الدواء عند لغدامسي

لا أعرف إن كان ذلك دقيقاً يا سيدي، لو قلتُ لك أن مَن سأحكي لك عنه اليوم، هو أحد الجيران. أو قلتُ عنه هو أحد أطفال الجيران. أو هو أحد الرفاق الجيران. كان رفيق الطفولة، ومازال رفيقي حتى بعد أن تركته هناك طفلاً، وتقدمتُ عنه إلى الشباب والرجولة. وحتى بعد أن تجوزتُ وتجاوزته وصار لي أطفال يلعبون معه مازال رفيقي. وحتى بعد أن ابتعدتُ عنه أكثر من أربعين عاماً، وبقيَّ هو هناك طفلاً،سيبقى رفيقي الأول والأخير.

كان واجبي حياله والذي قمتُ به زمان يا سيدي، أنني أخذته من يده، وأقعدته حدي على المقعد الذي يسع لاثنين فقط،وفي اليوم التالي جاء مدير المدرسة ونادى على اسمه وأعاده إلى الصف الأول الابتدائي، وشعرتُ بفراغ كبير تركه خلفه فوق الكرسي، ومع الوقت تعودتُ على الجلوس من دونه، وبقيَّ هو في الصف الأول الابتدائي. ومازالت إلى اليوم أفواج التلاميذ تأتيه وتبقى معه عاماً كاملاً،ثم تتركه في الصف الأول وتذهب عنه.

يوم بلغتُ يا سيدي سن المراهقة وقيل لي إن مساحة صوتي زادت عن الأول،كان هو الآخر قد بلغ، ومساحة صوته زادت. ويوم تفلطح جسدي وتفلطح معه ظلي، كان هو أيضاً قد تفلطح وتفلطح ظله. ويوم فرحتُ انا ببزوغ أول شعر على وجهي ومناطق أخرى من جسدي، كان وجهه ومناطق أخرى من جسده قد غطاها الشعر.

وكل ذلك يا سيدي، ومازال هو في الصف الاول الابتدائي.

عرَضه والده على أطباء متخصصين، وجال به كل المستشفيات التي يعرفها، ولكن لا أحد عرف له داء أو دواء، فظل رفيقي طفلاً في قالب رجل. وكنتُ حين أجد أباه جالساً عند باب بيتهم، وابنه يلعب مع الاطفال، أرى حسرة في نظراته على هذا الولد الذي لو لم يتوقف عقله عن النمو، لكان اليوم جراحاً ماهراً،او رائد فضاء.

قال لي مرة وهو يجلس عند الباب، إن ولده الذي كان الأكثر نبوغاً في الشارع قد أصابته عين جارتهم، ولم يصبه شيئاً آخر كما قال الاطباء. بل عين جارتهم هي مَن عطل أو جمد دماغه عن النمو. وكان هو حين يراني مع والده أو أعبر الشارع يُسرع لملاقاتي ويطلب مني أن يركب معي ويزمر سيارتي، فأطلب منه وهو معي في جولة عبر شوارع القرية أن يقلم أظافره ويحلق وجهه ويلبس حذاء ويهتم بمظهره المهمل، وكانت يده تمتد لتزمر، فأعطيه يزمر ونحن نجوب القرية حتى يشبع تزمير،ثم اعيده إلى باب بيتهم وأمضي عنه. ولا أخفيك يا سيدي أنه ساعة يضيق علمي أذهب إليه ليركب معي، وأحسده على هذه النقطة التي يعيش فيها بلا حدود، وحين تتبدد همومي وأصفو أيضاً أذهب وآخذه معي وأنا أشفق عليه من هذه النقطة التي لا تسع حتى مساحة قدمه.

مؤخراً اجتمع حوله جملة اطباء،وقرروا له السفر، ووافقت له اللجنة الطبية على السفر والعلاج في الخارج،وهناك التأموا عليه أكبر أخصائيين العالم، وأجروا له فحوصات دقيقة، وشخّصوا الداء والدواء، ووقّع أبوه على العملية بعد تردد، وأجريت له جِراحة كبيرة، شقوا فيها رأسه إلى نصفين، وشرعت أدواتهم تعمل في داخل الرأس لساعات، ثم أعادوا إغلاق الرأس ليمنحوه عمراً آخر، وبعد ساعات خرج ممدداً وأبوه يلازمه إلى غرفته. وبعد ايام من فقدان الوعي أفاق. وبعد أسابيع صار يمارس حياته شيئاً فشيئاً. وصار عقله الصغير العاطل عن العمل منذ اكثر من أربعين عاماً، يعمل. وصار جسده الذي تعود لعقود على عدم الشعور بالمسؤولية، بالمسؤولية. وأطرافه التي عانت الإهمال لعقود، صارت ترتبك وتتخبط في ردات فعل عنيفة من حين لآخر. لكن ذلك كان أمراً متوقعاً على حد قول الاطباء لوالده الذي رافقه لأوربا، بل أنه يا سيدي من المتوقع له أن ينتحر ما لم يحاط بمراقبة جيدة في السنوات الأولى. فالنقطة الصغيرة التي كان يعيش فيها ويعتقد أن حدودها هي حدود العالم توسعت في رأسه وصارت أوسع من العالم. وبصره الذي كان لا يبصر سوى الأطفال كبر وصار يبصر حتى مَن بلغ أرذل العمر. والشهوات التي كانت مكبوتة في داخله اشتعلت فجأة واجتاحت جسده الواسع. والتناغم المطلوب بين عقله وجسده ليكون انساناً سوياً،سيتم تدريجياً كلما تقلصت هذه المسافة الطويلة بين العقل الوليد والجسد الذي بلغ أشده. وعند باب المشفى اكد الاطباء لوالده آلا يقلق، وأن يتابع حالته ويراقبها عن قُرب،فهو يا “حاج” – قال له الأطباء عند الباب – لو لم يُصاب هذا الولد في مطلع حياته بفيروس في عقله،لكان اليوم جراحاً أو رائد فضاء،ولكن هذه هي طبيعة الحياة وخطورة الفيروسات فيها.

وعاد الحاج من أوربا بفرحة كبيرة، وخوف أكبر على ولده…زرتُه يوم عاد من العملية الكبيرة زرتُه يا سيدي، واستحمدتُ لأبيه على سلامة ولده، واستحمدتُ له. ويا سبحان الله. ما عاد رفيقي كما عرفته. حتى ملامح وجهه صارت تأخذ ملامح أبوه وجده الأول. لم يخطر ببالي مرة أن أجري مقارنة بين وجهه ووجه أبيه. كان شيئاً مدهشاً يا سيدي وصورته تعود لأصلها الأول، ووجهه يعود لأهله ودويه. وصار وهو يعود كأنه يعود من مكان بعيد أشعت وأغبر. حتى كفه وانفراج أصابع يده صارت تقترب كثيراً من كف وأصابع أبيه، دون أن أعرف مرة أنه كان يشير لنا في السابق بيد وأصابع أخرى لا أحد يعرف أصلها ومفصلها. ما كنتُ أحسب يوماً أنه يوم كان يظهر ويمشي بيننا في الشارع،كان يظهر ويمشي بملامح أخرى لا تشبه لا أبوه ولا جده، بل لا تشبه حتى الجيران.

معه من بعد صلاة العصر وحتى وقت من الليل. وكان حين يرتاح من تلك النوبات التي يمارسها عليه جسده المطرب، أشعر أنه في الطريق إلينا نحن العقلاء.

أخبرني هو نفسه بذلك، وان عقله بات يعمل على مدار الساعة بسرعة ليقلص المسافة البعيدة. وحين سألته عن يده التي ماانفكت تتحسس رأسه أمامنا، أخبرني أنها تتحسس شيئاً يتحرك في الداخل وهي تدور حول الرأس مع دوران ذاك الشيء. ثم حدثني عن نصائح الاطباء له، وسحب كيساً من تحت وسادته مليئاً بالعقاقير والحقن، وفرز كل دواء لوحده، وعدَّد وظائفه، وقال لي إن ذلك لتهدئة جسده وأطرافه المرتبكة. وأخبرني أن ليلة أمس صار ذراعه وساقه الأيسر ينتفضان بقوة، ويرغبان لو ينفصلان عنه ليشكلان جسداً آخر مستقلاً ومجاوراً له، وظل طوال الليل يصارعهما، ويؤكد لهما أن هذا لا يصح، وليس بوسع أي قدم وذراع أن يقيمان جسداً منفصلاً لوحدهما. وقبل ليلتين قال إن ساقه الأيمن منع صعود الدم إلى أعلى، لأن القلب لا يعطيه حصة كافية من الدم، فسعى جاهداً لإقناع ساقه بأن يرخي على الدم، لأن هذا السائل ليس لواحد بعينه بل للجميع ويعيش به الجميع. وظل طيلة اليومين الفائتين يقنع ساقه بركبته أن يفتح على السائل المحبوس والمحاصر في أسفل القدم. وقبل ليالٍ رفض ذراعه الأيمن تنفيذ أي أوامر تأتيه من الدماغ باللغة العربية، بحجة أن ذراعه هذا يوم تخلَّق في بطن أمه تخلَّق بلغة أخرى،ولا يمكنه تنفيذ أي أوامر ما لم تأتيه بلغته الأم. فظل يأكل ويصافح ويتعامل مع الناس بذراعه الأيسر، على أمل أن يعود الأول لرشده ويقبل باللغة التي يفهمها جميع الأعضاء. ثم أضاف أنه قبل ساعات صارت أجزاء من كتفه الأيسر تتهمه بالردة والكفر،وأنها ترغب في بناء جسد إسلامي يأتمر بشرع الله. وأخبرني عن اضطرابات وشطحات كثيرة وكبيرة ظهرت فجأة بعد العملية الجراحية على جسده الذي عاش مهمشاً ومهملاً لعقود. ثم فجأة وهو مازال يحكي لي صارت أصابع قدمه تتصارع،فأخذ لها حبة دواء، وقال أنه خلاف بين الأصابع على مساحة القدم. وقبل أن أقوم وأمشي من عنده كشف لي عن حقنة خاصة، قال إنه يأخذ منها واحدة كل يومين. ووضع يا سيدي إصبعه أسفل الثدي حيث يُخزها له الممرض،وعرفتُ منه إن هذه الحقنة خصيصاً لقلبه، لكي يتخلص من أنانيته ويضخ الدم بوفرة لتصل إلى أطراف الجسد البعيدة. فليس بالقلب وحده يعيش الجسد،ولكل وظيفته المهمة،حتى الأظفار أو حتى شعر الحاجبين له وظيفته. وعرفتُ منه أيضاً أن قلبه مازال طفلاً نرجسياً وأنانياً في الصف الأول الابتدائي،ويريد كل شيء له. وابتسمتُ في وجهه ووعدته أن أزوره من حين لآخر لأطمئن عليه. وفي اللحظة التي هممتُ فيها بالوقوف من مكاني وصلته مكالمة من شخص لا أعرفه. قال له الشخص أنه يعرف طبيباً ليبياً ماهراً يُدعى “لغدامسي” قد يجد عنده الشفاء،وأن هذا الطبيب ابدى استعداده لعلاجه في مصحته الخاصة. وعلى عدة جلسات،يقوم خلالها بمحاولة للتوفيق بين أعضائه وأطرافه المختلفة والمتخالفة لإقناعها على العيش معاً في جسد واحد. وأكد له أن مع الطبيب أجهزة متطورة ومتخصصة في الإقناع بلغة مفهومة وسهلة،وأن لهذه الأجهزة خيوط توصل بين أعضاء الجسد لتقريب وجهات النظر.

شرح له في مكالمة طويلة انتظرتها حتى انتهت. وعرفتُ فحواها تأكيداً بأن حياته الجديدة يجب أن تكون بمظهر جديد وواجهة جديدة، وأن ذلك المنظر والوجه البائس الذي كان يعيش به بين الناس ما عاد يليق به، وتلك الملابس الرثة يجب أن يرميها، وأسنانه يجب أن يفرشيها كل صباح، وألفاظه التي رافقت تلك الواجهة ينبغي تحسينها، وكل ما كان يجب وضعه في زمن كان، فما هو مقبل خير ألف مرة مما أدبر، وما هو آتِ من الأيام خير مما سلف،والحياة تُحب مَن يحبها وتبغض من يُبغضها، وما حياته المهملة التي مضت إلا من بغض أخذه من بين أقرانه وجثم على صدره عقوداً. ومَن أحب الحياة أحبته، ومَن أحب الناس أحبوه. وقال له كلاماً كثيراً في حين كان هو يستمع ويومئ برأسه لمهاتفه في إشارة على أنه سوف يسافر إلى لغدامسي لمقابلته في مصحته الواقعة في مدينة غدامس. باركتُ له عزمه وأبديت استعدادي لمرافقته في رحلة العلاج هذه. وتواعدنا على موعد قريب للسفر. ثم خرجتُ يا سيدي منه، وأنا على ثقة أنه إذا تجاوز هذه الفترة الحرجة، سيكون من أكثر الرجال نضجاً في قريتنا.

شجعته بقوة، وتكفلتُ بمصاريف السفر. وقلتُ له نذهب معاً إلى غدامس فهناك واحة مرسومة في خيال حتى أولئك الذين لم يزورنها مثلي. وغدامس هي تاريخ ومَن يدري يا رفيقي أن لا يكون لك فيها تاريخ. وغدامس مئذنة وجامع منذ عصر الصحابة، وكذلك قبة للسنوسية، وعرجون بلح، وطربوش فقي، وطفل تحت إبطه لوح محفوظ. لذلك هي صورة عريقة في خيالنا نحن الليبيون. وهي قد تكون اختيارك الذي تأخر واستجاب له القدر اليوم. وهي توق منا جميعاً، نعم منا جميعاً، حين صعد في لحظة مجتمعية إلى السماء،ثم عاد من السموات العلى معكوساً لك أنت وحدك في غدامس يا رفيقي… ولا غير غدامس.

_________________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

عن إبراهيم بن عثمونة

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى