تشابه البياتي وعلي الرقيعي وعلي صدقي

بدا في كل مرحلة من مراحل الشعر في ليبيا أن هناك وعياً بما يحدث في المشرق ، بوصفه أصلا، وهذا أمر ليس جديداً علي أية حال، فقد حمله أدباء الأندلس، وظل المشرق مثالاً لهم ، وكان استحضار أشعار المتنبي وأبي نواس وكثير وغيرهم علامتهم الفارقة، مع رغبة حاضرة في إثبات تميزهم. ولعل الرغبة الدفينة كانت في أن ينالوا إعجاب المشارقة فيما يقولونه، في الوقت الذي  يطمحون فيه إلى المماثلة والتجاوز. وقد بدا هذا الغرض واضحاً فيما حاوله ابن شهيد في (رسالة التوابع والزوابع) الذي ما رحل إلى عالم الجن إلا ليلتقي بأصحاب أمريء القيس وأبي نواس والمتنبي، ويسمع أشعارهم -الأصحاب- ثم يسمعهم شعره، وفي إحدى المرات ترك الجني ينصرف وهو يرقص ويردد طرِباً ما قاله له ابن شهيد. كانت اللعبة أن يكون نرجسياً على طريقته، ولكنه لم يكن يدري أنه يصنع تجاوزاً طريفاً، لعله أشد أهمية من الشعر نفسه، فالتوابع والزوابع التي سبقت تأليف ( رسالة الغفران ) للمعري، كانت روح الإبداع فيها هي المقدرة على صنع اختلاف في الأصوات، وكانت الأشعار المزروعة على ألسنة الجان – أصحاب الشعراء- من تأليف ابن شهيد بالطبع، ولكنها كانت تذكِّر بالشخصيات الشعرية للشعراء، إذ تدعم الخرافة وحدها زعماً قديماً بأن هناك جنياً ما يوحي إلى الشاعر بشعره. وقد حفظ (ابن بسام الشنتريني) فخوراً هذا الأثر –توابع ابن شهيد- ولولاه لربما ضاع إلى الأبد، مع إفساح مساحة واسعة له في كتابـه ( الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة). إن كتاب الشنتريني بدوره لم يكن إلا لتزكية جهد الأندلسيين، الذين وصف في مقدمة كتابه ضيقه من تطلعهم الدائم إلى ما يرد من المشرق، حتى إن كان غير ذي أهمية، ولو أن ابن بسام حذا هذا النهج -اتباع المشارقة- بدءاً من عنوان كتابه، الذي يذكر بكتاب (أبي منصور الثعالبي) (يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر) مع اتباع منهج مماثل في عرض المادة. ولو أننا نظرنا إلى مقدمة ابن بسام للاحظنا استشهاده بشعر المشارقة بصورة غالبة. ولكن كتاب ابن بسام كان عملاً مهماً ومنجزاً أقل فوائده هو حفظ آثار من مثل (رسالة التوابع والزوابع )

كان ما يفِد من شعر المشارقة من شعر التأمل والتغني بالطبيعة وإطلاق السراح  للخيال هو المثال، وقد رحل كل من الشاعرين  (علي صدقي عبدالقادر) و(علي الرقيعي) خلف هذا المثال، واتخذ كل منهما نهجاً مخالفاً للآخر بطابع نفسي شخصي، ونزوعين مختلفين  للتعامل مع الصور. وعندما ولجت المرحلة الأدبية زخم الخمسينيات ثم الستينيات كان الأثر الأدبي المشرقي لهما ينعكس واضحاً، وكانت استجابة علي الرقيعي مثلاً لأصداء كل من نزار قباني وعبدالوهاب البياتي جلية، وقد ظهر هذا الجانب في شعر (علي صدقي عبدالقادر) ولكن التأثير الطاغي لم يكن بالقدر نفسه، فقد كان (علي صدقي) فيما يبدو -بكبر سنه وازدياد ثقته في أنه يمكنه ان يصنع شيئاً خاصاً- يكتفي بالتجاوب مثلاً مع الروح النضالية العربية وقضايا فلسطين وغيرها، ولكن الروح المشرقية في الشخصيات للأدباء لم تكن تتلبسه، فقد كانت أشعاره عفوية، وكان هناك نزوع لخلق صوره وتشبيهاته السريالية المفاجئة.

إن هذا لا يغمط علي الرقيعي حقه في تفرده، فما أريد قوله هو ما يؤكد هذا التفرد من خلال مثال، بدءًا من محاولة الاستحضار، مروراً نحو تميز خاص، والمثال المستحضر قصيدة للبياتي في ديوانه (المجد للأطفال والزيتون) وسوف أوردها فيما يلي :

ثلاث أغنيات إلى عمال وارسو

(1)

عندما يحلم عمال بلادي

بك يا  ذات العيون الذهبية

أسمع الشمس تغني في فؤادي

وشراع السندباد

في البحار الأسيوية

أبداً تنفخ فيه الريح أنشودة حب

لك يا وارسو بقلبي

قوس نصر، شاده بالدم عمال بلادي

(2)

آه يا أطفال وارسو، أغنياتي

باقة حمراء ، من أطفال شعبي

لكمو، للأمهات

للملايين هدية

من بلادي العربية

من بلاد الشمس ، من أعماق قلبي

إنها تذكار حب

لكمو، أطفال  وارسو ، من بلادي العربية

(3)

ليت لي –يا أيها القلب الأسير –

مثل أشعاري ، جناحين ، إلى وارسو أطير

مثل عصفور على أبوابها الخضر أغني

في الضحى ، يا فرح الطفل الأغنِّ

وأجوب الطرقات

عاشقاً ألقت عصا الحب به في دنيوات

كل ما فيها عبير وضياء

وفراشات وأطفال من الجنة جاؤوا

 إن تاريخ هذه القصيدة هو 1955، وقد ظهر استحضار هذه القصيدة من مطلع قصيدة (الأرض والسمراء) لعلي الرقيعي، وسوف أوردها فيما يلي:

الأرض والسمراء

عندما ينبض تاريخ بلادي

بك يا أنشودة الأرض الأبية

ألف إحساس من النشوة يزهو في فؤادي

ألف إشراق من الوجد المعنى

يتغنى

لك يا سرب العصافير الطليقة

في حديقة

من بساتين بلادي المخصبة

ورباها الطيبة

حيث يورق

مشتل النعناع في ضقة ربوة

يهرق العطر بوجدان الهنيهات الأنيقة

وعليها تغسل الفرحةُ وجه السنبلة

والحقول المثقلة

باللآليء

وعليها حارس الكرم عليها يتحرق

شفه الدفء الشعاعي وناداه الحنين

غنوة تزهر في أعقاب غنوة

فاحمليني يا أناشيد انتصارات بلادي

للهضيبات الوضيئات الوريقة

وعليهن انثريني

تائهاً حملني الشوق بما لست أطيقه

وتغنيت له طول حياتي

ودعيني للروابي الخضر أشدو وأنادي

آه يا سرب الصبايا في بلادي

إن لي في دربك الدافي حبيبا

هل رأيته

أسمر كالحنطة السمراء في أيام يوليو

عينه الشهدية النعساء حلوة

ووديعة

ذات مرة

دفّأت روحي وقالت لي تعال

وانتظرني

وغداً لابد أن تزهر الأرض السخية

بعطاها

وغداً لابد أن يأتي حبيبي

 والمرء لابد أن يلاحظ المفارقة الأولى في أن ما هز البياتي هو صورة من مكان بعيد تقع فيه أحداث تشحن تذكره لبلاده. وما يحدث في وارسو هو المثال، والبياتي يصنع في موازاته لوحة شعرية باللغة العربية، تحمل هجسه بالبلاد العربية نفسها، لتحتذي حذو الصورة المتمثلة، وقد أضاءت قصيدته بجماليات الحنين، وفتحت فيها روح الألوان المماثلة للرغبة في الحرية في الوقت الذي تذكر فيه برغبة الشاعر في السفر، متآزرة مع ذكر السندباد.. وهو الوجه الشرقي الخاص به الممتن للقدرة على الرحيل والاجتياز عبر البلاد..  إلخ.

إن علي الرقيعي يقتفي أثر البياتي، ولكنه يصنع مثالاً آخر، لعله من عيون ديوانه (أشواق صغيرة) حتى أنه خطرت على باله صورٌ لم يظهر مثيلٌ لها في قصيدة البياتي (الأصل)، مثل: (حيث يورق مشتل النعناع في ضفة ربوة) و(يهرق العطر بوجدان الهنيهات الأنيقة) إذ صنعت الاستعارات ثراء أخاذاً لروح القصيدة، وجعلت منها أغنية دفاقة بالعاطفة، والامتزاج بالوطن، وبدا التفكير الريفي واضحاً في استلهام أسباب التعلق بمنتمى الشاعر المأمول منه الاستجابة لطلبات عميقة جامحة، إذ الروابي الخضر، والحنطة السمراء، فضلاً عن مشتل النعناع، صور من الأرض الفلاحية، وخصوبة الريف الواعدة، التي توغر روح العشق عند الشاعر. وهذا النزوع إلى الثراء في الصور، والبلوغ به إلى مرحلة توهج في قصيدة الرقيعي، ربما كان قد صنع تفوقاً على الشاعر المحتذى، بدءاً بتبني مدخله التعبيري: (عندما) و(بلادي). مع ملمح مضموني هو: الرجاء، والتوله بالأصل.

ومن اللافت للنظر أن هناك ملمحاً يبدو في تشابهه واهيا، ظهر عند الشاعر علي صدقي عبدالقادر، الذي اختار تدفقه في قصيدة أرخ لها بـ 59، وقد وردت في ديوانه (ضفائر أمي) وسوف أورد فيما يلي مطلعاً من هذه القصيدة، لأذكر فقط بما كان يرْحُب به شعر علي صدقي من وعي بأشعار المشارقة:

ليبيا والسلام

الجماهير التي تزرع آفاق بلادي

يرؤى مجد العروبة

بالتماع العزم، والإصرار، في أعين شعبي

بالجباه  السمر، بالأنفاس حرى

تقف الآن بقرص الشمس ،في ضوء النهار

حضنت غصناً لزيتون السلام

حملت سنبلة من قمح  أرضي الطيبة

وعلى حباتها يعتنق الضوء وآمال الشعوب الصامدة

في وجوه المعتدين

من أرادوا ربط أرضي بمشاريع الحروب

من أرادوا خنق مصباحي، الذي أوقدته من عزماتي

من أرادوا حرق أعشاب الصباح

من أرادوا طمس أفراح الطفولة

إن نبرة علي صدقي توحي بمدخل مشابه نقصت فيه (عندما)، وبدا أن الشاعر يحتفي بحالة أخرى من ذخيرة مختلفة. والعلامة الفارقة هي انتهاء هذا المقطع بعبارة (الطفولة) التي سنلاحظ أن الشاعر يردنا إليها طوال حياته الشعرية. وأنه في الوقت الذي نرى صورة (قرص الشمس) وهي الكبيرة، نرى (المصباح) وهو قد يكون أداة شخصية صغيرة ينسبها الشاعر إلى نفسه، بينما يكَثِّر فعاليته في الجمع (عزمات) وهي تذكر بقولة للشاعر الليبي (أحمد رفيق المهدوي): (حي الشباب ووفه الإجلالا.. واحمل على عزماته الآمالا). ودلالة هذا التذكر تستيقظ معرفة أن علي صدقي حمل لقب (شاعر الشباب) منذ بدايته، ولعله رأى في نفسه فاعلية الشباب وكبرياء حضوره، وقد نسب إلى نفسه الفعل (أوقدته من عزماتي) ثم أضفى فجأة صورة براقة، تجلب روح الريف نفسها (أعشاب الصباح) ليثير القلق حولها، فالأعشاب ستحتاج إلى رعاية، أو انتباه حتى توغل النهار نحو منتصفه،وقد اتصلت (أعشاب الصباح) بـ(أفراح الطفولة) التي بدت معرضة للخطر، صانعة اتصالاً خاصاً يجلب النظر إلى الغوص في ذات الشاعر، لتلمس أثر معاركه المبكرة في نفسه، مع إدراك وجوده المبكر في المواجهات التي كان يعيشها الآخرون الذين ينتمي إليهم بذاته، تحت عنوان (مجد العروبة).

عن عبدالرزاق الماعزي

شاعر ليبي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى