مسعــــودة

ما عادت صرَّة الحج تلك التي كنا ننتظرها ونحتفي بوصولها في السابق كالسابق. ما عادت اليوم ذات قيمة ما لم تحمل في طياتها جلاباً أسود وحجاباً أسود وربما حتى حذاء أسود. وما عادت رائحتها طيبة كما في السابق يوم كانت تفوح من داخلها رائحة الإمام مالك، أو هكذا خالت لنا زمان. تبدلت الصرَّة اليوم يا صاحبي وتبدل منتظريها، وتبدلت رائحتها برائحة أخرى، وتبدل لونها الأبيض بلون آخر. لذلك لم يفاجأ امحمد كثيراً بهذا العدد الكبير من الجلابيب السوداء عند باب المستشفى يوم ذهب بزوجته لزيارة أختها. فهو واحد ممن زاروا السعودية مؤخراً وجلب لزوجته جلباباً أسود بعد أن صار الأسود عبادة تتحسسها اليد وتُقاس بالمتر وتُشترى بالريال.

Amal_Al3yadi_01

كانت أوجه الشبه عند باب قسم الولادة في المستشفى بينهن كبيرة. فالكل تختفي في جلباب، والكل تنظر من وراء السواد دون أن ينظر فيها أحد، ولا فرق بين هذه وتلك اللهم في طول القامة أو عرض المنكبين أو في حجم الرأس.. نساء تدخل ونساء تخرج. نساء بدينات ونساء نحيفات. نساء قصيرات ونساء طويلات. نساء ربما بيض ونساء ربما سمر. نساء زائرات مشفقات ونساء زائرات شامتات. هكذا وقف امحمد عند باب قسم الولادة في مستشفى “سبها” دقائق ينظر لهن وينتظر زوجته التى دخلت للزيارة بكساء أسود قيل انه إسلامي. مشتْ في الداخل وظل هو يلاحقها بنظراته وهي تتغلغل في هذا الكم الهائل من السواد. لن يخشى ضياعها منه، لا لا لن يخشى، فهو يعرفها ويميزها حتى لو كانت معه في السعودية وتغلغلت هناك فما بالك وهي تتغلغل في سبها.

كان امحمد قبل السعودية يعتقد أن العبادة شيء قيمي صِرف لا يمكن أن يكون له لون وطعم ورائحة، ولا يمكن أن تراه العين المجردة، ولا يمكن للعبادة أن تلبس عباءة تتحسسها اليد وتُقاس بالمتر، بل قبل زيارته للسعودية، كان يتصور حتى الصلاة التي نقوم لها خمس مرات في اليوم ونغتسل ونتطهر ونذهب لجامعها يوم الجمعة، ليست هي ما نقوم به خلف الإمام بل هي ما نضمره خلف الإمام، لكن السعودية غيَّرته وبدلت معتقداته، وقدمتْ أو غلَّبتْ فيه القالب على القلب وشددت فيه على الشكل قبل المضمون.

في السعودية أفتوا له وأقنعوه بالمظهر فرفع سرواله فوق الكعب أو يزيد قليلاً، واشترى لزوجته جلباباً أسود يُغطيها من شعر رأسها حتى الأرض أو يزيد قليلاً، وعاد ومعه مجموعة جلابيب سود بمقاسات ومتفاوتة لبناته.. اتصل يومها من الحج ببيته في ليبيا يستفسر عن أطوال بناته، في حين فردت زوجته المتر وشرعت تأخذ المقاسات من أعلى إلى أسفل، وشرع هو يُدون في ورقة صغيرة مقاس كل واحدة على حده، ثم ذهب على الفور إلى أسواق مكة ليشتري ما يكسو به بناته ويحجبهن عن الحياة الدنيا. ومن يومها ما خرجت بنت من بناته أو خرجت زوجته في مناسبة إلا وتغلفت جيداً، وتأكدتْ أن كل شيء فيها صار بمعزل عن الحياة الدنيا، وأنه لا توجد فتحة صغيرة أو كبيرة يمكن للحياة الدنيا أن تنظر لها منها.

وفي المستشفى، ساعة ذهبتْ لزيارة أختها خرجت بذات الجلباب الذي اشتراه لها من هناك، بعد أن وقفت أمام المرآة واستدارت مرات حتى تأكدت أن لا شيء مكشوف منها، ثم ركبا معاً في السيارة، ورافقها حتى باب القسم ليتركها تلج الباب مع جملة نساء يتلحفن مثلها بذات الفتوى، ويرتدين جلباباً أسود لا يُخفيهن تماماً وحسب بل يُخفي تماماً حتى تطلعاتهن البعيدة ولا يسمح إلا بخطوات قليلة أمامهن. فاتت زوجته إلى الداخل مع جملة النساء في حين تراجع هو خطوات عن الباب فاسحاً المجال لحركة الدخول والخروج لزوار القسم، ساعة اتكأ دقائق على الجدار منتظراً زوجته التي لمحها تعود من آخر القسم دون تعطيل. لم يُطل الوقوف، ولم تتأخر هي، بل بالكاد دخلت وخرجت، حتى ظنها لم تجد أختها التي ربما تكون خرجت.

ميزها من بعيد. إذ قلة مَن مثلها تقف على هذا الطول، ولا داعي حتى للتدقيق خاصة أن حجم رأسها يشير بقوة أنها هي، وساعة اقتربت منه والتقت نظرته بنظرتها من وراء الحجاب وظنها رأته، أومأ لها برأسه وتركها تسبقه. واستهوته وهي تمشي أمامه، وفكر لو يقترب منها أكثر ويقول لها ذلك لكن الناس ألزموه السكوت، فمشى وراءها ينظر لها في صمت، حتى إذا وصلا الباب الخارجي ونسيتْ هي مكان سيارتهم ومالت على اليسار، استدرك هو على الفور وكلمها بهدوء ليصحح لها، ثم نادى بصوت أعلى حتى سمعه الجميع لكنها لم تسمعه، وكاد يلحق بها ويجذبها من جلبابها لتتذكر أنها أخطأت مكان سيارتهم المركونة على جهة اليمين من الباب، لكنه وقوف وفضل انتظارها إذ سرعان ما ستتذكر وتكتشف أنها خلفتْ سيارتهم وراءها، وتعود وتراه من بعيد واقفاً ينتظرها وتأتي لتركب معه. لكن المفاجأة التي لم ولن تخطر على باله، ولم ولن يتوقعها، ولم ولن يصدقها، بل حتى كادت تصعقه وتميته حين شاهدها تفتح باب سيارة اخرى وتركب مع صاحبها الذي كان ينتظر في داخل السيارة. لم يُصدق ما رأى، بل لن يُصدق، وكيف يصدق.

كانت سيارة صغيرة بيضاء تتراجع للخلف ثم تنطلق للأمام وفيها زوجته ساعة ركب هو وقاد سيارته على عجل خلفهما. وكاد يجن مما يرى حين مد يده إلى درج سيارته المسرعة وصار يفتش فيه عن أي شيء، حتى تحسس في قاع الدرج سكيناً قديماً.

كان الغضب يملأه ويملأ صالون سيارته القديمة وهو يضغط على هذه القديمة إلى أقصى سرعتها، حتى وصلا مكانهما وهو أيضاً وصل خلفهما وأغلق عليهما الطريق ووضع سيارته وراء سيارتهما الواقفة أسفل العمارة، ليقطع عليهما أي فرصة للفرار، ثم بسرعة قبل أن يدخلا من باب العمارة اندفع نحوهما، فالتفت الرجل ليراه قريباً منه وفي يده السكين والشرر يتطاير من عينيه.

لم يكن هناك متسع من الوقت للتفاهم، بل لم يكن هناك ما يتفاهمان عليه، فالقضية والجرم واضح وضوح الشمس، ولا سبيل لمداراته، في حين التفتت المرأة سافرة عن وجهها إثر صيحة اطلاقها زوجها في وجه امحمد، ليكتشف الأخير أن الوجه ليس وجه زوجته، وأن عينيها وشفتيها وفمها وأنفها ليسوا لزوجته، وأنها واحدة أخرى ترتدي جلباباً اسود ربما يكون زوجها أيضاً قد جلبه لها من السعودية.

ارتبك المشهد وشعر بخجل وارتباك شديدين، ولم يعرف هل يتأسف منهما إذا كان الأسف وحده يكفي، أم يصد أي لوم قد يقع عليه من صاحب السيارة وزوج المرأة، ويلقي به على الجلباب الأسود الذي لم يترك أي فرصة لتبين ملامح مَن يسكن فيه.

بقيَّ الثلاثة لأقل من دقيقة ساكتين ينظرون إلى بعضهم، وعرف الرجل وزوجته أن امحمد ربما يكون قد أخطأ كما حدث من قبل مع جارهم الذي رافق زوجه المجلببة بالسواد مسافة من الطريق إلى أن اكتشف أنها تنتعل حداء غير حذائها، فأدرك الجار أنه أخطأ زوجته، وأنها ربما تكون الآن تنتظره حيث تركها، ومن يومها ما خرجت جارتهم من باب بيتها إلا ووضعت شريطاً أبيض على جبين الجلباب.

بعد وقت قصير عاد كل شيء طبيعي، فاعتذر امحمد منه ومنها، وشرح لهما الموقف، وتفهما منه الحالة المشابهة لحالة جارهم، وفي طريق عودته إلى المستشفى عرَّج على محل يبيع أشكالاً وألواناً عديدة من الطلاء، وهناك دخل يبحث عن علبة طلاء بيضاء صغيرة وفرشاة. لم تكن حاجته لكمية كبيرة من الطلاء حين لم يعثر له صاحب المحل على علبة صغيرة إلا بصعوبة. قال امحمد في نفسه لابد أن الكثيرين قد وقعوا مثلي في فخ الجلباب الأسود، واستنفذوا كل العلب والفرشاة الصغيرة حين خرج صاحب المحل من الداخل وفي يده آخر علبة طلاء صغيرة بيضاء. أخذها امحمد وطلب من صاحب المحل لو يفتح برميلاً كبيراً من الطلاء الأبيض ويُفرغه في علب صغيرة ويذهب ويعرضه هناك عند أبواب المصحات. قال ذلك وهو يخرج على عجل تاركاً الفكرة في رأس صاحب المحل تتفاعل لعلها تتحول إلى واقع على الجلابيب، وواصل طريقه وإلى المستشفى وقسم الولادة حيث تنتظره زوجته، التي ما إن رأته قادماً  حتى مشت وسبقته بخطوات، أو هو مَن تركها هذه المرة تسبقه بخطوات لا لينظر ويتفرج عليها من الخلف كما فعل مع الأولى، بل ليغمس فرشاه في علبة الطلاء ويكتب على ظهرها “مسعــــــــــــــودة”.

وقفت مسعودة حين شعرت به يعمل على ظهرها، وأدارت لفتة صغيرة للخلف، وحين عرفته يكتب اسمها على الجلباب قالت له اكتبه بالله عليك ثلاثياً وبخط النسخة، فهي منذ اليوم الذي وضعته عليها لم يحجب هذا الجلباب سوى ذاتها، ولم  يُشعرها مرة وهي تمشي بين النساء في الأماكن العامة سوى أنها واحدة في قطيع من النساء.

عن إبراهيم بن عثمونة

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى