عـيون الكـبريـاء

 

يستطيع الكاتب أن يروض موضوعه داخل إطاره الفني ضمن هذا المبدأ أستطيع أن أقدم المجموعة القصصية الجديدة الصادرة عن مجلة المؤتمر للكاتب عطية صالح الأوجلي. ‏

تتميز هذه المجموعة بالنبض الإنساني الحاشد، وتفاجؤك بتعدد الأزمنة والأمكنة والقضايا ‏‎.‎

من سان فرانيسكو إلى بنغازي والقاهرة وأوجله ولوس أنجلوس، ومن الثمانينيات والتسعينيات والألفين.. نستطيع أن نقسم هذه المجموعة تبعاً لأغراضها وتبعاًُ لألوانها؛ برتقالي، ‏‎ ‎أحمر، ‏‎ ‎أصفر.‏

‎ ‎طبعا من الغريب أن تقرأ قصصا تحمل هذه الألوان، ومن الجميل جداً أن الكاتب قد نجح في طريقة تسخير اللون إلى هذا الحد لفرض خدمة فكرته ‏‎.‎

الأخبار السياسية على الشاشات تأتينا بما يجري هناك في سجن غوانتانامو والبشاعة داخل هذا المكان لم تعد سراً مكتوما بل أضحت بكل تفاصيلها ملك الناس، ‏ولكن من الصعب مثلا أن نستخلص قصة من واقعة سياسية مؤلمة أتت مع مطلع الألفية الثالثة بدعوى مكافحة الإرهاب نرفضها وندينها ونضيفها إلى سجلات الظلم المتفاقم في هذا العصر، والمعاناة البشرية ‏‎.‎

في هذا المعتقل قد تتحول إلى روايات بسبب تعدد الجنسيات من ناحية والاعتقال العشوائي من ناحية أخرى.. وأختر قات حقوق الإنسان والهروب من القوانين الدولية..من خلال كل هذه المتراكمات استطاع القاص أن يستخلص قصة باعتماده على الحقيقة وتوظيف اللون وأقوال الشعراء ‏‎.‎

‎¢ ‎لم أعد أطيق اللون البرتقالي… لن أتمكن من أكل برتقالة واحدة ما تبقي لي من عمر ‏‎.‎

أتساءل… كيف لي أن أعيش في فلوريدا بعد الآن…..؟

عندما نرى على الشاشات شخصيات معتقل غوانتانامو بملابسهم البرتقالية خلف السياج الشائك يتعذر علينا في البداية ­ ككتاب قصة ­ أن نفكر في تحويل شخصية من الشخصيات إلى قصة وتبقي مشاعر التضامن لدينا هي سيدة الموقف فالحدث السياسي الساخن يحول دون التفكير في اقتناص لحظة فن في هذا المكان‏‎.‎

‎ ‎لذا لابد أن أشيد بقصة برتقالي وبالطريقة السهلة الممتنعة التي من خلالها قدمت الأحداث ‏‎.‎

‎ ‎القصة تبدأ برأي كاتب أمريكي في هذا المعتقل، يليه عبارات للشاعر دوست عبد الرحيم أحد المعتقلين.. وسرد لشكله وحالته النفسية بعد أن تم الإفراج عنه بعدها رسالة لأحد السجانين موجهة ‏إلى زوجته مع الملاحظة أن السجين والسجان في هذا المكان كلاهما يعاني جحيماً ما‏‎.‎

‎ ‎القصة الثانية التي تحمل عنوان (أحمر) تجسد حالة التفرقة العنصرية ونضال السود ضد البيض ‏والعنوان يحمل الاسم المفضل للمناضل مالكوم واختيار عيون الكبرياء عنوانا للمجموعة اختيار ‏صحيح حيث أن قضية التمييز العنصري وردت في قصتين مما يدل على اهتمام الكاتب بها وتشبهه بتفصيل كثيرة من أحداثتها، وفي كلا القصتين لم نقرأ الجانب الخطابي من الموضع بل وقفنا ‏على حيثيات المشاعر الإنسانية الدافئة التي لا نراها لأننا لم نكن نتابع الموضوع ألا من خلال الصحافة والإذاعات ‏‎.‎

‎ ‎يقول المناضل مالكوم في بداية قصة أحمر ‏

صدئت سيوفنا في أغمادها ‏

فهل يغفر لنا.‏‎.‎

زاد انحناء ظهورنا..‏‎.‎

من يا تري يغفر لنا.‏‎.‎

بؤسنا.‏‎.‎

وشقاؤنا ‏

اللون سيد الموقف في هذه المجموعة علماً بأن الكاتب لا يحب هذا التعبير ‏‎.‎

في قصة عفواً هدى نرى اللون على امتداد الأسطر في هذه القصة يعم اللون ليعطي للحدث بعده المكاني ويصبح اللون قريناً للحياة، وإذ ينعدم اللون عن كل شيء نعلن نبأ موتنا ‏‎.‎

هكذا تتدرج قصة الطفلة الفلسطينية هدى آه ما ألذ القدوم للبحر.‏‎.‎

ما أروع ضفائر الشمس الذهبية ‏

وما أحلى زرقة الماء..‏‎.‎

وما أبدع صفرة الرمال..‏‎.‎

وما أجمل تبدل الأمواج، ألوان في كل مكان.‏‎.‎

قالت جدتها (لا معنى للبحر دون امتزاج الألوان)‏

أما أخاها فقد قال؛

غداً سأشتري لك علبة أخرى من الألوان ‏‎.‎

يقدم الكاتب اعتذاره للطفلة هدى التي فقدت كل أسرتها على شاطئ غزة ‏‎.‎

عفواً هدى ‏

لا ألوان.‏‎.‎

فكل ما لدينا باهت ‏

أشعارنا ‏

أنوارنا ‏

شمسنا ‏

صدقنا ‏

كذبنا ‏

زعماؤنا ‏

كتابنا ‏

فمنذ قرون ‏

تم حجب اللون عن كل العيون ‏‎.‎

لقضية التمييز العنصري في هذه المجموعة قصتان ‏‎.‎ ولمأساة الشعب الفلسطيني قصة ‏‎.‎ وقصة لأحداث شيلي (أمريكا الجنوبية) تحت عنوان صوت الناس. وقصة تصور أهوال معتقل ‏غوانتانامو. ومن الواضح أن الحدث السياسي البعيد والقريب لم يكن في منأى عن تفكير الكاتب ‏‏. بل استطاع بكل مقدرة أن يطوعه للفن وأن يحيله إلى قصة، بكل ما يحمله هذا الجنس الأدبي من مقومات، ويبقى العنصر البشري هو المستهدف في هذه الأحداث بعيداً عن التقارير الإخبارية ‏والأناشيد والشعارات‏‎.‎

هناك جانب مهم في هذه المجموعة وهو جانب التصوف والفلسفة ‏‎.‎ لقد سبق وأن قرأت قصة زهر الليمون على صفحات مجلة المؤتمر وأعددت حولها قراءة تحت عنوان (مضامين زهر الليمون) وهي القصة التي لفتت انتباهي في البساطة والسيطرة على لب الموضوع الشائك التناول أحياناً. والذي يصعب ترويضه. وأعترف كان الكاتب موفقاً إلى حد بعيد في طريقة تقديمه لمرتين؛ المرة الأولى في قصة زهر الليمون والثانية في قصة الرحلة‏‎.‎

القصتان تحكيان حالة الانشغال الكامل بالتفكير في الروح والانتماء لوحدانية الله والبحث عن الخلاص والكمال حتى وإن اتخذت كل واحدة من هاتين القصتين منحىً متميزاً ‏‎.‎ بمعنى أن السؤال الوجودي رفرف على العبارات المكتوبة بعد أن انطلق من أعماق القلب. وفي ‏هذا التناول إبداع حيث تخرج الفلسفة من كينونتها المغلفة لتطير في فضاء القصة ‏‎.‎

في قصة الرحلة لا يباشر الكاتب حواره مع شيخه إلا بعد أن يصف بيته بعد عودته من الغربة فنراه يقول؛ ‏‏(‏‎ ‎دارنا العتيقة والباردة كانت على غير عادتها تتوهج من الدفء، رائحة البخور تنبعث من كل مكان لتختلط بدفء المشاعر وبسرد الذكريات والتساؤل والانبهار، الكل يتأمل ويسأل ويتحدث.‎ الأعين، الأيدي، الأنفاس، المشاعر.. كلها تتدفق وتتقاطع لتخلق ألفة لا يعرف لذة طعمها إلا من شد الترحال إلى غربة.. ثم عاد لأحبابه)‏

وحده لم يأت… وإن كان معي، يسكنني منذ رحيلي الأول..‏‎.‎

إنه شيخي..‏‎.‎

قبلت يده الكريمة وجلست جواره وسألته..‏‎.‎

من نحن يامولاي..؟

قال بهمس مسموع وعيناه تبتسمان ‏

‎­‎نحن الأشياء كلها.. ونحن.. لاشيء ‏‎.‎

نحن الشيء وضده ‏

نحن الحقيقة والوهم ‏

نحن الحياة والعدم ‏

نحن الفجور والتقوى نحن نور لا نراه إلا إذا أغمضنا ‏‎.‎

فهل ثمة ضوء لا ينبع من العتمة..؟

السخرية الاجتماعية واحدة من وسائط التعبير عن الاحتجاج تجاه أمر مرفوض ومنها على سبيل المثال الجهل أو التخلف الثقافي أو الكسل وغيرها ‏‎.‎

في مجموعة عيون الكبرياء ورغم الجدية الواضحة في معظم القصص إلا أن السخرية بدت أمراً ‏مكملاً في ثلاث قصص وهي موسوليني، سهرة عائلية، سيد الموقف ‏‎.‎

عنصر السخرية عندما يأتي في مكانه يؤكد على قدرة الكاتب وتمكنه من فنه ‏‎.‎

السخرية سلاح ذو حدين، إما أن ينسف قيمة العمل وإما أن يؤكد أصالة صاحبه وتمرسه في توظيف العناصر الضرورية لإكساب القصة جوها المتكامل ‏‎.‎

أمر آخر أود أن أشير إليه وهو التركيز على الرائحة وما تحمله من دلالات ‏‎.‎

المجتمع الليبي يعتمد كثيراً في حياته اليومية على الرائحة وهي عنصر هام من عناصر الأصالة ‏والألفة والجذب والتباهي والارتباط بالجذور ‏‎.‎ الرائحة في حياتنا إدمان نمارسه دون تحفظ ‏‎.‎ النعناع، البخور، المسك، الزهر، العطر، البهارات، الكمامين ‏‎.‎

في هذه المجموعة كثيراً ما ركز على رائحة البخور والياسمين ورائحة زهر الليمون، ورائحة القهوة المحروقة في المقهى وفي هذا امتزاج مع البيئة، وللقصة الاجتماعية طعم مميز ورائحة خاصة ‏‎.‎

كما قلت في البداية ‏‎.‎ الفنان يستطيع أن يروض الفكرة ليخرجها من ضبابيتها إلى إيجابية الحقيقة ‏‎.‎

في هذه المجموعة هناك ما يكفي من دلائل على قدرة الكاتب وتملكه من وسائل الخلق الفني والتعبير وإبداع القصة ‏‎.‎

عن نادرة عويتي

الاسم: نادرة الطاهر العويتي. تاريخ الميلاد: 7-4-1949 دمشق. بدأت علاقتها بالصحافة من خلال مجلة (البيت) التي كانت ترأسها السيدة الفاضلة “خديجة الجهمي” -رحمها الله-. مارست العمل الصحفي كمحررة وكاتبة مقال، إضافة لكتابتها القصة والرواية. صدر لها: المرأة التي استنطقت الطبيعة-رواية (1983). حاجز الحزن-قصة (1988). اعترافات أخرى-قصة (1994). عند مفترق الطرق-قصة (2006). لعنة الرواية-قصة.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى