سبحان الله

معروف عن صاحب المطحن المدعة بالحاج الزروق، أنه رجل لا يخامره شك في صدق أحلامه، لكن أحداً لم يكن بوسعه أن يحدس إلى أي مدى يستطيع الحاج الزروق أن يمضي حتى جاء ذات مرة إلى المقهى، وأعلن أنه سوف يشارك في مؤتمر القمة. “مستحيل” قال له صاحب المقهى. “هذا حلم لن يتحقق أبداً. ماذا سيفعل طحان مثلك في مؤتمر القمة ؟”. “لا أدري” قال الحاج الزروق “لكني رأيت أنني جالس معهم في المنام. مولانا بتاجه الذهبي على رأس المائدة، والأخوة الملوك والرؤساء حوله مثل الشموع حول الشمعدان”. في الظاهر كان الحاج الزروق يتحدث بلهجة عادية، لكنه تعمد أن لا ينظر حيث يجلس البوهادي ؟؟؟؟؟ قسم التوزيع في مخازن الحبوب. “وماذا قلت لهم؟” سأله صاحب المقهى، وهو يغمز البوهادي بعينه. “كل شيء” قال الحاج الزروق “عن العمولات. عن استغلال النفوذ. عن الذين يتولون قسم التوزيع، ويوزعون الأخضر واليابس”. “أخرس” قال البوهادي. سكت الحاج الزروق. استدار على مهل، وذهب لكي يشرب قهوته عند المدخل في إشارة تنبىء عن موافقته على إنهاء الموضوع عند هذا الحد. وإذ ذاك وقع الحادث الذي أذهل جميع رواد المقهى، فقد وصل ساعي البريد فجأة، يحمل برقية استدعاء للحاج الزروق صادرة بالفعل عن مؤتمر القمة. في البداية لم يتكلم أحد، لكن البوهادي الذي قرأ البرقية بنفسه أكثر من مرة، أعادها مذهولاً للحاج الزروق، ووقف ينظر حوله، ويحك أذنيه. “فعلاً” قال البوهادي “إنه مطلوب للحضور قبل موعد الجلسة الختامية. ترى ماذا يريدون من رجل طحان مثله”. “هات” قال الحاج الزروق، وهو يستعيد برقيته، “صدقت الرؤيا. الآن سأذهب إليهم، وأنفض أمامهم ما في الجراب” “معلوم” قال صاحب المقهى. وفي هذه المرة لم يغمز بعينه. “سأذهب إليهم” قال الحاج الزروق “وسوف أفسر لهم ارتفاع أسعار الدقيق، وأشرح أمامهم كيف يعمل كل غربال”.

وبعد توزيع المشروبات على حساب صاحب المقهى، جلس الرواد حول الحاج الزروق، واستمعوا منه إلى شرح وافٍ بما يفعله البوهادي في مطاحن الدقيق. ورغم أن الحاج الزروق كان قد روى لهم القصة قبل ذلك عشرات المرات، فإن التفاصيل ذهذه المرة- أثارت غضبهم بصوت مسموع:

“نقصم ظهره” قال الصويعي صاحب حانوت اللبن. “إن لصاً يسرق قوت عيالنا مثل البوهادي، لابد أن نقصم ظهره”.

“عمولات” قال الحاج الزروق، وسكت.

“المجرم” قال مسعود عامل البناء، “عشرة في المائة على كل حبة قمح”.

“أكثر” قال صاحب المقهى “ثلاثة دراهم على كل كيس، في ألف كيس، على أربع مطاحن، هذه ثروة علي خان”.

“عمولات” قال الحاج الزروق، وسكت.

في تلك الجلسة، وتحت تأثير واضح من علاقة الحاج الزروق بمؤتمر القمة، تم الاتفاق على تدبير المظاهرة الصاخبة التي طوقت مخازن الحبوب في اليوم التالي حاملة لافتات معادية للبوهادي، منها لافتة تقول “يعيش مؤتمر القمة نصير الطحانين” وهي اللافتة التي تعمد الحاج الزروق، أن يكسر بها زجاج النوافذ في قسم التوزيع.

خلال لحظات، وصلت قافلة من عربات الشرطة، وشقت صفوف المتظاهرين، حاملة جنوداً مسلحين بالدروع والهراوات. فوضع الحاج سلاحه على الأرض، وشرع يبحث في جيوبه عن البرقية.

“هذه مظاهرة مرخصة” قال الحاج الزروق لقائد الفرقة، وهو يناوله البرقية “خذ رجالك، وأمشِ من هنا”.

قرأ الشرطي البرقية، أعادها إلى الحاج الزروق، وضربه على رأسه بالهراوة.

“امشِ ياحاج” قال له قائد الفرقة.

“ماذا دهاك؟” سأله الحاج الزروق، مأخوذاً بموقف الشرطة من برقيات مؤتمر القمة.

“هذا ليس ترخيصاً” قال الشرطي “إنه مجرد استدعاء للحضور”.

“نعم” قال الحاج الزروق شارحاً “ولكن أي استدعاء. إنه يا سيدي لمؤتمر القمة”.

ضربه الشرطي بالهراوة مرة أخرى. تراجع غاضباً وهو يحمي رأسه بيديه. تراجعت وراءه الجماهير، فيما بذل مواطن شجاع واحد محاولة أخيرة للصمود.

“هل تعرفون مؤتمر القمة ؟” قال مسعود عامل البناء مهدداً رجال الشرطة “هل تعرفون أنه يضم الأخوة الملوك والرؤساء، وأن الحاج الزروق سوف يذهب إليهم، ويشكو له ما نعانيه على أيديكم، فما تدرون حتى تمتليء الأرض حولكم بالدبابات”.

فتحوا خراطيم المياه الساخنة. غرق مسعود أو كاد أن يغرق. أمسكه الحاج الزروق، وجره وراءه، محاذراً أن تبتل البرقية بالماء. وبعد ذلك، لم يعد ثمة مفر من أن يذهب الحاج الزروق إلى مؤتمر القمة. وقد اضطر للركض أكثر من ساعة لكي يلحق بالقطار، ولحقه بالفعل في آخر لحظة، ووصل أمام مقر المؤتمر قبل موعد الجلسة الختامية، لكنّ أحداً لم يعرض عليه أن يشارك شخصياً في الجلسة.

وقف صامتاً في الشمس، رأى عشرات الحافلات تهرع مليئة بالناس على طريق المطار. قاده أحدهم إلى حافلة حمراء، مكتوب عليها “الشعب يودع اخوته الملوك والرؤساء”. حملته الحافلة إلى طريق المطار، فوجد يلوح بعلم في صف طويل من المواطنين الملوحين بالأعلام. تسلل عائداً من حيث أتى وظهر عند المغرب في المقهى.

“أين الدبابات” سأله مسعود، عامل البناء وسط عاصفة من الأسئلة.

“على الطريق” قال الحاج الزروق، متعمداً أن ينظر إلى حيث يجلس البوهادي. “إنهم قادمون بقوات لا تقهر”.

وسبحان الله، كيف صدقت الرؤيا، فلم ينقضِ نهار واحد حتى وقع الانقلاب.

عن النيهوم الصادق

الاسم : الصادق رجب النيهوم تاريخ الميلاد : 1937 مكان الميلاد : بنغازي / ليبيا توفي في جنيف يوم الثلاثاء 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1994، ودفن في بنغازي. مجالات الكتابة: القصص (الرواية، والقصة، قصص الأطفال) – النقد الادبي والاجتماعي- الفكر • تلقى علومه الإبتدائية والثانوية في دارس بنغازي. • حصل على درجة الليسانس في اللغة العربية من كلية الآداب بالجامعات الليبية سنة 1961، ثم اشتغل معيداَ بذات الكلية سنة 1962. • حصل على درجة الماجستير في اللغة الألمانية من جامعة ميونخ سنة 1964. ودرجة الماجستير في الأدب المقارن من جامعة هلسنكي سنة 1969. • درس علومه الجامعية في جامعة القاهرة وأعد أطروحة الدكتوراه في (الأديان المقارنة) بإشراف الدكتورة/ بنت الشاطئ، إلا أن الجامعة ردت الأطروحة بحجة أنها (معادية) للإسلام. • إنتقل بعدها إلى ألمانيا، حيث أتم الدكتوراه في جامعة ميونخ بإشراف مجموعة من المستشرقين الألمان، ونالها بامتياز، وكان يجيد إلى جانب العربي، الألمانية، والإنكليزي، والفرنسية، والفلندية، إلى جانب معرفته بالعبرية والآرامية. • بعد ألمانيا، تابع دراسته في جامعة أريزونا في الولايات المتحدة، لمدة سنتين. • درس بعدها مادة (الأديان المقارنة) في جامعة هلسنكي، كأستاذ محاضر في ليندا لعدة سنوات، بداية من 1968 حتى أوائل 1972. • أقام في لبنان بين 1972 و 1976، وكتب أسبوعياً في مجلة 0أسبوع العربي)، وغادر بسبب الحرب. • إنتقل إلى الإقامة في جينيف في العام 1976 حيث أسس (دار التراث) ثم دار (المختار) وأصدر سلسلة من الموسوعات العربية أهمها (تاريخنا) و(بهجة المعرفة). • عمل أستاذاً محاضراً في الأديان المقارنة، في جامعة جنيف، حتى وفاته. • متزوج من السيدة أوديت حنا من فلسطين. • بدأ الكتابة الشهرية في (الناقد) منذ صدورها في العام 1988، واستمر فيها حتى وفاته. • ركز في كتاباته الأخيرة على دور الجامع في تحريك الديمقراطية، وعلى دور الإسلام المستنير وضرورة إخراجه من أيدي الفقهاء وضرورة إعادة كتابة التاريخ العربي من منظور علمي تحديثي وعصري. • صدر له مجموعة من كتب على امتداد السنوات العشرين الأخيرة منها: - من مكة إلى هنا-رواية/ 70 - من قصص الأطفال/ 72 - تحية طيبة وبعد/ 73 - فرسان بلا معركة/ 73 - القرود-رواية/ 75 - الحيوانات /84 وصدر له عن شركة (رياض الرايس للكتب والنشر) أشهر وأهم كتبه عن الإسلام والديمقراطية، وهي ثلاثة: - صوت الناس: أزمة ثقافة مزورة/ 90 - الإسلام في الأسر: من سرق الجامع وأين ذهب يوم الجمعة؟/ 91 - إسلام ضد الإسلام: شريعة من ورق/ 95 ** هذه المعلومات أخذت عن مجلة الناقد إثر وفاة الكاتب، مع بعض الإضافات

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى