|
لمـاذا نـبدع؟
وفاء مليح-المغرب
أية جرثومة هاته تنخر في جسدي؟ وأية لعنة تشق طريقها نحو جحيم
منفاي؟
هي بلا شك جرثومة عشق مجنون أحملها وأنا ألتحف أرض المدن
النائية. البعيدة... بحثا عن أبجدية لوطن اسمه الكلمة. وعن ثدي
يرضعني لبان العنفوان. لكني توقفت في إحدى المحطات. أنصت.
أستكين. فصوت بداخلي تجاوز جدران نفسي وسافر عكس الريح، حيث
سأل:
- لماذا تكتبين؟. سؤال جمدني وهزني في آن. ارتميت حينها بين
أحضان الأوراق والصفحات. أسبح في مياهها علني أطفئ جذوة ا
لحرائق التي أشعلها سؤال نبتة الإبداع المنغرسة في روحي. فكرت
مليا قبل أن أجيب. فقلت:
أكتب لنفسي..ردت :
إذن اقرئي على نفسك أمام المرآة ما تكتبين. ولا تزعجي الآخرين
بهذيانك.
استطردت بعدها:
- أكتب لأمارس ثورتي بالكلمات، ولأكون صوت نفسي وصوت غيري.
عشت لحظات بعدها وأنا أطرح السؤال، لماذا الكتابة؟ بل لماذا
نبدع؟ وماهي الدوافع التي تكمن وراء الرغبة في الإبداع؟
هكذا جالت في خاطري أسئلة أزعجتني وأربكت دواخلي. لكني أعرف
معرفة جيدة أن ممارسة الإبداع تتطلب درجة عالية من الدافعية
والإصرار على المثابرة والانشغال العميق بالفعل الإبداعي. ولكي
أغوص في استكناه عوالمه لابد من تحديد ماهية الإبداع لنقف عند
الدوافع التي تكمن وراءه.
اختلف العلماء في تحديد ماهية الإبداع. بعضهم حدد مفهوم
الإبداع على أنه القدرة على إيجاد شيء جديد لم يكن موجودا من
قبل. واعتبره آخرون مجموعة من العمليات النفسية تظهر من خلالها
منتجات جديدة وذات قيمة عالية. البعض الآخر عرفه بأنه تعبير عن
تفاعل معقد بين التفكير الواقعي والتفكير الخيالي.
أما سالفادور دالي* فيعرف الشخصية المبدعة بأنها شخصية تمر
بخبرات الحاجة إلى الكفاءة والحاجة إلى الجدة بشكل مكثف وعميق
أكثر من أي نوع آخر من الدوافع. حسب سالفادور دالي الحاجة إلى
الكفاءة يثبت فيها المبدع قدراته وإمكاناته فيأتي بعمل له
أهميته وحضوره بالنسبة له وللآخرين.
الحاجة إلى الجدة هي ابتكار وإبداع عمل غير مألوف له خصوصيته
التي ترتبط بذات المبدع نفسه وهي استجابة انفعالية يطرد بها
المبدع وحشة السأم، الذي هو أعلى درجات العذاب الإنساني، يحقق
من خلالها إشباعات خاصة.
أتحدث هنا عن الإبداع في مجال الكتابة، التي أجدني أركض حافية
القدمين على أرضها. عارية إلا من ثوبها. بحثا عن المغامرة
لأعيش شغبها بافتتان وأنغمس فيها حد الذوبان.
هكذا أطل على الذات المبدعة. أكتشفها ذاتا تنزع إلى إثبات
الحضور وتحقيق الذات كمحاولة لاكتشاف حقيقتها والتعبير عنها
والبحث الدائم لتحقيق الاكتمال، الشيء الذي يفسر القلق الوجودي
الذي تعاني منه الذات المبدعة مع محنتها في مواجهة الوجود
والموت. أرنو متأنية إلى تلك الذات التي تملكتها حالة من
النشوة والمتعة العارمة حين تنتهي من عملها الإبداعي. متعة
تعادل متعة ممارسة الحب. تعيش حينها حالة من الامتلاء. التحقق
وعشق الذات مما يشد أواصر التواصل بينه وبين العالم.
كيف يمكن لهذه الذات أن تلتقط إن لم تتميز بحساسية مضاعفة
تميزها عن الناس المحيطين بها؟ تعشق الحياة حد النخاع تستمتع
بكل لحظاتها. هذه الحساسية بجرعاتها المتدفقة تجعل المبدع أكثر
تفاعلا مع واقعه الخارجي و أكثر امتصاصا لتشوهاته. يعيشه بكل
جوارحه. تدخل معه الذات المبدعة في دوامة الضغوطات النفسية
والاجتماعية. يتضاعف الضغط فيصبح الاكتئاب سيد الموقف. لكن رغم
هذا ففي يم التموجات والضغوطات فإن الذات المبدعة قليلة التعرض
للأمراض النفسية مقارنة مع غيرها من الذوات العادية.
أقف هنا في مكاني لأضع مسافة بيني وبين الكتابة وهذه الذات
المحترفة للكتابة. أحاورها. أتأملها. فأجدها عنيدة. ملتزمة.
مثابرة. ومصرة على الشغب والالتقاط والملاحظة الدقيقة. هي أقوى
لأنها تمارس علاجا يقمع الاندفاعات السلبية التدميرية عن طريق
التسامي والتصعيد وتصريف المكبوتات والمشاكل الاستبطانية إلى
نصوص إبداعية. تفرغ شحنات انفعالية من أجل تحقيق التفاعل
والتأثير والخروج من دائرة القصور الذاتي والمشاعر السلبية
لتحقيق التوازن النفسي والتخفيف من حدة التوتر والقلق.
أعود مرة أخرى لأحاور هذه الذات القلقة. المضطربة. الحرون.
فأتبين إصرارها على امتهان فعل الإبداع لتخلد بصمتها في
الذاكرة الجماعية. هي في هذه الحالة تعيش موتها بما أنها تسعى
إلى الخلود. وتسيطر على لحظات الخوف. الرهبة. الضعف. مشاعر
تسكن أغوار النفس تجاه إشكالية الموت والوجود العابر.
ها أنذي أعلن دون حرج ودون خوف أن الإبداع رغيف الجائعين لقيم
إنسانية تجلو الجمال والنبل. قيم تروض الفرد على اعتداده
بذاته. بوطنيته. لا تبخس من شأنه لمجرد التفاوت في السلم
الاجتماعي. احتراما لآدميته. ذلك هو عنفوان الكلمة. رائحة
الثورة ضد الذلقراطية.*ثورة الإنسان الحر.
إذن لماذا نبدع؟. نبدع كي نرفع الحصار عن عصافير تاقت منذ
أزمنة إلى الحرية. ولكي نمسح الغبار عن مدن أصبحت بدون عنوان.
سلفادور دالي: رسام وكاتب اسباني
مصطلح مأخوذ عن مؤلف المهدي المنجرة " انتفاضات في زمن
الذلقراطية". البوكيلي للطباعة والنشر. 2001 |