طـُيـوب عـَربـيَّـة

 

زغب العـصيان

قراءه في الرواية الناقصة "زغب أسود" لـ/نادر الرنتيسي

 

محمد دلة/فلسطين

 

 

عصيانُ التجنسِ موضوعةٌ من موضوعاتِ الحداثةِ اجترحتْ مكاناَ مركزياً في النصوصِ الحديثةِ إبداعا ونقداَ، وسواء أكان ذالك استجابة للتشظي المعرفي والعاطفي والاجتماعي الناتج عن اصطدام الذات العربية بمنتجات الحضارة واستبدادها، أم تسربا إلى وعيها من الاطلاع على النظريات الغربية حول الإبداع والنقد والألسنية، إلا إنها تظل موضوعه لا يجب إغفالها عند دراسة النصوص الإبداعية الحديثة. ومن هنا ننطلق نحو نصوص نادر الرنتيسي " زغب أسود" الذي آثر أن يسميها بالرواية الناقصة، وكأنه عبر هذه التسمية المراوغة يحاول الإفلات من عصيان التجنس ليجنس بمشيئته.

تتوزع النصوص بين ثنائية عهد قديم وعهد جديد لم يجدا بؤرة بوحهما واتحادهما إلا عبر عذابات الجلجلة وصلب المسيح، ومن خلال هذا هذه المراوغة التقنية تمارس النصوص عصيانها شكلاً هو اقرب للقصة القصيرة منه للرواية، حيث تتمركز ومضةٌ في علياء النص تتشظى لتخلقَ دوائر من ضوءِ حتى تفجر المركز ليتناثر لغةً هي اقرب للقول الشعري منها لتقنية السرد التتابعي عبر انزياحات للمعنى تشكل صورا مركبة أو إخراجا للكلمات عن سياقها وذاكرتها بما يصدم القارئ ويطلق تلقيه نحو لغة تتولد من ذاتها ومن عذابات بطل القصة الذي يتجاذبه العشق والحرمان، ويضعه في مواجهة درامية مع الموروث، فهل يفجر الموروث أم ينقاد له، أيتمادى في عشقه الصوفي للمرأة،رغم هرطقتها في الإفلات منه، أم يئد دمها في قبلة عابرة، أيحتضن الرموز أم يطلق عادياته خروجا عليها.

ولكن مع كل هذه المودة حد الالتصاق مع القصة القصيرة إلا إنها تطغى لتتجاوز هذا الشكل عبر حبل شوكي يشد النصوص جميعها، فهي تدور حول "عبد" واحتكاكته بالأنثى التي تراوده ويتشنج حرمانا وصلبا عند بابها، وعن أنثى يراودها ويلتقطها السيارة نحو الأفق البعيد، وتتجلى طبقات النصوص لتكشف زيف التابوهات الجاهزة في ملكوت الإرث التاريخي والديني والأسطوري وكأنه يقف في بؤرة ما ويهجو العالم، معلنا كما يعلن توما" من لا يكره أمه وأبيه لن يدخل ملكوت الله.."

هذا التجاوز، والتنامي " الروائي " في شخصية عبد يراوح النصوص ما بين القصة والرواية "الناقصة".

أما على صعيد البناء الأسلوبي، فنرى إن العناوين تنوعت ما بين:

تورية

شهوات الأذرع المقصوصة

نقش الوسادة الباردة

الحمرة على خد العانس

رعاش النرجس

حب في المدينة

زغب اسود.

 

صحيح إنها لو عولجت قليلا لأورقت كقصيدة جميلة، ولكن عبر هذه التقنية يقر الكاتب انه الوحيد صاحب الحق في النبوءة والكلام إذ يحصر العناوين بجمل اسمية خبرية صارمة لا تملك حيالها إلا أن تجوس الطاعة فتدخل ملكوت الله  أو أن تجنح نحو زيغ الشيطان فترفض لتصعد الهاوية نحو قبة الخطيئة، وهكذا كان مصير المرأة في الرواية الناقصة فهي إذ غُيِّبت عن العناوين فاعلا مؤثرا استحضرت وفي أبهى حالاتها مغوية أو متبرجة موسماَ للاثم والخطيئة أو صنما ماثلا لا يريد إلا أن يرى الرجل منكسرا، هي والبريد، ولا يخفى ما لهذه المجاورة الدلالية من انسجام مع النظم المعرفية والاسقاطية للمجتمع البطريركي الذي يرى إن المرأة مستودع للخصوبة وان تنادى ثمرها فلتمطرَ شيخ القبيلة برعاش النرجس.

ولا يتجلى هذا فقط عبر إغفال المرأة من الاسم عبر كل النصوص فقط، وإبعادها عن دائرة الفعل الايجابي، كأن تحب أو تمارس دورا معرفيا أو إنسانيا أو بطوليا، ولكن معظم النصوص المنسوبة للمرأة تبدأ بالفعل الماضي مقابل النصوص الحوارية المذكرة التي تبدأ غالبا بالفعل الماضي أيحاول الكاتب أن يعلن دينونته؟ أم يحاول أن يكشط الحاجة للمرأة عن تفاصيل يومه؟

ولكن حضور المرأة طاغٍ في كل النصوص، وكأنه يعمق حضورها في ذاكرته بمحاولة نفيها، فهي تدعوه ويجيب كاذبا " أخاف الله " مقراً بقدرتها أن تنسجم مع طبيعتها في الخصب والإبداع وبعث الأشياء، ومقدرتها على التجريب والمعرفة وقدرتها أن تضحي بكل شي حتى علاقتها بسيادة الأسطورة تسطحها لتنتشي بشقائق النعمان في بعث جديد ما بين الطاعة والنسيان، ما بين اقتراب الدلالة وشرودها.

يمزق الكاتب نصوصه المارقة بلغة مارقة استجابة للحظية الوعي وضرورة صلبه.

و في خصم هذه العلاقة الشائكة ما بين اللعنة و السكينة، ما بين حليب الطاعة و خمرة العصيان، ما بين دنو الدلالة و شرودها، ما بين ثابت يسرق بقضبانه صيرورة الواقع، ما بين وعى يجب أن يصلب. و يجد الكاتب أن الخطأ النحوي الذي غمر الحزب السياسي بالسخرية أصلح الزمن الجديد و أن كل محاولات السدنة أن يخزِّنوا خمرتهم الجديدة بجرار قديمة لم يقابلها السياق إلا بالهرطقة و التجديف، وواراها بدم نجس ينز من حادث سير، فلا شيء يعمق الصورة المبتورة إلا شقائق النعمان و النبيذ بأوانيه المتحولة.

تتحطم الأشياء في رغبات (عبد) المسجونة في قمقم الحرمان مسبكة بتابوهات و تنظيرات آخر، فالمرأة التي تنتظر انكساره يحتاجها حتى يوجد، فما عليه إلا أن يكسر كل شيء، أتدعي إنها الأصل ؟ سأحضرها إلي و إن عصت، اعبدٌ أنا لرغبتي بها ؟ لتكن أمَةَ لنرجسيتي و شهوتي و رغباتي، و في سيرة انكساره يكسر رمزية حنظلة، نحو رمزية جديدة يصنع لها أسطورة تستجيب لآلامه ولأثار المسامير في يده، يوحدها بالمسيح و يحطمهما معا باتجاه بعث و خلاص جديدين.

ما زال عبد يحطم نفسه بالحرمان و يجلد نفسه لتعامله مع أنثاه كعسكري، و لكنه يباغتها بهديته في حالة ضعف لينتصر عليها، يداهمها بنيرونيته حتى تتبرج حكمتها وردة و مواسم فيروز، وحين تغيب يبكي و يندب في مأساة استحضار ضلالها ليدلق باءته في الموعد الخطأ.

و حين تعصي و يطيع احتياجها إليه يتوضأ في غيابها بزواج الهاتف ليمزق ما تحضنه المجتمعات المثقوبة بتنظيرات العفاف على شبقها و كتبها و حرمانها، و حين ينهزم أمام غيابها الملح يجتر ذكريات المدرسة، ليسقط عجز غيابها على أنظمة تعليمية اهترأت و آلت للسقوط.

لا شك أن الرواية الناقصة تجوس عوالماَ غابت عن سياق نتاجنا المعرفي،فرغم أن جل نصوص النهضة والحداثة العربية عرّجت على موضوعة الجنس كمحمود شقير وعبد الرحمن منيف ونزار قياني ويوسف إدريس وإحسان عبد القدوس وغيرهم إلا أن الجنس كان سريرا للحكاية ولم يكن الحكاية نفسها التي تتنامى من خلالها الأشياء، فنرى إن معظم هذا النتاج كان منصبا على رصد شكلانية الظاهرة ضمن دوائر الوعي الشخصي أو المعرفي أو الطبقي أو الكهنوتي،أما الذي لم تنتظم دورة علاقته بالمرأة ما زال محطما في كل تلامس مع ندب الحياة،ومع هذا الانكسار المتفجر من أتون الظاهرة يضحي على مذبحها بكل التابوهات نحو اسطرة ايروسية لكل علامات الحرمان، ويدرس من خلال هذه الاسطرة ما يطفو على ضفاف الجنس من ظواهر اجتماعية زائفة جنحت للتقنع فانكشفت عبر ترامز إسقاطي يشي بالنهارات التي يسرقها نكران الأشياء من تحليق الوعي ويمام الوقت.

ولم تكتف الرواية الناقصة بهذا الرقص الوحشي على النار في أعراس القبائل،وإنما رقصت بالجمر على غابات اللغة، فشكلت لغة تنزاح بعيدا عن الذواكر المحنطة للكلمات نحو بكارات المجاز مترفة بالنزف جارحة لكساد التواصل الرتيب التي تحكم الكثيرين نزولا عند موازين نقدية لا تبحث عن الإبداع إلا بين عناكب الاغيار.فنادر اجترح لنفسه لغة موحية مستلهما الإرث اللغوي الكلاسيكي ولكن محطما لعلاقات التجاور بين الكلمات نحو مزاوجات جديدة، خارجا عن عباءة المشابهة نحو وحدة النار والماء.

ويظهر جليا من خلال النصوص الاحتفال بالأمكنة والأدوات والتفاصيل الصغيرة، فنادر من جيل صعد الكون وقد سقطت كل الأشياء،وتبخر ضباب القيم الجمعية ليحل محلها ثقافة من التشيء واللا معنى،ولم يتبقى للقاص أو الشاعر إلا أن يمسك بقشة أخرى تعصمه من الغرق ولا شيء إلا الأمكنة والتفاصيل الصغيرة.

ولا شك أن نادر الرنتيسي الذي ينتبذ مكانا شرقيا ويقيم نصوصه دون ضجيج لواحد من أهم كتاب السرد الشباب في الأردن حيث لا تعصيه اللغة ويخزن في ضلوعه طاقة من الحزن والبوح لا بد أن تكتمل مراعيها بنجوم أخر.

 

الرئيسية | الأولـى