طـُيـوب عـَربـيَّـة

 

طـقـوس للـكـتابـة

 

تركي عامر-فلسطين

 

 

مطلع الألفية الثالثة، أقمتُ، في حقول "النت" الكونية، مجلة عربية أسميتها "نوافذ"، جعلتها مفتوحة على مصراعيّ الروح لجميع جهات الريح. وفي ليلة تتكاثر فيها الأقمار، فاجأتنا مشرفة "نافذة الحوار"، بريهان قمق

 

(شاعرة أردنية وإعلامية في فضائية الشارقة)، بـ "طقوس الكتابة" موضوعا للبوح والنقاش. ساهمْتُ، في حينه، ببعض طقوس، أرجو أن تجد إلى مطارح إعجابكم الجميل بعض سبيل من هديل نبيل:

 

"طقوس للكتابة"؟! وما أدراك ما الطقوس؟! أرجو أن ينتهي بي المطاف إلى ما تُحمد "طُقْساه"، محاولة في إلقاء نتفة ضوء على شوية تجربة، قد لا تكون جديرة بأي خروج إلى أي نور. كنت لامست، في غير مطرح، مواضيع حبرولوجية عامة. غير أني لم أتطرق، بما يكفي، إلى طقوس خاصة في الكتابة.

 

تحولت من الكتابة الكلاسيكية (حبرا على ورق) إلى الكتابة الإلكترونية (نقرا على كيبورد). والكتابة على الشاشة، على ما توفره من إمكانات، كثيرا ما تثير بي حنينا نوسطالغيا إلى رائحة الحبر وحفيف الورق. العجز عن اجتياف عذابات الحاضر هو ما يعيدنا إلى دفاترنا العتيقة؟! أعود القهقرى إلى أشياء الكتابة التقليدية، وخصوصا عندما يعصلج الكمبيوتر أو يحرّن، أو ينقطع التيار الكهربائي، أو أحس بألم في كتفي اليمنى.

 

فضلا عن إمكانات تحريرية يوفرها الكمبيوتر، فعمليات التعديل والتغيير والتقديم والتأخير لا تُبقي ندوبا على جسد الصفحة. ترى إليها، دائما، نظيفة نقية طازجة بهية مشرقة شهية، وكأن شيئا لم يحدث. هل للأمر علاقة بحُور العِين؟! أين علماء الجنة؟! أين علماء الإجرام؟! ههههه.

 

ما تكتب لا يروق لذائقتك؟! تحس بشهوة أن تجعلك ورقة أو تمزقها؟! لا سبيل إلى ذلك مع الشاشة؟! الكمبيوتر، قدس النت كثيفه ولطيفه، يفوّت الفرصة؟! هل وراء الأمر دوافع عدوانية أم نوازع إيقاعية؟! أين خبراء الإكوستكا؟! أين علماء النفس؟! ثمة سلة محذوفات في الكمبيوتر، لكنها تعدم خشخشة الجعلكة وزعيق التمزيق؟! أفففف! أراني أكتشف نفسي من جديد. الله يسامحك، يا بريهان!

 

لا أذكر أني كتبت، على الكمبيوتر أو على الورق، دون سيجارة بين أصابع يدي اليسرى. وتطول "السّكنة"، فتنهرني الشرطة المنزلية: "كتّ السيجارة!". وقلما أمتثل. أكتشف، في ما بعد، فضلا عن "طرحة" رماد منفلشة على المسطبة، أني ألحقت ضررا أستحق عليه عقوبة "جلي الجليات" على أقل "تجريم". وهذا، لا مندوحة ولا محيص، أحد محاور الصراع على الساحة الزوجية. ههههه.

 

لا أستطيع أن أكتب، إذا كان التلفزيون يبث نشرة أخبار/ برنامجا وثائقيا/ توك شو. لا ضير بالموسيقى. أقول للتلفزيون "استغنينا عن خدماتك". أشغّل الـ "سيدي بلاير" في الكمبيوتر، ومفضّلتي "سيرة الحب" الكلثومية على الطريقة الجورجوسّوفيّة. وأحيانا، "حبيبتي والمطر" لكاظم الساهر، أو "تعا ننسى" لملحم بركات.

