|
يخطئ من يظن أن ذاكرة التاريخ تنام و تغفو

نجوى عبد البر أبو العلا
يخطئ من يظن أن ذاكرة التاريخ تنام و تغفو، فهي إن
نامت هنيهة، تكون الصحوة المباغتة وتتوالى الحقائق في الظهور
بعد ذلك تباعاً، ما نراه الآن من ضعف وتهاون وخزي وعار من
المسلمين شعوباً وحكومات ليس بالشيء الجديد على تاريخنا
العربي، وما نراه من انشغالهم بخلافاتهم الشخصية ومطامع في
بعضهم بعضا حدث من قبل ويحدث وسيحدث،إلى هنا والأمر عادى ويحدث
دوما ً لأوطاني المبتلية دوما بحكام رثة الضمائر، ولكن التاريخ
يخبرنا بالحقيقة التي تتطابق وواقعنا العربي الحالي المزري
المخجل،على الساحة العراقية والفلسطينية واللبنانية وربما
السورية في الطريق إلينا أيضاً، وموقف الأمة العربية مما يحدث
من أحداث دامية لا ترضى أحدا ً على الإطلاق.
التاريخ يخبرنا أن الحملة الصليبية على المشرق
العربي تمكنت من احتلال قباب بيت المقدس ومدن الساحل
الشامي..وقيام أربع إمارات 1098م- 1109م (الرها وإنطاكية
وطرابلس و بيت المقدس) وفرض سيطرتها الكاملة على بلاد
المسلمين،وتركت آثارها مرتسمة على صفحات التاريخ العربي
الإسلامي لفترة زمنية ليست بالقصيرة وذلك نتيجة الضعف والتهاون
والانقسامات الداخلية للعرب وتردى الأوضاع السياسية من أعمال
قتل واغتيالات وتنافس سياسي واضطرابات وصراعات، ولم يكن النصر
لتفوق لديهم أو لقيادة حكيمة، إنما نتيجة تخطيط واستغلال ضعف
العرب وسوء أحوالهم وطمعهم في بعضهم بعضا.
عندما حدث الاحتلال..وبعد سقوط أنطاكية نتيجة
انقسام وتفرق كلمة المسلمين..أصبح الدور على مدينة حلب بعد
الرها وأنطاكية..خصوصاً بعد الانقسامات وضعف حكامها في هذه
الفترة..لم يحرك المسلمون ساكناً إلا من بعض البكاء والعويل
ومحاولات عاجزة من بعض القادة المسلمين..(وهو ما نراه الآن من
موقف مشابه للقادة والزعماء العرب تجاه ما يحدث في غزة هاشم
ولبنان..ومن قبل في العراق وربما القادم سيكون سوريا وربما مصر
ولم َ لا؟ )..فالجعبة الأمريكية الصهيونية الأوربية لا تخلو
أبداً من المفاجآت المفجعة.
وكأن التاريخ يعيد نفسه فبعد وفاة حاكم حلب رضوان
بن تتش وانتقال الحكم للأبناء وعدم قدرتهم وضعفهم في تسيير
أمور البلاد..وبسبب الخلافات الإقليمية بين الدول في تلك
الحقبة التاريخية..طلب حكام حلب من روجر الصليبي حاكم أنطاكية
العون والمدد كي يرد أمراء المسلمين الطامعين بحلب..وبعد شهور
صارت حلب إمارة صليبية بمباركة عربية أيضاً يأتينا الخبر
اليقين من سقوط غرناطة 92هـ - 897هـ،أطول الدول الإسلامية
عمراً، وموقف ملوك وسلاطين العرب المخزي منها،فكان أهل الأندلس
يستغيثون ويستجيرون بملوك المغرب من تهديدات الملك فرديناندو
والملكة إيزابيلا،فلا يجارون، فينتابهم اليأس فيلجئون إلى ملوك
بني حفص فلا يجارون، فلا يجدون من يصغى لمعاناتهم، إلا من بعض
المؤن والعتاد والمال، والطريف أم المؤسف لا أدرى ماذا أقول،
أنها كانت لا تصل إلى أهل الأندلس المحاصرين إنما كانت تنهب في
الطريق، ( مثلما يحدث مع أهل غزة المحاصرين الآن ) وكأن
التاريخ يعيد نفسه،
يقول المؤرخ الأندلسي المجهول الذي عاصر مأساة
غرناطة :«...إن إخواننا المسلمين من أهل عدوة المغرب بعثنا
إليهم، فلم يأتنا أحد منهم، ولا عرج على نصرتنا وإغاثتنا،
وعدونا قد بني علينا وسكن، وهو يزداد قوة، ونحن نزداد ضعفا،
والمدد يأتيه من بلاده، ونحن لا مـدد لـنا(1)...»
وفى يأس بالغ اتجه الأندلسيون إلى سلطان المماليك
الأشرف قايتباى بمصر يناشدونه نصرة مسلمو غرناطة 1468-1496م من
الاضطهاد القائم ضدهم من الأسبان إلا أنه اكتفى بالقنوات
الدبلوماسية وإرسال الوفود في محاولة فاشلة لإقناع فرديناند
وايزابيلا برفع أيديهما عن مسلمي الأندلس، ثم ترك أهل الأندلس
يواجهون مصيرهم المحتوم، وتبعه الملك الأشرف قانصوه الغورى في
نفس الأسلوب.
ولم يكن سلاطين الدولة العثمانية أكثر انتماءا لأهل
غرناطة ممن سبقوهم بل ساروا على نفس النهج السلبي حيال
المناشدة الأندلسية بالتدخل لإنقاذهم وذلك قبل سقوطهم بأربعة
عشر عاماً، وذلك بسبب المشاكل والانقسامات داخل الدولة
العثمانية آنذاك، فقد استنجد الأندلسيون بحكام هم في الواقع في
صراع على السلطة فيما بينهم، تماما كما يحدث الآن في فلسطين
ولبنان والعراق..الخ،وبذلك سقطت غرناطة أو فلنقل سقطت آخر
مفاخر العرب والمسلمين، بسبب حالة الضياع التي كانت تسيطر
وقتها على العالم الإسلامي.
وما يحدث الآن ما هو إلا نسخة معادة لتاريخ ازدان
بالخزي والعار والدم والدمار لكل ما هو عربي،إلى متى سيبقى
الحال على ما هو عليه؟وإلى متى سيكون الصمت؟ومتى ستجف بحور
الدم المنسابة من كل حدب وصوب ولا مغيث ولا مجيب؟
وهل سنسلم مفاتيح فلسطين وأخواتها مثلما سلم الأمير
أبو عبد الله محمد الثاني عشر آخر ملوك الأندلس المسلمين
مفاتيح القصور الحمراء في غرناطة إلى فرديناندو وإيزابيلا؟
تساؤلات عديدة ومجازر وقتلى أكثر عدداً وصمت عربي
رهيب وخزي وعار أكثر ولا يحتمل،وحتما سيسجله التاريخ مثلما حدث
من قبل بالعديد من النكبات والنكسات التي يمتلئ بها تاريخ
المنطقة العربية ومضمونها التخاذل العربي ومسلسل التفريط
بالحقوق الذي لم ينتهي منذ عشرات السنين..
قد آرانى أسطر مقولة أم عبد الله (آخر ملوك
الطوائف) بتصرف ( أبكوا اليوم يا حكام العرب يا أشباه الرجال
بكاء النساء على ملك لم تحفظوه حفظ الرجال)، نعم سيأتي هذا
اليوم لا محالة، ستأتي لحظة البكاء و ( زفرة العربي الأخيرة
)....ولكم عزائي. |