محمد المزوغي: التوقف عن الشعر مرادف للتوقف عن الحياة

حاوره: عبدالسلام الفقهي

هل القصيدة العمودية ما زالت موجودة باشتراطاتها الفنية واللغوية وقواعد استمرارها؟، أم أرغمتها أطوار الظهور والاختفاء خلال مسارها التاريخي على البقاء بعيدًا عن مجال الفاعلية الثقافية، وإذا كانت عبر ومضاتها الزمنية راغبة في تجسير نقلاتها عبر فضاء النص الحداثي، يستلزم من ذلك أن نفهم طبيعة هذا الوجود وتمظهراته في المشهد الحالي في حوار لـ«بوابة الوسط» مع الشاعر محمد المزوغي واستجلاء تجربته في عالم القصيدة العمودية.

كتابتك للقصيدة العمودية هل تعني موقفًا مضادًا من الشعر الحر؟
بالعكس، بداياتي كانت مع قصيدة التفعيلة، ودواويني الأولى ضمّت نصوصًا تلامس هذا اللون من ألوان التعبير فأنا منفتح على جميعها وضد الانحياز إلى شكل على حساب شكل آخر المهم في النص الشعري أن يتوافر على هزته الجمالية، وأن يبهر القارئ.

الكاتب الصحفي عبدالسلام الفقهي في حوار مع الشاعر محمد المزوغي
الكاتب الصحفي عبدالسلام الفقهي في حوار مع الشاعر محمد المزوغي

من يعارضون النصّ الحداثي ينتقدونه من مبدأ الاستسهال؟
الحديث عن الشكل يظل رهين الرؤية المتصورة للشاعر، لكن الفيصل يكمن في جوهر المكتوب هل ما نقرؤه يحمل روح الشعر أم لا هذا ما أعنيه، والاستسهال طال حتى القصيدة العمودية، فهناك قصائد عمودية لا تمتلك من مقومات النص الشعري إلا الوزن، وفي المقابل نطالع بعض النصوص النثرية هي أقرب للتهويمات منها للشعر، في مقابل ذلك توجد القصيدة النثرية ونموذجها القوي الناضج الضاج بالإيقاع الجمالي والتعبيري الذي تقدمه نصوص الشاعر مفتاح العماري، بالإضافة إلى تجربة الشاعر فرج العربي وعبدالباسط أبو بكر.

هل هناك تجربة شعرية حاولت أن تحاكيها في بداياتك؟ 
تأثرت كثيرًا بتجربة الشاعر عبدالوهاب البياتي، بدر شاكر السياب، ولاحقًا بالشاعر بدوي الجبل، وكذلك الجواهري، لكن ما شدني أكثر هو تجربة الشاعر عبدالله البردوني، فقد كان يكتب القصيدة العمودية برؤى حداثية، وأظن أنّ البردوني هو رائد القصيدة العمودية الحداثوية، وهو الذي جعلني أحاول استنطاق النص العمودي وتطويعه لكتابة نص معاصر وهي تجربة بدأتها قبل أكثر من ربع قرن تقريبًا.

هل حاولت أن تجري على هذه التجربة نوعًا من الإضافة الفنية؟  
المحاولات لا تكف، وإن كان رأي النقاد هو الفيصل في نظري، ولكنني أزعم أن تجربتي الشعرية حاولت أن تقول نفسها وتكتب نصّها، ونجحت إلى حد ما في أن تكون أثرًا، ما يعانيه النص العمودي الحداثوي هو أنه حتى الآن بلا نقّاد لذلك فهو يحاكم من منظور النص العمودي الكلاسيكي.

أنت تقصد أن القصيدة ظلمت بهذه النظرة؟ 
نعم، لأن الصور والأفكار والمعاني لم تسبر في دلالتها العميقة وما حدث هو الاكتفاء بتحسس القشور وظل الجوهر قارًا في زواياه البعيدة، ولعلي أقول بأن هذه القصيدة أضحت تفصح عن نفسها بقوة في المشهد الشعري والأدبي عمومًا حتى إن أكثر من سبعين بالمائة من الأصوات الشابة الحالية داخل وخارج ليبيا ينحازون إلى القصيدة العمودية الحديثة.

ما الأسباب التي أدّت إلى إسباغ النظرة التقليدية على القصيدة؟ 
لا يمكنني ذكر أسباب محددة، لكن النقاد ما زالوا يشيحون بأنظارهم عنها لصالح أشكال التعبير الأخرى التي شاعت بعد عصر النهضة، ربما للهزّات التي حدثت بالمنطقة العربية خلال العقود الماضية أثرها الذي جعل التوجه لأنماط تتقاطع ابستمولوجيا مع التراث يتخذ شكل التعبير الثقافي الرافض الماضي باعتباره مسؤولًا عن مآلات الحاضر بغض النظر عن صحة هذا الاتهام أو خطله، وأنتجت قصيدة التفعيلة التي اجترح السياب أجمل نصوصها «أنشودة المطر» خطابها النقدي المهمّ لكن سرعان ما انحصرت هذه القصيدة في دائرة قلّة على رأسهم محمود درويش وبموته لم تعد هذه القصيدة تحتفظ بحضور قويّ مفسحة المجال لقصيدة النثر التي تبنتها مجلة شعر ليوسف الخال وأنتجت هي الأخرى خطابها النقدي الذي أعلن مرارًا موت القصيدة العمودية، لكن القصيدة العمودية تجاوزت حدود عصر النهضة لتطل في نصوص شباب في اليمن ومصر والعراق ولبنان وفلسطين وليبيا والسعودية، ولم تعد قصيدة كبار السن وكأنها المعنية بقول المتنبي «ثم انتفضت فزال القبر والكفن»، الإشكالية التي تواجهها القصيدة العمودية المعاصرة أنها وبالرغم من حضورها الكبير ونصوصها الحداثية سواء من حيث المعنى أو من حيث اللفظة المعاصرة والشكل البصري لم تنتج كما أسلفنا خطابها النقدي بعد.  الخطاب النقدي ما زال مرتهنًا للأشكال الثلاثة، الكلاسيكي والتفعيلي والنثر ولم يتفطن بعد إلى النص العمودي الحداثوي الذي يكتبه شعراء مهمون كمحمد عبدالباري وأحمد بخيت وحسن شهاب الدين ومحمد عريج وجاسم الصحيح وغيرهم، وفي ليبيا يتجه إليه عدد من الشعراء كعلاء الأسطى وهود الأماني، وحسن إدريس  أحمد الفاخري، وعمر عبدالدائم ومنى الساحلي، ويوسف سليمان وأسامة الرياني وغيرهم مما لا تحضرني أسماؤهم الآن واعتذر منهم.

إلى أي حد يمكن للقصيدة العمودية الاعتماد على اللغة؟ 
اللغة هي كتابة ثانية للنص، أنا هنا أقصد اللغة الشعرية لا المعجمية، فبالرغم من كون الأخيرة مهمة في صياغة القالب الشكلي للقصيدة، إلا أن اللغة الشعرية معنية بملامسة الأنساق الثقافية المكونة للشخصية الإنسانية بشكل عام, وطابعها الوجداني والفكري.

الاقتباس وذكر الأسماء لها مدلول تاريخي في التراث العربي في أكثر من قصيدة ألا يضعك أمام سؤال تكرار القالب أو الفكرة؟
أنا شاعر عربي , ومن هنا لا بد لي من التماهي مع تاريخ عمره أكثر من 1600عام، فيصبح من الطبعي أن أستدعي تجاربهم -ولن أكف عن استدعائهم- وأن اتخذهم رموزًا، وأسقطها على واقع تتشابه فيه الأحداث فالتاريخ يعيد نفسه، أمّا عن التكرار فإن الزوايا تختلف دائمًا وهي في كل مرة تمنحك بانوراما غير السابقة، هم تمام كالمادة اللغوية التي بالرغم من توحد عدد حروفها، إلا أن صيغها اللغوية ومدلولاتها تتجاوز عدد حروفها بكثير.

في ديوانك «لا وقت للكره» تبرز الاستعارات القرآنية بقوة؟ 
ربما يرجع هذا لتكويني الديني بالأساس، فقد حفظت القرآن على يد الشيخ عبدالهادي بوإصبع، ودرست الفقه أيضًا، وتشبعت بقراءة التراث خصوصًا التراث الصوفي، لذلك تمازج نصوصي بين ما هو تراثي وقرآني في محاولة لمدّ الجوانب المعتمة بالكثير من الألق الذي ينحاز للإنسان.

من الذي يشدك من الشعراء القدامى وترى في تجربته شيئًا مختلفًا؟ 
المتنبي، وأبو تمام.

أين يكمن تميزهما؟ 
أبو تمام يمتلك لغة قوية جدًا وقدرة عجيبة على الابتكار، وفي المقابل المتنبي ملأ الدنيا وشاغل الناس أعدّه وراء الكثير من الوهج الشعري في النصوص المعاصرة ما يميز شعر المتنبي هو قدرته التي لا حدّ لها على الإلهام.

في ديوان «بعض ما خبأ الياسمين» حث للذاكرة على استعادة شيء ما؟
نحن نعيش على الذاكرة، بفعل واقعنا السيئ، ولأن الذاكرة هي الوجه الآخر للحلم نلجأ كثيرًا إليها, كحالة «نوستالجيا» أي الحنين المضمخ بالوجع إلى الزمن الجميل ومحاولة استدعائه.

أي من دواوينك يمثل محمد المزوغي شعريًا؟ 
أظن ديوان «العارفون» أقربها إليّ.

لماذا؟ 
نصوص «العارفون» الأقرب إلى تجربة صوفية عرفانية، استشرفتها يومًا وظلت في دائرة الاستشراف لم تتعداه وفي تجربتي الشعرية لا أميل إلى النصّ الذاتي بقدر ما أتجه إلى النص الإنساني وأنفتح عليه، وهو ما يمكن رصده في الكثير من نصوص هذا الديوان.

هل أصبحت الرواية حقًا ديوان العرب؟ 
إلى حد ما تبدو هذه العبارة صحيحة لكن الإسهال الذي مني به الفنّ الروائي سيصل بالقارئ حتمًا إلى مرحلة التشبع وسينحسر هذا المدّ مفسحًا المجال للأعمال القليلة القادرة على فرض هيمنتها على الذائقة، لكن الرواية مهما حققت من حضور قويّ لن تغني عن الشعر ولن تحلّ محلّه، فالقصيدة التي يمتد حضورها لأكثر من خمسة عشر قرنًا ربما تنحسر لفترة لكنها تعود بقوة في النهاية، القصيدة العمودية مثل السماء حين تحجبها الغيوم تفاجئك بالكثير من المطر.

كيف تقيم التجربة الشعرية الشبابية الحديثة في ليبيا؟
هناك شعراء وشواعر رائعون ولا تقل قوة نصوصهم عما هو موجود في مصر والأردن والعراق، المشهد الشعري على المستوى النص الإبداعي جيد، وهو ما يفرض الدعم والتشجيع من المؤسسات المعنية وعلى رأسها وزارة الثقافة التي لا نرى لها اهتمامًا بهذه التجارب وكأنها غير معنية بذلك، فلا نلحظ مثلًا وجودًا لسلاسل تهتم بنشر إبداعات الشباب ولا تنظيم أمسيات ثقافية تسهم في اكتشاف المواهب والتعريف بها.

هل راودك إحساس يومًا بالتوقف عن كتابة الشعر؟
قد أعجز أحيانًا عن كتابة شطر بيت واحد، إلى أن تأتي القصيدة لوحدها، ولكن لا أظن أنني سأتوقف عن كتابة الشعر، التوقف عن الشعر مرادف للتوقف عن الحياة.

عن عبدالسلام الفقهي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى