طـُيـوب عـَربـيَّـة

 

قـبر وقـلادة

 

عبدالرحمن البيدر–العراق

 

 

عندما اقتربت الشمس من نهاية الأفق، كانوا قد عادوا من جولة في أسواق المدينة، في الطريق كان باسل يجلس على كتفي أبيه ويداه القصيرتان تحيطان بجبهة أبيه السمراء المحززة بأخاديد كانت تتقاطر من خلالها بعض حبات العرق، ربما بسبب البدانة التي رافقته منذ كان ضابطا في الجيش، كانت البسمة تشق شفاه الأخوات الثلاثة لباسل لتظهر أسنانهن اللبنية التي تغلف قسم منها بالتسوس الناتج عن كثرة تناول الحلويات، زحف الليل إلى المدينة بتثاقل، وراح البرد يتسلل إلى البيت كالشبح، تناولوا الشطائر التي جلبوها من مطعم الأكلات الشعبية، استلقى باسل كعادته في حضن أمه الجالسة قرب المدفأة، لفته بذراعيها وأخذت تميل بنصف جسدها بحركة تشبه حركة بندول الساعة، وتجول بنظرها نحو شباك الغرفة، فجأة ألتفتت إلى زوجها وقالت... لابد أن نثبت شريطا لاصقا من النوع العريض على زجاج النوافذ كما يفعلون في الدوائر الحكومية لكي نتجنب أذى الزجاج الذي يتكسر ويتطاير بسبب القصف حين تقع الحرب، أومأ زوجها برأسه إيماءات متواصلة، واستل تنهيدة، تبعها زفير طويل، بعد أن نام الأطفال كل في فراشه تحولا إلى غرفتهما، شبك أصابع يديه تحت رأسه، وأخذ يمسح بنظره سقف الغرفة الذي لا يشبه سقف الملجأ الذي كان ينام فيه أبان الحرب السابقة حين كان أمرا لإحدى السرايا في الجبهة، ذلك الملجأ كان محفورا تحت الأرض، وسقفه من الصفيح المضلع المغطى بأكوام من التراب، لم يكن حينها ينام في الملجأ لأكثر من ساعتين متواصلتين بسبب ظروف الحرب، خطر بباله أن يحجز مكانا لعائلته في الملجأ الحكومي الواقع وسط المدينة ليبيتوا فيه أيام الحرب التي توشك أن تقع حيث اقتربت نهاية العد التنازلي لموعد بدئها ’ في الصباح ذهب إلى الملجأ وسجل أسماء عائلته ضمن قوائم الراغبين بالمبيت في الملجأ بحثا عن الأمان من القصف أثناء الحرب، هو قرر أن يبيت في البيت لوحده حين الحرب ليحميه من السراق الذين يستغلون أجواء الحرب لسرقة الدور الخالية من أهلها، انتهى العد التنازلي وباتت العائلة تلك الليلة في الملجأ، بعد منتصف الليل وهو يغط في إغفاءة، مزقت أصوات الانفجاريات سكون المدينة، وأضاءت سمائها التماعات القذائف المضادة للطائرات ’ والسنة النيران المتصاعدة من المؤسسات التي قصفت، لم يهتم كثيرا بسبب اطمئنانه على عائلته، توالت أيام الحرب، وعائلته تتنقل بين البيت وبين الملجأ, بعد منتصف ليل اليوم الثامن والعشرون للحرب فز من نومه مرعوبا من صوت الانفجار الذي هز المدينة بعنف، هاجمه القلق فجأة, كان خليط القلق الذي اجتاحه كخناجر تنغرز في صدره بشكل متكرر، دلف إلى الشارع دون أن يتذكر انتعال حذاءه، وقف لبرهة وجال بنظره في كل الاتجاهات، أرعبه الوميض المنبعث من جهة الملجأ، هرول باتجاه الوميض ودقات قلبه تتسارع، كانت دقات قلبه كما لو أن إحداها تريد أن تسبق الأخرى، ابتلت وجنتاه وشاربيه بخليط من العرق والدموع التي ذرفها دون أن يدري ’ وصل السياج السلكي الذي يحيط بالملجأ ليجد حشودا من الرجال الممسكين بالسياج وهم يرقبون ما سيؤول إليه الانفجار الذي أحدثه صاروخ اخترق سقف الملجأ وانفجر في الداخل مطلقا العنان لألسنة اللهب التي كانت تشب من الفتحة التي أحدثها

الصاروخ باندفاع شديد كما لو أن تنينا كبيرا ينفخها، فشل في أقناع العسكريين المحيطين بالمكان بالدخول إلى الملجأ، وقف ضمن حشود الآباء، يتردد في أذنيه زعيق باسل وشقيقاته، ظلت الحشود عند السياج حتى بزغت الشمس وأخمدت النار وتمكن رجال الإطفاء من فتح أبواب  الملجأ الثقيلة التي انتفخت بسبب العصف الذي أحدثه الانفجار، كان رجال الإطفاء يخرجون الجثث المتفحمة ويلقون بها على شكل صفوف قرب السياج السلكي، لم يبق أمامه إلا محاولة التعرف على جثث أفراد عائلته، وهو يدور بين صفوف الجثث المتفحمة لفت انتباهه التماعة تنبعث من صدر إحدى الجثث، كانت الالتماعة تنبعث من قطعة معدنية تتوسط صدر الجثة، انتزع القطعة من مكانها برفق، ومسحها جيدا بطرف ثوبه، أشتد بكاءه بعد أن عرف إن القلادة هي تلك التي أهداها لزوجته في عيد زواجهما الأول، حمل الجثة إلى البيت، وحفر قبرا في الحديقة دفنها فيه، وعلق القلادة على شاهد القبر.

06.06.2008

 

الرئيسية | الأولـى