|
إنــتــظــار
عبدالرحمن البيدر-العراق

الليل يتسكع في طرقات القرية التي بدت شبه مهجورة,
القمر يراقب من بعيد تحركات بعض القطط الجائعة,
وثمة امرأة تجلس وحيدة, ساندة ظهرها إلى جدار
البيت الطيني الذي ترك المطر بصماته عليه, كانت
قبالة شاطئ النهر ترقب عودة خليل الذي ركب البلم
قبل سنتين حين كان القمر بدراً كما هو الآن, وراح
لينشر شباكه وينصب كمائنه للأسماك التائهة وسط نهر
دجلة الذي بدأت شواطئه تتلاشى, منذ صغره كان يقول
لأمه باستمرار أنه سيكبر ويحافظ على أسم أبيه لحين
عودته, انقطعت أخبار أبيه أبان الحرب, قيل لهم
آنذاك أنه دخل منطقة (الأرض الحرام) خلال الليل
ليجلب جثة زميله الذي قتل بسبب انفجار لغم قبل
غروب الشمس, أم خليل لازالت تأمل عودة زوجها,
وترقب شاطئ النهر تنتظر عودة خليل, وهي جالسة
قبالة الشاطئ كانت تستذكر حكايا أبو خليل أثناء
أجازته حين كان يحدثها عن سهره المتواصل وهو يراقب
جهة العدو, وكيف كان يسترق لحظات التأمل في فترات
هدوء الجبهة, ويحلم بأن يكبر خليل ويصبح صياداً
محترفاً ليعينهما على مصاعب الحياة, الحلم الأكبر
لأبوخليل كان نهاية الحرب والإحالة على التقاعد,
ليجلس في البيت مع زوجته وأبنه, حيث لا أصوات
قنابل, ولا أصوات رصاص, ولا جثث قتلى, ولا أرض
حرام... ثمة دموع ساخنة تتهادى بين الأخاديد التي
حفرها الزمن في وجنتي أم خليل, بين الحين والأخر
تتلقفها إغفاءة, يأتي خليل حاملاً كيس السمك,
يسألها... هل ثمة خبر عن أبيه, تطلب منه فتح
المذياع ليستمعان الى أسماء الأسرى, تفتح عينيها
وتنظر باتجاه الشاطئ. |