجأة من سرح كان كالخيال صوت نورس وسط بحر عميق!! وبدأت الجرافة تعمها الضوضاء، شخص يقول وصلنا والأخر يهتف إنها اليابسة، وأخر لقد نجونا، وتقشعر الأبدان واتجهت صوب أمي بفرح يعم أرجائي،وصلنا نجونا إنها المدينة، الحمد لك إلهي  بدأنا نقترب والأمر كالعادة، حين الاقتراب يصبح أبعد من قِلَةِ الانتظار التي تعتري كل من يقترب لوجهته، أصوات بوق ورصاص ومراكب نجاة، ورجال شرطة يستقبلوننا بفرح، لقد وصلتم أهلا بكم،حينها قل الخوف والألم كما لو أن قنينة ماء كانت مائلة، واستقامت لتحتفظ بمائها للسقيم…
احتضنت أمي بفرح غامر لم أكن أهتم حينها بالمجهول وإن كان لم يكتمل، لأني قريب من  أمي، والأرض تحتضننا، وبعد مرور ثلاثة أيام حيث كنا وسط بحر لا يدخله إلا صديق له لكننا سنبقى ونحارب، لأجل البقاء إلى أن تحين لحظة السفر، فتكون مع من بقرب من رحلوا عن دنيانا، هكذا فكرت، وقلت، وانتظرت إلى وقت سيأتي قريباً…
مدينتي رجعت بعد شهر مضى، الأرض كلها واحدة في بلاد واحدة، ترابها واحد، هي من ولدت عليها واستنشقت هوائها، هذا هو ما اشتاقت له رئتاي لتستنشقه، واستمر الخوف والأمل يداعب مشاعري وأنا بينهما سأناضل لأبقى وأهلي بخير، هكذا الحياة يوم لك ويوم عليك ناضل وأستمر وكافح ستصل، إن كانت طريقك صحيح وأحذر من ظلمٍ تكون ضالته ولا يبصر قبلك سواه…
هذا ما كان يجول في ذهني من وقائع تلك الفترة، أما من منظور والدتي ذات العيون البنية والابتسامة الزهية تجاه ما حدث فكان مختلف, فحين سألتها عن ما جاب في ذهنها لما سبق؟ كانت إجابتها لي،يا بني ما حدث في ذلك الوقت من أحداث ومواقف وغيرها ما هو إلا جزء جديد من ألم عشت أقسى منه في الماضي , دعني أسرد لك ما طاب لذهني تذكره من ذلك الألم الذي كان كشبح يخطو خطواته الأولى خارج زنزانته، بعد طول انتظار كسماء مظلمة لا قمر ينتصفها، وأنا بصمت وانتباه شديد استمع لها.

أنا أنثى شرقية ولدت في الثالث والعشرين من شهر نوفمبر سنة 1966م في مدينة تقع شرقيِ البلاد ترعرعت بين أذرع والداي عشت مع إخوتي وأخواتي البالغ عددهم سبعة وأنا معهم، وحللت الترتيب الثاني بينهم، فعشنا جميعاً ببيت في شارع قريب للبحر، إلى أن أتت سنة 1974م حينها بلغت من العمر تسع سنوات تقريبا، مرِضت والدتي فجأة، وأصبحت لا تستطيع الوقوف علي قدميها، حزِناَ جميعاً وبدأت تلك المعاناة التي لم احسب لها في الحسبان, كذلك الصوص الذي يركض وراء والدته ولا يعلم بما سيحدث لكليهما…
سافرت والدتي وأبي رحمه الله يصطحبها، لكي يجدوا علاجاً مما عانت منه فسافر والداي إلى دول عدة منها اليونان، وألمانيا، وإيطاليا، وغيرها، وفي تلك الأثناء تركت دراستي لكي أقوم برعاية إخوتي وكانت عمتي رحمها الله معنا، وفي تلك الآونة التي بقي الأقارب فيها معنا منهم من أحسن رعايتنا ومنهم من لم يفعل وكنت إحدى أخواتي اللواتي تلقت غضب من الموجودين، طفلة أنا حينها، كنت أضجر، وأغضب، وأخاف، أتمتم وأكتم أبكي على طفولة أوشكت علي الرحيل، ومر الوقت والليالي تليها ليلة ظلماء كظلام بئر عميق يملئه المطر بالماء ولكنه لا يعلو منسوبه هكذا أنا أملأه صبراً، رجع والداي ولكن لم يتغير شيء فكانت والدتي على حالتها تجالس كرسياً متحركاً والأب يجتهد ليلبي رغباتناَ كالحطاب يخرج لغَابتهِ يجمع الحطب ليشْعلَ به نار يدفئُ به عائلته، فكان أبي يشتغل بمهنة اللحام “جزار” ,نعم انه يجر وينحر أعناق الماشية ولكن قلبه كان رقيقاً فرِقته كانت تفوق ورقة بيضاء نقية من الشوائب.
فصمتت أمي للحظة، فسألتها ما بك أماه؟ نظرت إلي والدمع يملأ عينيها كسيلان وادي جارفٍ مرت به عاصفة ممطرة أصبح يتدفق الماء منه بغزارة، لا شيء وإنما ما أتذكره يصعب نسيانه، وحلوه كاد يتلاشى من ذهني، وأكملت ما كانت تنوي قوله لي، وأنا أتأملها وأقول لنفسي إنكِ من أنجبتني ليفرح قلبك وتقر عينيك بمشاهدتي، سأبذل قصارى جهدي لأحقق ما تمنيتِ.
يا بني في نهاية سبعينيات القرن الماضي استقبلتُ وأسرتي خبراً مؤلماً كاد الموت يبارحني لسماعه  أبي شديد الحنان والحنة وافته المنية وأنا أذرف دموعي تلك وأقول لنفسي ذهبت يا من أنزلت بي سكينة برؤياك،  وبسمةً حين أخاطبك، وأصبح أشد طفولة وأدعو ألا أصحو منها، حَزنتُ بشدة وذلك الجرح يزداد عمقاَ، لقد خاطبت نفسي قائلةً أمي سقمتْ، بأس سقمها وأبي فارق الحياة وإخوتي صغار، وأخي الذي يكبرني بسنتين يساندني حالياً والمجهول أصبح بعيد الوجهة يا إلهي عونك.
فقلت لها يا أمي شهدتِ طفولة عسيرة، كاد جمالها يختفي حقاً أنا آسف لذلك …
نعم يا بني استمرت حياتي تلك سنين طويلة فرأيت مرارة الدنيا وحلوها القليل، حتى كَبُرَ إخوتي وحاولت جاهدة أن أستكمل دراستي وكانت عمتي الأخرى رحمها الله تبدي رأيها مع بقية أفراد أسرتي لِماَ لا تجعلوها تستكمل دراستها فهي لا تزال طفلة، ولكن لسوء حظي العاثر الدراسة التي كنت أودُها استقلت قطارً سريعاً وأنا تأخرت على موعد الالتحاق بها فلم يبقى سوى مكان واحد أستطيع استكمال التعليم به مكان ٌمليء بالعجائز كبار السن الذين فاتهم ذلك القطار مثلي، لكي يتعلموا ما فاتهم، فوافقت حينها لأن ما باليد حيله غيرها، دخلت واستقبلت ذلك العلم الذي كنت أرغبه بكل ضيق ويوم عن يوم يزداد الأمر اختناقاً ليس لأني لم أستطع استيعابه، ولكني استقبله في مكان ضقتُ ذرعاً به أناس  يكبروني سناً وأرتدي ثيابَ عجائز كما لو أني امرأة تجاوزت الخمسين، عاماً وأنا لم أتجاوز ربعه حينها تنهدت أمي وقالت: بعض من السعادة التي منحت لي في صغري  كان أحدها الذي امتطى فيها دراجة هوائية اركبها مع طفل جيراننا باستمتاع ذاهبةً لمدرستي التي درست بها أول سنة من تعليمي القصير والابتسامة ترتسمني، مر الوقت أنا أجالسها وهي تسرد وتسرد فقالت أيضا، لقد بقيت بالمنزل أرعى إخوتي وأمي أيضاً وفي سنة 1984م أحسست بالصبر يجدي نفعاًُ والمطر ملئت بئري تلك عندما استبشرت بموافقة أهلي لكي اشتغل بمكان يقوى على مساعدة الناس استمريت بذلك المكان لوقت إلى أن  أبشرت بمجيء فارس على تلك الجواد التي تمطى في المسابقات للفوز بجوائزهم  كطير محلق يحمل رسالة فرج من وسط زحام عاثر بالتعاسة، رجل كان قد رآني  من قبل وأنا لم الحظ هكذا أخبرت بالأمر، أراد أن يتزوجني أتى وأخبر أهلي بذلك، فأخبروني به أنا تغمرني السعادة أسوف اسعد من جديد؟ ويستمر الأمر، وافقت على زواجه وأقيم الفرح وذهبت معه إلى مدينته التي تتوسط البلاد فكانت أصحُ على زقزقة العصافير وثغاء الماعز وخوار البقر ورائحة النسيم العليل التي تملأ تلك المزرعة، قلت لنفسي لقد سافرتُ من مكان بعيد عن التعاسة التي عشتها إلى هذا المكان أرجو السعادة فيه، زوجي حبيب قلبي يداك الدافئتان وعيناك وقلبك ممتلئان بذلك الحنان كأنك تحلق في السماء ﻭﻗﻠﺒﻚ كملك متوج ﺗﻬﺰ الشعوب ﺳﻌﺎﺩﺓ تملأ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﻭأﺣﺎﺳﻴﺲ ﻻ ﺗﻮﺻﻒ ﺑﺤﺮﻭﻑ إذا هو ﺍﻟﺤﺐ الذي تغني به والشعراء الأدباء…
فبعطفك ذلك ملكت قلبي وفجأة ينقلب الميزان رأساً على عقب، أسرته أصبحت تستفزنا وتضايقنا لا أعلم لما تلك الحرب البلهاء كعائلة ملكية تحارب فرداً من أفرادها لأنه أخذ امرأة من خارج مملكتهم تلك، وأنا ضحية حربهم الهوجاء استمرت طويلا إلى أن عزمت وزوجي الحبيب على المغادرة وترك مملكتهم لهم، أيام وليالي مجردة من الأمل مظلمة كالظلام حقل لا عشب به ولا نجوم ولا قمر يضئ عتمته، كناجين من حربٍ بغيضة أزهقتْ بهَا أرواح كثيرةٌ إلا أن نور خافت اقترب من بعيد في نهاية كهف بارد تغلغلت به بؤرة ضوء لتنره.
حملت بطفلٍ هو أنت بني، تسعة أشهر كاملة مكثَ ببطني هذه واحتمي من الحرب الجرداء ومن تم أتت اللحظة التي أنجبتك بها كنت صغير الحجم ابتسامتك أفرحتنا وقلبي ازداد قوة بوجودكما  أنت ووالدك، فقررنا الانتقال لمدينة أخرى لكي نبدأ حياة جديدة وأخذ والدك يشتغل لكي نشعر براحه كالتي شعرت بها قبل سوء الأوضاع في مدينته استمر وقتنا بالمضي تارة نسعد وتارة نحزن كلعبة الأطفال تلك ترفعك من جهة وتنزلك من جهة أخرى، كبرت يا بني ودخلت مدرستك وأنجبت أختك الوسطى والصغيرة أيضاً أتت فأحسست أن السعادة أتيت وأبت الذهاب ولكن يبدو أنني حسدت نفسي لسعادتي تلك فلم تستمر وحدث ما حدث مرض والدك زوجي الغالي بمرض خطير فاستقبلت ذلك الخبر كرعدٍ ضرب منزلاً عامرً لتدمر عمارته، ضاقت نفسي وضغطي وسكري باشر في الارتفاع لدرجة لا يتحملها الجسم أصبحت استقبل الأخبار السيئة باستمرار، نجدت بكل ما أوتيت لي من قوة لكي افعل المستحيل وأساعده، فسافرت إلى إحدى الدول لعلاجه وكان العلاج طويلا وأجريت له العملية المكلفة تلك ورجعنا لبلادنا وجفوني سوداء كما لو أن غراباً أخذ ريشةً من ريشه وخط لي بها لأهمل نفسي جرائها، ومن يساندني غيرك الهي كنت دوما عوني لا تخذلني، بقينا على حالنا هذه عامين قبل سقوط الثلوج الكثيفة، فتأخذ دفئنا في ليلة قاحلة من النجوم اخدت أجالس أباك رحمه الله  واشربه قليل من الماء إلا أنه أخرجها من فمه حينها غادرت روحه لخالقها وصرخت وبكيت بأعلى صوتٍ لي على فراقك الصعب كطفلة أخذوا منها أعز ما تمتلك، أصبحت أناجيك إلهي لطفك بي.
قلبي قد أصبحت يتيماً كمن أخذ والدها الحنون مُسكِنْ آلامها، كسماءٍ بلا شمس ولا ضوء لتحدد للسائر أي طريق يتخذ، ووقع الحمل على كاهني أيضا، بأن أحافظ عليكم، لأنها غريزة الأمومة وأيضا كوعدٍ أعطيته لوالدكم رحمه الله، فمر الوقت والمسؤولية تنهك كاهلي فكنتم صغاراً في ذلك الوقت، متطلباتكم كثيرة وأنا ليست بيدي حيلة أبذل جهدي لتحقيقها، تركت كل ما اشتهي وأحب وراء ظهري لكي أسعدكم والغير يقول لي بإمكانك تركهم والمضي قدماً فرددتهم قائلة هل هناك شخص يرمي كبده في العراء، ويناشد كبد غيرها، ولا يعلم خباياها؟
وضعت كلامهم وراء ظهري وملئت أذناي بعازلٍ عن كلام الناس، وبقيت أبحر بكم في بحر تسبح به القروش والفقمات لتأكل ما تسنى لها من فرائس، أنتم أبنائي من يقترب منكم اجعله فتاتاً.

وبعد مدة وجيزة كان القدر يخبئ في جعبته مواقف شتى منها ما حدث في ذلك الوقت انتفاضة شعب على حاكم بغيض في حكمه لتتداخل الأوضاع في بعضها، فحينها كنت في “مطبخي” أعد طعام الغذاء وفجأة أتيت إلي مرتعباً يا بني فأخدت ذلك السكين بدون أن أعلم كيفية استفادتي منه أمام بنادق الرصاص تلك فكنت مرتعبة أيضا، اتجهنا إلى باب شقتنا وحينما لقينا جيراننا خارج شقتهم أيضا قمنا بالنزول لنبقى بالقرب من بعضنا البعض، دخلت لبيت جارتنا  وأخواتك معي ندعو الله السلامة وكنت خائفة أشد الخوف عليك كنت أناشد جيراننا أن يحموك لي وكنا نكمل انتظارنا في غرفة تنيرها أضواء المصابيح، وفجأة يسطع ضوء أحمر براق، يفوق إنارة تلك المصباح الصغيرة كما لو أنه نيزك، مر بجانب القمر فأخد أنظار الناظرين له بذهول ارتعبنا كثيرا وصرخنا لم نعلم ما جرى والعمارة التي كنا بها تهتز كلعبة تصدر أصوات خشخشة من يد أحد الأطفال.
هدأ الوضع بعد مروره كمرور سنة وسط زحام مليء بالخوف من فقدان من نٌحبهم، وفي هذه الأثناء أتَيتَ إلى وقلت لي لنخرج كما سيفعل البقية  فنزلنا وركبنا سياراتنا ونظرت من حولي والذهول يملئ تعابير وجهي كنت أراقب تعابيرك بدقة فكنت تخفي بعض من الخوف فانطلقت بنا إلى المجهول، وإذا بالذين حققوا الهدوء  في ساحات المدينة يقولون لي “كبري يا حاجه متخافيش” وأنا أكاد أموت رعباً فتجاوزناهم والازدحام يعم الشوارع والذين يقودون سياراتهم ليبتعدوا مثلنا ويقودون برعب من المشاهد والأصوات الموجودة، فأجبتك عن سؤالك الذي قصدت فيه لأين سنذهب وقلت لنذهب إلى أناس قد كانوا ولا زالوا أصدقاءً لوالدك رحمه الله  وصلنا إلى هناك وتوالت الأيام بالمرور وفي جمعة قصدت أنت وأحد الرجال بذلك المنزل لتفقد شقتنا فكانت كما هي هكذا قلت لي هل تذكر ذلك بني؟ آه يا أمي أتذكر ذلك بتفاصيل ذلك اليوم يا ليتني أخرجت ما استطعت من أغراضنا قبل أن تصبح رمادا وبعضاً منها يلطخ بدماء من كانوا بها من جنود، لا تحزن بني على شيء لم تكن تعلمه وبعد مدة شهر تقريبا علي بقائنا لدى الأصدقاء أصبحنا نتنقل من منزل صديق لآخر، فهل تذكر يا بني صديقك الذي بقينا عنده؟ كنا نبيت في حجرة مفصولة عن منزله لا غرفة لقضاء الحاجة بها ولا دفء يملئها كزنزانة من الخرسانة هي، ففي إحدى تلك الأيام التي تشتد الحرب بها أصبحنا مرعبين من الكلام الذي نسمعه عن أولئك الذين احتلوا المدينة بأنهم يدخلون المنازل وغيرها من الأشياء التي يقومون بفعلها نعم أتذكر ما حدث فكنتي تحتضننا في كل ليلة، وعند كل خشخشة تصدر من الشجرة التي كانت موجودة بجانب النافذة تقفزين من الفزع وتنادي باسمي فأقول لكي لا تخافي أنها الشجرة ليس إلا، نعم يا بني، وآخر الأماكن قبل وصولنا لتلك المدرسة كنا نبحث عن منزل أقاربي الذين مر على زيارتي لهم أنا وزوجي وجدتي وقت فكنت صغيراً آنذاك إلا أنهم خرجوا أيضا من منطقتهم هكذا عرفنا لاحقاً لأنها كانت تشهد كما شهدنا في منطقتنا  وصلنا لمدرسة قيل لنا عنها من إحدى المدارس التي اتجهنا إليها لنسألهم إن كان بمقدورنا البقاء أيضا مع النازحين من منازلهم دخلنا لها فاستقبلنا من الذين كانوا في بوابة الدخول وأرشدونا لأحد الفصول الصغيرة وجدت بها عائلة أصبحت أتحدث معهم ومن حديث لآخر تبين لي أنهم من منطقة أقاربي فهم أيضا يقربونهم شعرت حينها ببعض من الأمل الذي فقدته وارتحت قليلا، فيا بني من إحدى أحاسيس الراحة تلك التي اصطفت بها النساء وراء الرجال ليأدوا إحدى الصلوات وكنت من ضمنهم أحسست براحة واطمئنان لم اشعر بها طيلة هذه الفترة وبعد الانتهاء كنت كما لو كنت أقرب مِنَ الله عز جلاله، ومضت الأيام واتى وقت خروجهم من المدرسة راجعين لمنازلهم شعرت أنداك بسوء لأنني سأبقى وبناتي وحدنا فإذا بهم يقولون لي هيا أنتِ أيضاً سترحلين معنا لن تبقي هنا، ابتسمت وقلت لنفسي الحمد لك إلهي فانطلقنا معهم، ووصلنا لتلك المنطقة وقالت لي إحدى نسائهم لتأتوا عندنا ريثما تعلموا ماذا ستفعلون؟
مكثنا لديهم وأنا في أمل لإيجاد وسيلة لأرى أهلي وحتى لا أبقى وأطفالي عبء على أحد طوال مجهولنا المتبقي  وفي إحدى الليالي قالت لي امرأة المنزل الذي بقينا عندهم بأن هناك سفينة تنقل الناس إلى مدينة أهلي فرحت وقلت ها قد فرجت وحينها أخبرتك يا بني فقلت للمرأة لتجِدوا لنا وسيلة للذهاب على متن السفينة تلك وفي اليوم التالي أعلمتني بموعد الرحلة المرتقبة كان وقتها في ليلة ظلماء يسودها الهدوء الحذر والمرتقب لعاصفة ليست معلومة انطلقنا إلى الميناء وفجأة عند وصولنا سمعت أصوات غريبة مرعبة و أضوائها في السماء مضيئة كشعلة مدخنة لتكرير الغاز تنفت ناراً من أعلاها، فأخذت مسرعاً تقود السيارة  تبعدنا عن العراء فكنت أحتضن بناتي مذعورة عمت الفوضى المكان فنزلت أنت لتجد ذلك الرجل الذي أحضرنا وهل الرحلة ستنطلق أم تأجلت بقيت مع بناتي داخل السيارة محاطين بصناديق حديد والوقت بالكاد يمر انقضت ساعة على رحيلك عنا، فإذا بك تأتي مسرعاً تقول لنا هيا لتنزلوا بسرعة بدأت الرحلة فقلت لبناتي حان الوقت بعد أن أخذُ غفوة بسيطة من ذلك التعب الذي مررنا به وصلنا لمكان الركوب تفاجأت بالذي كنت أنظر إليه مركب صغير يحوي الكثير من الناس اهو الذي سيقلناَ!  ركبنا على متنه كأسرى الحرب يأخذون من معتقل في جزيرة إلى وسط المدينة بعد الإفراج عنهم، انطلقنا بعد أن اكتظ المركب بالنساء والأطفال والرجال وأطفئت أضواء المركب وابتعد عن اليابسة قلت لنفسي إنها ليست كأول مرة ركبت فيها سفينة مبحرة لأني أحسست بخوف وشوق لليابسة التي لم تمضي إلا دقائق على فراقنا لها وأيضا كنت أقول سوف اذهب لأهلي وأطفالي معي لا بأس بذلك  وكنت قلقة عليك يا بني أنت من أصبحت مصدر أمنٍ  لي وأخواتك انقضى ذلك اليوم ببرده القارص سمائه المظلمة.
في صباح اليوم التالي لم أكن مرتاحة والألم بداخلي يرهقني، فكري لم يهنأ كنت أسأل عنك لتفقدك بعد أول ليلة في البحر، كانت جالسة بقربي امرأة كبيرة في العمر لاحظت قلقي فقالت لا تخافي على ابنك سيكون بخير وإن حدث مكروه سيكون لنا بمثله، وكانت الغرفة التي كنا بها مفصولة عن أنظار من كان خارجها بحاجب من قماش وكنت اختلس النظر من خلاله باحثةً عنك فرأيت رجلاً سألته عنك قال لي أنك بخير ولكن لو أحضرتي له بعض من الثياب الكثيفة وبعضاً من الجوارب لكان أفضل حالاً.
ازداد حزني تجاهك يا ليتني أستطيع إيقاف ما يحدث لأوقفته ولكنه مقدر له ذلك وفجأة سمعنا الأصوات التي قلت عنها يا بني صوت طائرة من نوع العموديات ذات الصوت المخيف، وهذا المركب الذي يدعى الجرافة اسم سمعته من الذين كانوا يتحدثون بالقرب من الغرفة تلك وكومة الحديد الصدئة المليئة بالمياه والرائحة الكريهة التي تشعرك بالغثيان فتوقفت الجرافة وأنا أقول لنفسي لقد وصلت رحلتنا إلى مطافها الأخير فجأة سمعنا صراخا من الخارج  يقول لقد تركونا في سبيلنا، وهكذا باشرنا بالإبحار في وسط المياه المالحة العميقة لمدة يومين مرا كما لو أنهما سنتان مرعبتان، لا يابسة نرى ولا طيراً نسمع صوته  لا يعلم حالنا إلا الله الذي خالقنا مر هذا اليوم وفكري كاد ينفجر من كثرة التفكير بالمسؤولية الواقعة علي وأنا لا حولا لي ولا قوة في هذا البحر.

سهرت في كل ليلة كسجينة في معتقل سياسي بجزيرة، وإذا بلحظات قليلة اسمع صراخاً يقولون إنها اليابسة، وصلنا المدينة كنت جالسة على الأرضية فدمعت عيناي، أحسست حينها بأحاسيس لم استطع تفسيرها هل فرحاً كان أم حزناً هو، أم أمل، سمعت أو عبئً أرى بين ناظري؟  وأتيت أنت حينها وضممتك واستقبلنا حينها بالتهليل والرصاص الذي أرعبني رست الجرافة بالمكان وبدأت الناس بالنزول وأنا أرى الأمل من جديد فلا يأس يستمر ولا ألم يبقى سأناضل من أجلكم أبنائي، هكذا هي الحياة وهكذا هي أنا لن استسلم يا بني هكذا أحسست، يا ذات القلب الحنون العطوف والعيون  التي وسعتنا أنا وأخواتي يا من حميتنا ولا زلتي تفعلي سأبدل جهدي لأجد السعادة لكي  ولنا أيضا لطالما الشمس تشرق والهواء نتنفس سنفعل ما في وسعنا فهكذا الحياة تمضي ونحن معها نمضي.

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى