|
مهزلة "أمير الشعراء" المُبكية
نمر سعدي-فلسطين
أظُّنُ أن الشاعر المصري العملاق أحمد شوقي كان سيزهد بلقبهِ
الشعري الأثير على قلبهِ "أمير الشعراءْ" لو كشفت له حُجُبُ
الزمن قليلاً ممَّا أخفتْ. ولو حملَ لهُ وحيَهُ الشعري أنباء
الغد، لكان ألقى هذا اللقب إلى جُبِّ يوسفَ عليهِ السلام.
فما يحدث هناك في إمارةِ أبو ظبي، رابية الغنى الخليجيةِ
وبحبوحة الانتعاش الاقتصادي النفطي، وشاطئ راحتها المُتعبْ
يبعثُ فعلا على الخجل واتهام الذات بوصمةِ السذاجة العربية،
ذلك أنَّ متابعتي لبرنامج المسابقة الشعرية (الأكثر رواجاً
وأهميةً على امتداد الجسدِ العربي الجريح) المُسمَّاةِ "أمير
الشعراء" على فضائيات "بيفرلي هيلز العرب وأخواتها" أصابتني
بصدمة جديدة متمثِّلةً بجرعة يأس أخرى من جرَّاءِ انكساري
أمامِ مسكنةِ الشعراء المتسابقين وقلةِ حيلتهم تجاه مزاجية
وقسوةِ النقَّادِ المُحكِّمين.
لا أعرف لماذا يقيمون مثل هذهِ المسابقات التي لا تهدف إلاَّ
لتقزيمِ القامات الشامخة، وإعلاءِ شأنِ الأقزامِ من
المتشاعرينْ، لا أفهم سرَّ ارتباطِ الشعر بالسلطةِ المادية، ما
دامَ هو خبز الروح في عشائها الأخير؟. بغضِّ النظرِ عن جدِّية
بعض النصوص المتمسِّحة بأعتاب ذوي النفوذ والبريق، فإنَّ سخطي
يصبُّ على مشاركين ممتازين لا أعرف كيف اقتنعوا أن يسوِّقوا
مهزلة هزيلة تبعثُ على البكاءِ قبلَ الضحكِ كهذهِ.
وأريدُ أن يقنعني أحدٌ بجدوى إقامتها في أبو ظبي بالذات "حاضرة
الذهبِ الأسود"، أو ربمَّا بمسألةٍ أقلَّ خطرا وساذجة أيضاً
وهي تحديدُ عمر المشاركين بينَ سنِّ الثامنة عشرة حتى جيل
الخامسةِ والأربعين، لماذا هذه السذاجة، ألا يبدعُ المرءُ بعدَ
الأربعين، وقبلَ الثامنة عشرة؟
لا يورثُ المشهدُ غيرَ الحزن في النفسِ أمام الأشجار اليانعة
المُقصَّفةِ الكبرياءْ، قبالة تهكمِّ واضحٍ سافرٍ وجلَّيٍ من
طرف اللجنةِ المُوَّقرة التي تضم نقاداً متفرغين وضاجِّين
بالمللِ العربي الفكري الرتيب، ولستُ أنسى أن كُلَّ مشارك لهُ
من سخريتهم المُرةِ واستخفافهم بقدرهِ وأشعارهِ نصيبٌ. هناكَ
قصائد جميلة وصلت حدَّ الدهشة والروعةِ ولكنها كُنست سريعاً
وبغيرِ سببٍ بمكنسةِ الغبارِ عن أرضيَّةِ المسابقةِ لسببٍ
أجهلهُ، ربمَّا يرجعُ إلى مزاجيةِ اللجنةِ "المُوَّقرة" أو
نرجسِّيةِ الروحِ العربيةِ الناقدة.
منح شاعرٍ جائزة مثل هذه "مليون درهم إماراتي" على بضعةِ
قصائدِ قليلة مجازفة في غايةِ السخفِ والمجانيةِ وتحملُ بعداً
سطحياً مجحفاً بحقِّ تجارب أخرى، تعملُ في صمتٍ وتنسجُ الحرير
في الظلامْ من دونِ انتظار أيِّ مردودْ.
لا أؤمن بأحكامِ نقادٍ هم أنفسهم بحاجة إلى اكتساب أسسِ النقد
ومعرفة مواطن الروعة في النصِّ، وبحاجة إلى تفكيكِ القصيدة على
ضوءِ علمٍ محايدٍ وإحساسٍ عميقٍ بنبض الشعرِ، وليسَ إلى إلقاءِ
الكلامِ على العواهن.
أنا على يقينٍ قاطعٍ أنَّ للفضائيات الشعرية دوراً رائداً في
حراسةِ نار الإبداع وسدانة دارهِ. ولكن ليسَ بهذا الشكل
الانتقائي المثير للشكِ، وكما قالَ قائلٌ من المتسابقين بأنَّ
أجمل النصوصِ وأروعها وأعلاها قيمةً فنيةً وشعريةً ذُبحت
بسيوفٍ ظالمةٍ على أعتابِ بكارتها في المسابقة ولم ترحم اللجنة
النقدية صراخها وعويلها، قصائدُ لا تدري بأيِّ ذنبٍ قُتلتْ. في
وقتٍ كانت تُتوَّجُ قصائدُ عقيمةٌ لا أدري بأيِّ حقٍ تُزفُّ هي
الأخرى إلى خدرِ النبوغ والجوائز. بلى أستطيع أن أفهم كلَّ هذه
المفارقات حينَ أرى السيَّاب في حُلُمي ينامُ على رصيفِ
الجنونْ. أستطيع عندها أن أفهم حتى النهاية. |