 

لا أستطيع أن أكتب إذا لم تكن الغرفة مرتبة، وكأنها جاهزة لاستقبال الضيوف. أما إذا كان ثمة دُرْج يعوزه الترتيب، فيظل الأمر يشغلني حتى أرتبه. ثم أكتب. قرأت كتابا عن "طقوس الكتابة"، لا يحضرني عنوانه، من محتوياته: كاتب لم يكن يكتب إلا في غرفة بدون نوافذ، وكاتبة إلا وهي عارية تماما. والغريب أن هذه، الله يستر عليها، لم تكن مؤلفة بورنوغرافيّة، ولا حتى إيروتيكية.

 

قبل التحول إلى الكتابة الشاشويّة، وقبل وصول الـ "تيبكس" إلى قريتنا، كنت أتعب في إعداد قصيدة أو مقالة لإرسالها للنشر. أمزق الورقة إن أخطأت بكلمة، ولو كان ذلك في السطر الأخير، وأبدأ من جديد. هَوَس، لا ريب.

 

تأتي القصيدة فكرةً أو صورة. أبدأ بالتأليف الذهني صامتا شاردا. أكرر، بيني وبيني، ما صرت إليه كيلا أنسى. وفي كل مرة، تنضاف جملة إلى المشروع. وتستمر الحال أياما أو أسابيع، ولا أكون وضعت، بَعْدُ، سمارا على بياض. وفقط عندما تصير "القصيدة" إلى نضوج، أو يعتريني خوف النسيان، ألجأ إلى الحبر والورق.

 

أرى إلى الأسطر القليلة شاخصة أمامي، فتبدأ عمليات الإضافة والتعديل والحذف والتبديل. وقد أتنازل عن النص، إذا رأيت إليه لا يشبهني أو لا يرقى إلى سقف طموحي. أعود إلى النص، أعيث فيه تخريبا وتجريبا. فالقصيدة، عندي، مشروع مفتوح أبدا.

 

أراني مشتتا بين العربية والإنجليزية. والعبرية أحيانا، ولكن بوتيرة أقل. وفي العربية، بين الفصحى والعامية. وفي الفصحى، بين ما أظنه نثرا ويطنونه شعرا (وبالعكس). وفي العامية، بين قصيدة زجل تقليدية وقصيدة تفعيلة حديثة، فضلا عن رباعيات ألفت بعضها "أنلاين" (ارتجالا وارتحالا) على "الماسنجر" (المرسال).

 

إضافة إلى مخطوطات شعرية ونثرية، أعكف، منذ 2001، على عمل شبه روائي، شبه أوتوبيوغرافي، شبه مسرحي. حوار بيني وبيني: بين أناي الإنساني وأناي الإبداعي. يعتمد الذكريات والتداعيات، أحكي فيه بعض سيرتي وسيرورتي وصورتي وصيرورتي، يلامس أشياء الأدب والثقافة والمجتمع والسياسة والدين والثورة والجنس والمرأة.

 

لا أستطيع أن أكتب بناء على طلب. تستطيع أن تذهب إلى نجار يصنع لك كرسيا على مقاسك، لا إلى شاعر يكتب لك قصيدة "تغني على ليلاك". طلب إلي وكيل سفري، مرة، غزلية يهديها لحبيبته. جاريته في الكلام. طلبت تفاصيل (تاريخية) ومواصفات (جغرافية) عن الحبيبة. وصفها بكلمات شاعرية. فقلت: اكتب ما قلت للتو، فهذه أجمل هدية. وفي السنة التالية، وبعد إتمام معاملات التذكرة، سألت عن "حبيبة القلب". مد يدا بخاتم خطوبة. باركت بنسخة من كتاب، كنت أحتفظ بها في محفظتي.

 

من يطرح سؤال "طقوس الكتابة"؟! بريهان قمق الشاعرة، تستثيرها سيكولوجيا الإبداع؟! أم الإعلامية، تستهويها سوسيولوجيا الأدب؟! مع من أتعاون؟! مع جنون الشاعرة، أم مع رصانة الإعلامية؟! وكيف أتعاون؟! أنحاز إلى حقيقتي الإنسانية والإبداعية بما أوتيتُ من مكاشفة وعلنية؟! أم أبيّت نية "خبيثة" في ترك انطباع يعود علي بفائدة؟! وهل لهذا الهذيان علاقة بطقوس الكتابة؟!

 

ومن مني سيتعاون؟! الباطنة، الأنا، الأنا الأعلى؟! هل أخفي شيئا أم أخترع أشياء؟! أصرّح أم ألمّح؟! وأي تكنيك أستخدم: فلفشة الوضوح، أم لفلفة الغموض؟! أم أختار استخطاطية توفيقية، قد تكون تلفيقية، بين الواضح والغامض؟! وهل لهذه التساؤلات علاقة بطقوس الكتابة؟!

 

ما طرحته الصديقة بريهان قمق من أسئلة ومساءلات، مثير إلى حد الاستسلام لتفاح الاستجابة غير المشروطة، إضافةً إلى ما يستدعيه من صراحة وشفافية، يستأثر جرأةً إلى حد الفرادة في الفضفضة والتعري، وفي وضع النقاط على الحروف بشكل لا يقبل اللون الرمادي أبدا. وهل لهذه الملفات اللاوعيوية علاقة بطقوس الكتابة؟!

 

أسمعني، على هامش "الطقوس"، أقول: الكتابة، بطقوس أو بغير طقوس، هي أن تكون جاهز الروح والجسد، والحبر والورق، لِما هو أسوأ من الموت. والخوف، أسوأ من الموت. والخوف، هنا، يفضي إلى لا كتابة. واللا كتابة، بدورها، هي الموت بعينه. وهل لهذا اللغو علاقة بطقوس الكتابة؟!

 

أحب الحياة وأكره الموت، فأراني، أروح إلى الكتابة لابسا قفازات من جلد روح دونكيشوطية. أخرج إلى البلغصة في وحل الحقيقة، قائلا مع كمال خير بك: "هرمَتْ سبّابتي بين السّطورْ/ غيرَ أنّي قد تعلّمتُ الطريقَهْ/ أن أربّي كلماتي كالصّقورْ/ بين أدغالِ الحقيقَهْ". وهل لهذه "العنترية" التشاوفية علاقة بطقوس الكتابة؟!

 

أزعم أن الحبر لا يعرف الخوف ولا الخجل. غير أن عورة حرج، جتمعتنا (socialized) عليها تنشئة تقليدية محافظة، ذوّتناها (internalized) في ذاكرة أصالويّة تزاحرها على الزمكان فاكرة حداثويّة، تظل مقصّ رقيب رهيبا يُعْمِل ذراعيه الطويلتين في لُحمة النص وسداه. وهل لهذه الموضوعة السايكوأنثروبولوجية علاقة بطقوس الكتابة؟!

 

لكيمياء النص، صلبا/ سائلا/ غازا، عناصر مضمونية وخصائص شكلية، يتعاون على صياغتها "ثلاثة أصدقاء: الموهبة والثقافة والتجربة"، على حد تعبير سميح القاسم. ولفيزياء الكتابة، ميكانيكية/ كهرومغناطيسية/ إلكترونية، طقوس حبرية ومراسيم ورقية، يتخيّرها الكاتب وفقا لِما يمليه أناه الإبداعي الأعلى ساعة ممارسة الفعل الكتابي (الأوطى)، إنجابا لما ينفع ويمكث لا إمعانا في زبد متعة تذهب جفاء. وهل لكيميائية النص، وفيزيائية صناعة النص، علاقة بطقوس الكتابة؟!

 

لكل كاتب أو شاعر، محترفا ناتئا أو مقترفا ناشئا، لغة وأسلوب خاصان به، يميزانه عن غير مدمنين على معاقرة الحبر ومقارعة الورق، ويشكلان مادتين أصيلتين في فسيفساء شخصيته الإبداعية. وهل لملامح هذه الشخصية علاقة بطقوس الكتابة؟!

 

لغة من يرتكب الكتابة، مهما ترسخت كأية عادة سلوكية، قابلة للتغيير دائما وأبدا، مهما كان الحليب الذي تلبأ كامل الدسم. التجارب الحياتية التي يخبرها، والفيتامينات الثقافية التي يتعاطاها، هي ما يجعل نوافذ لغته مشرعة على الريح. حشد من ظروف مدرحيّة (مادية ـ روحية)، أو نفسديّة (نفسية ـ جسدية)، يضغط على القلم ساعة الكتابة، خبرا صحافيا كانت أم قصيدة "عصماء". لهذه الظروف، موضوعية وذاتية، كالتعب والغضب والقلق والنزق والخوف والخجل والجوع والوجع والفرح والترح وهلمجرا، أثر عميق في اللغة والأسلوب. وهل لهذه الظروف علاقة بطقوس الكتابة؟!

 

الوراثة وحدها، دون البيئة (ومن ضمنها التربية)، لا تصيّر الكائن البيولوجي كائنا اجتماعيا. وكذلك الموهبة وحدها، دون التجربة (ومن ضمنها الثقافة)، لا تجعل من يمتلك أسبابها مبدعا حقيقيا. وهل لهذه الأسباب علاقة بطقوس الكتابة؟!

 

للكتابة كما للديانات، مونوثستية/ بوليثستية/ وثنية/ طوطمية/ إيديولوجية، جملة من طقوس ومراسيم، بعضها جوهري لا غنى عنه، وبعض مظهري لا يقدم ولا يؤخر. وتختلف الطقوس، باختلاف الزمان والمكان والإنسان. للكتابة طقوس في الشتاء، ولها في الصيف طقوس. ولها في الليل طقوس، وطقوس في النهار. وللكتابة على الورق طقوس، ليست هي ذاتها على الشاشة. ولهذا الكاتب طقوس، تختلف عن طقوس ذاك.

 

وتختلف طقوس الكتابة، أيضا، باختلاف البواعث والأحوال والمقامات. وهذه، تكون جمعية عامة أو فردية خاصة، موضوعية خارجة عن إرادة الكاتب أو ذاتية حميمية، ضرورية سويّة أو تهويمات غير منزّهة عن فنطازيات مرَضيّة.

 

وتظل "طقوس الكتابة"، على بيدرِ الريح، نورجا منفلت العنان، يدرس سنابل الروح جيئة وذهابا، يتجاذبهُ ثوران هائجان: شهيق المكان وزفير الزمان. ويمارس النورج وطأته، والريح شهوتها. فيتطاير غبار حزن هنا، ونثار تبن هناك. تروّي الأرض حبات عرق وقلق آنا، وآهات نزق وشبق تكهرب الهواء آونةً.

 

نولد بطقس، وبطقس نموت: طقس للملح والريحان، وطقس لتشييع الجنازة. نأكل ونشرب بطقس: طقس لمن يأكل ليعيش، وطقس لمن يعيش ليأكل. نحب ونكره بطقس: طقس للتهافت على حذاء روح من نحب، وطقس للمشي في حقول ألغام ما نكره.

 

ونقرأ ونكتب بطقس: طقس لمن يقرأ الكثير الكثير ويكتب أقل من القليلِ بكثير. طقس لمن يكتب بحبر القلب وعلى ورقِ الروح، وطقس لمن يكتب من طراطيف الشفاه ولو على ورق البرديّ أو اللوتس. طقس لمن يكتب ولا يعجبه العجب فيعود على بدء من جديد، وطقس لمن يكتب كمن يقصقص بزرا ويتفتف قشرا ذات اليمين وذات الشمال.

 

طقس لقصيدة، عارية تباغت ليلا، دونما استئذان. وأخرى حافية، على رؤوس الأصابع، تأتي نهارا. طقس لقصيدة تنهمر على شبابيك الروح رذاذا لذيذا متساقطا من دفاتر غيم دافئة في الشتاء. وأخرى تصطلي شمسا حارقة في الصيف. طقس لقصيدة تفترش ورقا أبيض غير مسطر، وأخرى لا يهدأ لها بال أو حال إلا على ورق مسطر. طقس لقصيدة على علبة تبغ تنفد بعد حين وتندثر القصيدة، وأخرى محفوظة في دفتر وعبثا تحاول أن تعود إليها. طقس لقصيدة تكتبها حزينا وأخرى غاضبا، ولا تشعر بالفرح إلا عندما ترى إليها تتجسد لحما ودما على الورق.

 

طقس لعدم الرضا عما آلت إليه القصيدة: تشطب كلمة وتهذب جملة، تحذف سطرا وتضيف سطورا، تنقّح صورة وتلقّح أخرى، تحلّي تورية وتملّح استعارة. وإن لم ينفع الترميم والتأثيث، تمزّق الورقة وتفلش أخرى طازَجة، يعيث القلم فيها نزيفا نظيفا، لتتشاهق من تحته حفيفا خفيفا. طقس للطيران فرَحا لِما صارت إليه القصيدة، وطقس لتزيينها قبل إخراجها إلى النور الطّلْق.

 

الصديقة بريهان قمق، دعيني أسجل، هنا، أنه لولا سؤالك عن "طقوس الكتابة"، لَما فكرت في كتابة ما كتبت. ويستدعي هذا سؤالا، لا عن محفزات الكتابة فقط، بل عن أخلاق التواصل وآفاق التثاقف. سأكتفي بكلمة "شكرا" (هكذا "حاف"). كل كلمة إضافية، لا سيما إذا ما لبست ثوب إطراء شفيفا، قد يفسرها قراء السطح خطأ، مع احترامي لقراء الروح.

 

قرأت تعقيبك "حبة حبة"، وضحكت "حبّتين". كنت في الدوحة (آذار 2002). تذكرت سائق التاكسي، وكان هنديَّ السحنة واللهجة أو باكستانيَّهما، يقول "هبّة واهدة" قاصدا "حبّة واحدة". فاعتقدت، هبتئذ أو هبوبئذ، أن نارا هبّت في السيارة أو المدينة. ولم أجد نارا ولا ليلى ولا قيسا. مندهشا حدجني السائق في المرآة، منتظرا وصول الورقة النقدية المنشودة من محفظتي إلى يده الممدودة.

 

تقولين: "كعادتِكَ شديد التكثيف لأمور جوهرية قائمة كعوالم بحد ذاتها، وكعادتك ترمي باختزال ما في الجعبة وتمارس لعبة تعذيب القارئ". ليس عندي "طولة روح"، فأراني أهرب من مطمطة السرد وجاييك بالطويلة إلى تلغرامية التكثيف والاختزال. أما "تعذيب القارئ"، فاحتراما لذكائه وأحتفاء بذائقته، أضيف مقبّلات تجعل النفس تقحم على النص. أريد قارئا، ولو كان يتضور جوعا، لا يقدم على الطعام إذا كان طبيخا بائتا باهتا. وإذا لم "يتعذب" قليلا، فسأشك في أصل نصي وفصله ونصله.

 

وتسألين: "أي طقس مارست وأنت تحلل وتدرس وتنبش في كل ما يتعلق بمفهوم الطقس؟!". من ينابيع روح قصية، أستنفر مهرة حبر شهية لتخب في سهول حلم رخية. أدبّ الصوت على عزوتي (أمي موهبة/ أختي ثقافة/ زوجتي تجربة). أطلب إليهنّ أن يأتِين بكامل هيئتهنّ وهيبتهنّ، لأن ضيفة رفيعة الشأن ("طقوس الكتابة") على مشارف الرّوح. طقوس العائلة لا تسمح باستقبالها وحدي. أفرش لها بساطا أخضر (خروجا على المألوف). أستدعي فرقة مختارة من حرس الحبر الجمهوري، مدججة بأسلحة إستراتيجية، لتطلق 21 طلقة في استقبالها. هل تجاوزت اللغم بسلام؟!

 

وتقولين: "أضحكتني لصدقك مع لاوعيك". شو بدّك أحسن من هيك؟! أرى إليك غارقة حتى الكتفين في جليد اللاوعي، ورأسك فقط فوق السطح في منطقة الوعي. وأرى إلى الجليد يذوب على مهل من حرارة الضحك. وتسألين: "وأنت تجيب على تساؤلاتي أولست معنيا بإثارة الإعجاب بطقوسك الخاصة الفريدة؟". أتكفيك الإجابة أن "الإنسان حيوان يتطلب العظمة والظهور"؟!

 

تعليقك "أخطر التصريحات التي سمعتها قط" على ما قلتُ في التصريح والتلميح والوضوح والغموض والتوفيق والتلفيق، يعيدنا إلى الصراحة والشفافية والجرأة والعلنية. الصدق مع الذات، على الأقل، من مبادئ الحبر النظيف والحرف الشريف، أرجو أن يظل القلم، أي قلم، متمسكا بها مهما شطح الحلم.

 

وتقولين مع همنغواي: "لا بد من مخزون خبراتيّ ثقافي هائل يتم استدعاؤه". لا بد من هكذا مخزون. فهو ليس مصدرا ومرجعا فحسب، بل هو ما يعطي أسلوبنا لونا مميزا وحبرنا رائحة خاصة. واستدعاؤه مطلب حيوي وضرورة ملحة.

 

وفي تعليقك على "الدونكيخوتية": "المبدع فارس رومانسي يسبح عكس التيار من أجل الحقيقة". ما أجمل ما رحتِ إليه من تصوير. فالكتابة، الأدبية بخاصة، محاولة مخلصة في بناء العالم من جديد. أما إذا كانت تطبيلا وتزميرا للقائم الموجود وتهميشا وتهشيما للقادم المنشود، تقاعدت عن مهمتها الأصيلة وخانت رسالتها النبيلة.

 

وتعليقا على قولك "مقصات تضيّق الخناق على الفكر": ثقافتنا العربية، في الراهن المعاصر، تستحق لقب بطلة العالم، بامتياز، في "رياضة" تكفير الاجتهادات وتهجير الأدمغة وتنكيس الأحلام.

 

وفي جدلية الحداثة والأصالة، قطعا لست ضد التثاقف والتأثر. ولكن، لنتخيّر ما يلائم طبيعتنا الإنسانية. أما الاكتفاء بالتلقف الأعمى لما تفرزه التكنولوجيا عن جنب وطرف، فما هو إلا تطفل وتقليد ومحدودية وعجز واتكال ودونية.

 

"الطباعة الإلكترونية منحت الكاتب قدرة تركيز أعلى وتعاملا أسرع مع الوقت"، تقولين. ولكن، رغم "حداثويتها"، وربما بسببها، ثمة فيها بلاستيكية تأخذ الحبر إلى أقاليم قلق صناعية، والورق إلى منافي ريح افتعالية.

 

كان هذا ما ساهمت به في موضوعة "طقوس الكتابة" في حينه. وما زال في جعبة البال "شغلات" تتحمّط لتقتنص فرصة للخروج إلى فسحة نور، وقد تبقى رهينة عتمة جارور، إلى أن تأذن لها شمس حضور ببعض ظهور.

 

حرفيش، الجليل، تموز 2002

 

الرئيسية | الأولـى