طـُيـوب عـَربـيَّـة

 

إشـــاعـــة

 

عبدالرحمن البيدر-العراق

 

 

عند شاطىء دجلة, كان يقضي جل وقته في السيباط المجاور لماكنة ضخ الماء التي يملكها, كان يوفر الماء لأصحاب المزارع القريبة, ويقتسم معهم ثمن المحاصيل عند نهاية الموسم, الحاج راهي كان يتلذذ في ترديد أغاني السويحلي التي حفظها عن الملا ضيف الجبوري وسلطان احمد وعلي العيسى وغيرهم من عتاة الغناء على الربابة, عند كل ظهيرة كان يأتي أبنه حسن حاملاً وجبة الغداء, يتناول الحاج راهي غداءه ويأخذ قسطاً من الراحه, يغط في قيلولة, فيما يتولى حسن مراقبة عمل المضخة, ويقوم أحياناً برش الماء على جدران السيباط القصبية المعززة بالعاقول لتبريد الهواء الذي يتخللها, لتلامس بعض النسمات الباردة وجه الحاج راهي الذي أتعبته مصاعب سنين العمر التي قاربت الستين, لقد مضى على بداية الحرب عدة أشهر, ولا يلوح في الأفق موعداً لنهايتها, أخبار الحرب تتواتر, شهداء... جرحى... أسرى... مفقودين, بعد مدة تم أستدعاء حسن لأداء الخدمة الألزامية, وهنا بدأت معاناة الحاج راهي, كان يفتقد حسن عند كل ظهيرة, بعد أن أكمل حسن فترة التدريب في المعسكر القريب من القرية, منح أجازة لمدة أسبوع ألتحق بعدها بوحدته العسكرية الجديدة في القاطع الجنوبي للجبهة, لقد ألتهمت تلك الحرب رجالاً وشباباً كثيرون من أبناء القرية, منهم من قتل, ومنهم من وقع في الأسر, وأخرون لم يعرف مصيرهم, كان نبأ أسر أحد أبناء القرية أقل وطأة على ذويه من نبأ مقتله, وكان أهالي القرية الذين لديهم أبناء في الجبهة يديمون التواصل مع (الحمشي) ذلك الرجل المشلول الساقين, الذي يمسك بالمذياع بأستمرار ويقربه من أذنه ليستمع الى أسماء الأسرى ويبلغ بها أهالي من يعرفهم, بعد بضعة شهور ترددت في القرية أشاعة بأن بعض الجثث التي يأتى بها من الجبهة تذهب الى غير أهلها بطريق الخطأ, وتفيد الأشاعة أن السبب هو تشابه بعض الأسماء, والتشوهات التي يصعب معها تمييز أصحاب الجثث, أو لأسباب اخرى  فنيه وأدارية, خاصةً وأن (الحمشي) أكد أكثر من مرة سماعه أسماء أسرى سبق وأن أشير الى مقتلهم وتم دفن جثثهم, بدأ الشك يساور الكثير من أهالي القتلى الذين تم دفنهم في أوقات سابقة, وراحت تلك الأشاعة تمني البعض منهم بأن أبنائهم لازالوا على قيد الحياة, كان الحاج راهي يسأل (الحمشي) عن جديد أخبار الأسرى بعد أن طال غياب حسن لأكثر من شهرين, أكد له أنه لم يسمع أسم حسن ضمن أسماء الأسرى التي أذيعت من خلال الراديو, وبعد عدة أيام توقفت سيارة أجرة أمام بيت الحاج راهي وعليها تابوت مكتوب على واجـهته الشهيد البطل حسن راهي, تجمع الناس كعادتهم وأنزلوا التابوت من على السيارة, وراح قسم منهم لحفر القبر في مقبرة القرية, قبل حمله الى مثواه الأخير طلب أحد وجهاء القرية من بعض الحاضرين فتح التابوت رغم أن ذلك ممنوع بأمر من السلطات الرسمية, وطلب من الحاج راهي التأكد من أن الجثة التي في داخل التابوت هي لأبنه حسن, ولما أكد الحاج راهي أنها جثة حسن, قال له ذلك الرجل إبك كما تشاء لكي لا تقول لي غداً أن (الحمشي) قد سمع أسمه ضمن أسماء الأسرى. 

25.06.2010

 

الرئيسية | الأولـى