النبوءة


“كل شيء في وقته يكون كاملاً وفي غير وقته يكون ناقصاً” لم يخصص أبوها لهذه القاعدة مكاناً أو زماناً محدداً، أو يقصرها على أشياء دون أخرى، بل عممها على كل ما رأى في الماضي والحاضر وما قد يرى في المستقبل، إن بقي له من العمر شيئاً.. هذه القاعدة رسخت عبر تجربة حياة طويلة لم يبق منها سوى القليل، وحتى حين يسحبها على نفسه يرى أن بقاءه على قيد الحياة وهو في هذا العمر أيضاً أصبح في غير وقته، إذ بات هو الآخر عرضة للنقصان يوماً بعد يوم، فلباسه ليس من لباس هذا الوقت وطعامه الذي يشتهيه أكثره تلاشى واختفى مع جيله، وحديثه بتلك المفردات القديمة والغليظة والتي لا يعرف سواها صار غير مفهوم وأحياناً غير مناسب.. الله أكبر، كأن قيمته ليست مكنونة فيه فحسب بل أيضاً في زمن وجوده.!

جلس يوماً على عتبة باب داره يسبغ وضوءه للصّلاة مثل كل يوم، حتى إذا فرغ من ذلك وهَم بالوقوف، عاد مكانه ورفع رأسه إلى السماء الملبدة وأخذ يتابع قطع السحاب كيف تغطي وجه الشمس وتمضي بعيداً على مهل، وعلى سطح خده كانت تجري نسمة هواء رطبة، وأذان لصلاة العصر يدوي في الأرجاء، وطير حمام يعبر الفضاء من اليمين إلى اليسار، فخيل إليه وهو ساهم في الفراغ أنه إذا كانت هذه السحب ستهطل مطراً كي ينمو غصن وتنضج ثمرة، وهذه الحمامة مسرعة إلى عشها كي تنضج بيضتين، فالشمس تعيد نفسها كل يوم هي الأخرى لتجدد النضج، وهذه النسمة ما كانت لتأتي إلا بعد نضج، وصدى الآذان يقول بشكل أو بآخر حيّ على النضج حيّ على النضج.

ترك هذا التصور انطباع لدى ابنته، أنه مهما تعددت وجوه النضج تضل كلها تجدف في ذات الاتجاه، فهو تواجد الأشياء في أوقاتها، وتوافق الزمان مع المكان، والولادة في موعدها، وخروج موسم ودخول آخر، والشروق والغروب والكمال والجمال، وفي الأمور أوسطها، والشعور بالثقة، وأمها وكل الأمهات، والذين آمنوا وعملوا الصالحات، والأربعون.. و…و…، باختصار هو ما لأجله بعثت رسل وتعاقبت فصول.. لكنه لم يوافقها الرأي حين سمعها تعرّف وتفسر النضج بالوعي، قال لها يومها بهدوء على عتبة باب الدار وهو يهم بالوقوف من جديد: النضج يا أبنتي ليس علماً نقرأه لا..لا إنه مكون، وإذا كان الوعي لا يتعدى مستوى العلم فإن النضج يطال حتى النبوءة .

سمنو: 9\5\2008

عن إبراهيم بن عثمونة

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى