غناء الصراصير وبكاء العناكب

 

عبر رحلة إبداعية طويلة من القصص يتنقل من خلالها الكاتب أحمد يوسف عقيلة من القرية إلي المدينة إلي السفوح، الوديان، الجبال في جو ريفي يعبق بعطر الوادي الأخضر كتب عن كل ما صادفه من خلال رحلته التي بدأت منذو التسعينات جاءت هذه الأعمال تباعا، متميزة، أسلوبا وفكره ولغة وهذا يعود علي استمرار الكاتب علي صقل موهبته وهذا الصقل ينعكس في بساطة لغته ورؤيته الاجتماعية الأكثر وعيا، وبعده عن السذاجة من الألفاظ بروية حرص علي تواصل نسج الماضي بالحاضر للتقديم المستقبل مشرف.

فمن خلال مطالعتي لهاتين المجموعتين (غناء الصراصير) (عناكب الزوايا العليا) اكتشفت بأن أهم ما يميزهما الأطر المكانية التي تكاد تتجلي واقعيتها وتفوح منها رائحة الأصالة تنادي القاري للانضمام إليها والغوص في زواياها الحية الرائعة.

و لقد تميزت قصصه بمجموعه من الأنساق كتنوع الشخصيات وتقنيات سردية وتوظيف مفردات الواقع.

فهناك تنوع في شخصيات المجموعتين في الحالة الاجتماعية والاقتصادية وكذلك التعليمية فاغلب الشخوص أبناء ريف يسعون إلي تحقيق النجاح في هذه الحياة كما أن للعجائز اهتمام لدي الكاتب مما يدل علي بيان تعلقه بجذوره والبيئة التي أنشأها وتدل علي هذا كثرة ورود المشاهد الوصفية مثل البحر والجبل والشعر(تهبط الغيمة.. تسيل في السفوح والمنحدرات.. تسرق تلثم الحصى..)

(تنحدر نحو قاع الوادي.. تجرف الضفاف الطينية.. ثم تتمدد غديرا داكنا كدرا) 1

 وتنوع الشخصيات من موقع الي أخر مما منح قصصه مزيدا من التنوع لتسجل زوايا مختلفة من مناخ الكاتب الفكري الذي تطور من موقف الي أخر ومن حدث الي ثاني مثل شخصيات (حمد المنجل، خير الله، صالح، رابحة، زمزم، الحاج نويقص، وعامر)

وهذا ينم علي القدرة الفائقة لدي الكاتب وعلي براعته بالسرد وتشكيل الشخوص في قصصه فهي تتدفق بيسر وسهوله دون كثير من التعب أو العناء تشد القاري الي المتابعة بنهم ثم معايشة الأحداث في أطار لا يعوزه التشويق.

والشخصيات في القصص لا تمثل نفسها بل تمثل قطاع كبير من قطاعات المجتمع فمثلا شخصيتي الحاجة زمزم في عناكب الزوايا العليا  والحاجة خديجة في غناء الصراصير هما عبارة عن عجوزين امتهنتا مهنة التنظيف لكل منهما أسلوبها الخاص ورمزها الذي يود الكاتب إيصاله الي القاري ولكن أوجه الشبه كبيره بينهن وبين قطاع كبير إذ لم أقل كل العجائز، ويأتي مدلول هاتين  الشخصيتين في تنظيف الأماكن الدقيقة والصعبة ومن حشرات مضرة للإنسان برغم عدم التصاقها به وهنا المدلول واضح وجلي فشخصيتي خديجة وزمزم ليست مهمشة أو مستهتر بهما الكاتب كونهما أميتان ولكن الدور الفعال الذي نسبه إليهما يوضح كون هاتين العجوزين لديهما مدلولهما العميق في نفس الكاتب وكذلك القاري المتمعن بحيث استساغ الكاتب تسمية المجموعين بقصصهما.

فالكاتب حريص علي أن يسوق أحداثة قصصه من خلال شخصياتها.. معاناتها الاجتماعية والنفسية تكسوها متعة سردية يتفاعل بها الكاتب والشخصية بالإمساك بناحية المعايشة والمشاركة الوجدانية والانصهار في الحدث متبوعة ببعض التعليقات والتعقيب من الشخوص وذلك أمعانا في أثراء الحدث وتعميقه في نفس القاري.

الزمن والمكان :

هناك حياة داخل هذه المجموعتين تكاد تقفز من الأسطر لتبوح بحياتها لتنبض أمام القاري وتتراقص في إيقاع متناغم من المكان والزمان.. أحساس بالألفة والوجود، فالأماكن والوقت يلعبان دور بارز ومهم في تطوير الأحداث ووضع الإطار ألحدثي للقصة فمثلا في قصة من يأبه للقمر (بقايا إشفاق المساء.. طائر تخلف عن السرب.. يمزق زاعقا من فوق أسطح قريتنا.. تقوده في مجاهل الغسق روح السرب.. النوافذ المفتوحة المضاءة ثقوب صفراء في العتمة).

هناك زمان ومكان.. وواقع يتأطر في أطار قصصي يومي لا شي غريب.. بل كل شي يوحي بالألفة والتناغم مع البيئة فالكاتب يستنبط الحقيقة ويقراء الواقع بعناية وروية يهيئ الأحداث للمستقبل للأتي من خلال لحمة والتحام موقف بينهما، والرمز لدي الكاتب سرعان ما ينكشف كلما أزداد القاري ألفة بالقصة ومؤانستها ويتعرف علي طبيعتها وبهذا يؤكد الكاتب اندماج الشخصية في الرمز والرمز في الشخصية وعلاقته المتينة بالهيكل الاجتماعي مما يقود لشيئين الأول أن الحدث لا يتوقف ولا ينتهي عند نقطة معينة بل يتواصل ويستمر والثاني يقود هذا الاندماج في نهاية الأحداث الي قيمة أدبية أبداعية فائقة.

تقنيات سردية :

لقد أعتمد الكاتب مجموعة من التقنيات السردية.. فكما هو معروف لا بد للقصة القصيرة من تميزها بإيقاع قصير وسريع خال من الإطناب والتكرار..  ولذلك يحرص الكاتب علي تنويع الأسلوب والإيقاع والتعامل معها بحرفية عالية وبالتالي يحفظ عنصر التشويق لدي القاري فلا يتسرب إليه الممل فتارة يظهر الحديث بلغة الأنا الساردة فمثلا في قصة المتسول

(لله يا محسنين.. لله.

اعترضني.. مد الي يدا مرتجفة.. معروقة.

تحسست جيوبي.. صعد الدم الي وجهي.. تحسست قلبي..

همست في أذنه بكلمة طيبة.. بوعد بالعطاء في المرة القادمة.)

أو يراوحه ويجعله علي لسان الشخصية التي أختارها من الواقع كما هو الحال في قصة الجوكر في جمعية الصحابي (المقداد بن عمرو) الاستهلاكية لقد اصبغ الكاتب علي الشخوص القدرة علي إدارة دفة الحديث وتنحي هو جانبا ليري كيف تسير الأمور بحيث أصبح الكاتب نفسه قارئا

كذلك اعتماد الكاتب علي توظيف بعض الأمثال الشعبية مثل (البيت رواق.. والمرأة ساق) في قصة نظريات و(مطر مارس ذهب خالص) في الدائرة.

و الأقوال المأثورة مثل (أفضل طريقة لتقبل الاهانة تجاهلها.. فان لم تستطع تجاهلها فزايد عليها.. فان لم تستطع المزايدة.. فربما كنت تستحقها) قصة صخب الأحذية

و الأغاني الشعبية مثل (مازلت نشكى بمشكاي.. وعني الدباير غابت.. ومازلت نخرز بمشفاي.. علي ركبتي نين عابت.. ومازلت نمسح بيمناي.. علي لحيتي نين شابت) في قصة الصرخة.

كل هذه الأشياء أضفت علي القصص طابع الالتماس مع الواقع عبر تجربة الكاتب لنقلها من خصوصية التجربة الي عموميتها.

بالإضافة الي ذلك استخدم الكاتب اللغة العامية في بعض الأحيان لخلق التوازن بين الشخصيات وجعل كل الشخوص تتحدث بمستواها الثقافي وقدراتها المتفاوتة وخبراتها الحياتية وهذا الأمر يعطي الشخصية ميزة أكبر للارتباط بالواقع فكما مثلا في قصة (الجبة)  رحم الله أبي.. كان يصر دائما علي أن أصبح أماما.. (اذا فأتتنا المشيخة.. فلا يجب أن تفوتنا الإمامة ) هكذا كان يردد) جعل من البطل يتحدث لنفسه ومن ثم يتذكر أقوال أبيه في الماضي، وفي قصة (غناء الصراصير)

(قابلها مندوب الشركة :

ـــ كيف حالك ياحاجة رابحة..؟

تنهدت :

ــ الحمد لله.. نعمة ورغيد.. اليوم اللي نشتري فيه البرذعة نبيع فيه الحمار … الخ)

لقد جعل الكاتب من الحاجة رابحة تتحدث ومندوب الشركة بتلقائية وبدون تكلف أو عناء وهذا أمر يعطي الشخصية ميزة أكبر للارتباط بالواقع،  فعندما تستدعي الشخصية ذكرياتها في القصة فهذا يعطي الحياة والكيان للشخصية تجعل من الكلمات تتزاحم في دوائر من الذكريات (الأمل والألم والتفاؤل والحلم والحب ….. الخ) الي جانب استخدام الكاتب أسلوب القطع والانتقال في السرد من حالة الي أخري ومن موقف الي أخر ون زمن الزمن الي جانب ترك مسافة للقاري للتأمل والإكمال ممن خلال أسلوب الحذف الذي تكرر مرات عدة.

لقد استطاع الكاتب بقصصه للوصول الي قمة الإبداع بمحاكاته للحياة اليومية وتقديمها بقالب جديد لا يعوزه التشويق يتناسق مع شريحة كبيرة من القراء،فما أن تبكي العناكب تجد الصراصير فرصتها السانحة للرقص علي أنغام البكاء

_________________

جميع الاقتباسات من:

1- غناء الصراصير، أحمد يوسف عقيلة، دار البيان، الطبعة الأولي / بنغازي / الجماهيرية

2- عناكب الزوايا العليا، أحمد يوسف عقيلة، منشورات المؤتمر / الطبعة الأولي / طرابلس / الجماهيرية

عن إنتصار الجماعي

انتصار ابوبكر الجماعي. ماجستير صحافة. كاتبة وصحفية منذ عام 2002، بصحف المؤسسة العامة للصحافة، صحيفة أخبار بنغازي، ومجلة الثقافة العربية. منسق تحرير ورئيس القسم الاجتماعي لصحيفة قورينا اليومية. مدير تحرير صحيفة قورينا الاجتماعية. المدير الفني لصحيفة مجلس الثقافة العام. المدير العام والمخرج لمجلة مراقبة الاقتصاد بنغازي. كاتبة: بمجلة غزالة، صحيفة المأثور، العرب اللندنية. وحالياً: عضو هيئة تدريس بقسم الاعلام، كلية الآداب.. بجامعة اجدابيا. عضو هيئة تدريس بكلية الاعلام، قسم الصحافة.. جامعة بنغازي. رئيس مكتب الإعلام الاقتصادي. بمراقبة الاقتصاد بنغازي.. وزارة الاقتصاد.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى