طـُيـوب عـَربـيَّـة

 

مصابيح اللون رسولي إليكم

جوييف بيزيان "فلسطين شرفتي الأخيرة"

 

محمد دلة / فلسطين

 

 

بملء القلب ونزف الذاكرة، تلوح غائمة حد التلاشي نشوتنا بالتضامن الأممي،ما بين مظاهرة صاخبة تتراكض في برية الأول من أيار، وعرائض تتداولها الأيدي سرا كرسائل العشاق تطالب بالإفراج عن منديلا أو عن عمر القاسم ، الى مؤتمرات الشبيبة والنساء التي تبشر بخلاص العالم من الجوع والقتل والاضهاد والتمييز ،الى كل الأغاني المسترسلة بالفرح ابتهاجا بنصر فيتنام وصعود اللندي نجما آخر في سماء أمريكا اللاتينية.

 

ما ابهجها ثورة الشباب في فرنسا تعلن ميلاد اليسار الجديد وتعمد جيفارا مخلصا وهاديا في درب التحرر من الامبريالية ،لقد كان بإمكاننا أن نحلم حتى آخر القوس،وكان العالم يخصنا،نتجمر بالحزن لضياع فتاة في أحراش البن في البرازيل ،ونزهو بمقعد آخر لليسار في البرلمان الفرنسي ،ونغني مع العمال في مرسيليا للبحر ولنرجس الماء.

 

كتاب وشعراء وفنانون يغنون لفلسطين ولبنان واليمن والسد العالي،ويعلنون أن الانتماء للفلسطينين هوية انسانية ضد الاستعمار ورافعة تحفز النضال نحو العدالة والسلام.

كل المدائن والقرى تتبرج بالأعلام والشعارات والمظاهرات،ولكن مع حلول التسعينات غرقنا في وحل القطب الواحد،وداستنا عجلات العولمة وأخذ الكون يحيد عن الخط المرسوم نحو الفردية والإضمحلال واللامعنى.

ولكن من أقاصي المسافات،من دفيئة الأساطير،ومن الممرات الضيقة في زحام الغابات ،من آخر الارض ، " لوكونوليه" Locquenole الغافية على ساعد المانش ،من مقاطعة بريتاني Bretagneالراكضة 700 كم عن باريس جاء ت ريشة جوييف بيزيانJean-Yves Bizien لترسم جسرا جديدا يعلن ملكوته في رمادة الصمت.

هذا الرسام الكث اللحية الذي يسر في آذاننا انه ليس بيكاسو لنغمره بمخمل التذكر وسجاد الإطراء،خرج الى الكون في العام 1952 في مقاطعة بريتاني الفرنسية المغرقة في كاثوليكيتها ليجد نفسه يتيما في مقاطعة يتيمة،تركها البعد مهملة غائمة تلوك طموحاتها وأحزانها،ولا يذكرونها إلا لمحق لغتها الأم ودمجها في الجمهورية الفرنسية طوعا أو قصرا،موجهين آلة الحداثة لإحلال الثقافة الجديدة محل تراثها وعاداتها الفلاحية،بريتاني الطبيعة البكر التي تمد سواعدها عميقا نحو إقليم الباسك واسكتلندا وايرلندا تتماهي في المشهد الفرنسي فالتجديد لن تجدي حكايا وأساطير اللعنة والبركة أن توقفه،وقلعة تورو البحرية التي استطاعت أن تصد هجمات الإنجليز عن ساحل المانش لم تستطع أن تصد أساطيل التجديد الجامحة التي عصفت بكل شيء.

 

 

"الركن الفلسطيني" مدخل بيت جوييف بيزيان في بريتاني –فرنسا

 

من هنا خطى المشحاف "سكين الرسم" خطوته الاولى،ملتبسا باللون ووعورة الكائن،ليرسم ما شاء من وجع ومن سكر،وليتمترس كجبل ماسي في وجه الطغيان والفراغ ،ويواصل الترحال في سهوب القماش ،القماش وحده لا يكفي ،فأقانيم الأرض تنطر خطاه لتحط أخيرا قريبا من زرقة المتوسط ،فلربما يتجدل مع مفتاح لباب خشبي قديم ويصعدان غضبة الموجة نحو فلسطين  

هنا أبصر جوييف بيزيان ذبذبة اللون ،وهنا تعلمت ريشته ولم تكمل عامها الخامس عشر أن تتسلق وتجوس وعورة القماش الأبيض،وهنا كان على الفتى اليتيم أن يفطم أفكاره عن قصص العهد الجديد وعن طموحات العائلة أن يصبح راهبا يضيف للكنائس المنتشرة كأصابع يد واحدة قديسا آخر يحلم بالجليل وقانا الجليل ويصعد درب الجلجلة،ووسط حالة التنوير الفكري وتنامي النضال العمالي والنسوي،وسطوع نضال حركات التحرر الوطني كان على الفتى أن يختار،وجنح لللون والرايات الذاهبة يسارا نحو الإنسان.

 

سارتر يكمل دورته النجمية،والعمال والفلاحون والطلبة يعيدون كتابة فرنسا وكأن جورج مارشيه يقود بحصانه الأحمر عربة الوقت نحو الفردوس الموعود،وما عسى الفتى القادم من زرقة المانش وحكمة الكلوروفيل أن يفعل غير أن يتنفس ألوانه مع هتافات الذاهبين الى فرنسا التي نريد،المغسولة من وحل الجزائر ،الذاهبة الى قصائد ايلوار والمنتشية بمجنون إلزا،ريشته تتمادى في الثورة ويعلن ديمقراطية الظل والنور ويخرج من سطحية الرؤية الى تكعيبيتها وسرياليتها محطما كل ما ساد رسومات متعبة.

بريتاني،مدينة الرحالة وحراس البحر،حيث الفقراء زاد الدروب وأصدقاء كل القديسين ،من يوسف النجار وجان دارك الحزينة حتى آخر طفل يحلم بعذرية العالم تزف اليه الفتاة الصاعدة          Jeannine من تربة الأرض ومن عائلة عمالية مغرقة في الطقوس النقابية إنها "جنين"

 ويأتلفان زوجا وزوجة لتلتصق ريشته أكثر بكل ما هو إنساني ولتصعد هرم الاحتجاج نحو عالم أفضل.

 

في الأرض متسع من الفوضى لنرتبه،فحفيدات جان دارك عليهن أن يتسلقن سلم حقوقهن نحو مساواة الأجر وتكافؤ الفرص والحق في الإجهاض _إن كان له أبا نذلا_والنقابات تناضل من اجل حريتها ومن اجل حقوق وأجور أفضل،والشباب يريدون لتراث الحرية والمساواة والإخاء،تراث سان سيمون وروسو،عذابات الباستيل وشرف الكومونة أن يشكل فرنسا الجديدة.

 

 

فرنسا قصيدة النثر لا يمكن أن تطبق عقوبة الإعدام،ويمتشق الفتى ريشته وعالي الصوت رساما وقائدا جماهيريا ليتشكل وعيه في العالم وليترك قلبه نازفا في كل مكان،فمن فرقة مسرح جوال عائلية، جنين تكتب الأغاني وجوييف يصنع الديكور والبوسترات،وصديق يلحن ،وأطفال يذرعون الريف والاحياء الفقيرة يغنون للاطفال اغاني ذكية تنتشلهم من رتابة الكورال وتحمل إليهم شمسا جديدة تغادر مخدعها وان غطى الضباب الدروب.ولوحات تفضح كل شيء، تتمحور في معاناة المهاجرين وفي فتنة التضامن وتعلق اسئلة جديدة في عنق الكون،وتتسائل لماذا لا يكون اللون رسولنا للسماء.

انه جوييف الذي حول بيته الغافي على ركبة قرية" لوكونوليه" في بريتاني الى سفينة نوح ،فهو يلتقط كل شيء ليخلق منه مشهدا آخر،أوليس من حطام العالم القديم نبني عالما جديدا.

تغيم وسط أتون التحولات في المجتمعات الرأسمالية الرؤية،ولكنهم المناضلون الحقيقيون وحدهم من يستطيعون تلمس الندب المفصلية،محافظين على استمرار تدفق نضالهم الاجتماعي وانسجامه مع النضال الانساني ضد الاحتلال والتمييز والحرب وتدمير البيئة،وما زال جوييف يعبر عن موقفه يوميا فهو مع مواطنة كاملة للمهاجرين المغاربة ويناضل نحو دمجهم دمجا كاملا في المجتمع الفرنسي ،ويسارع نحو كل تجمع مشاركا أو قائدا متضامنا مع لبنان ضد آلة الحرب الإسرائيلية،أو مع الفلسطينيين عزلا إلا من الإصرار ومن طاقة التوتر الإنسانية يواجهون غطرسة إسرائيل العسكرية بدباباتها وأسرابها الجوية.

وليس كمناضلي أحزابنا المهترئة فهو يورث ثورته لأبنائه ولا يرسلهم الى أحضان الإمبريالية مع خدم وحشم يحيون هناك حياة البذخ ويعودون غرباء مغربين عن شعبهم وقضاياهم لا ينتمون إلا للخراب والهُواء.

فها هي راشيل الصبية الفرنسية المفرطة في الحساسية كمرآة الورد،تتذكر مؤتمرات الشبيبة حيث كانت تذهب العائلة من بريست الى ستارسبورغ"مسيرة 700 كم "للاحتجاج على سياسة التميز ضد المهاجرين غير آبهين بقمع الشرطة أحيانا هازئين بهراواتها وغازها المدمع لصالح قيم الحرية والمساواة.

راشيل التي تتذكر أن فلسطين كانت حاضرة في حياة العائلة اليومية،فجوييف يتابع الأخبار ويشارك في كل نشاط يدعم نضال الفلسطينيين نحو نيل حقوقهم،وكنت كطفلة أرى الفلسطينيين يشعرون بالظلم ولكنهم يمتلكون قوى غامضة تجعلهم عزلا يقاومون آلة الحرب الإسرائيلية،وأردت أن اسبر غور هذه القضية ولكنها كانت اكبر من أقواس طفولتي

وكبر السؤال،ولكن من يجرؤ إن ينتقد إسرائيل،فتهمة العداء للسامية جاهزة لتصفع مستقبلك وتدمغك بالعنصرية،والهولوكوست حية في ذهن الجميع وعصاها طائلة لتقشر عنك ضميرك الأوروبي وتسميك مناصرا للقتل والإرهاب.

 جوييف ما زال هناك ،ربما هو الآن في بيته الريفي محاطا بركام الفوضى يتلمس لوحة بكر يعدها لزيارته القادمة للأردن وفلسطين،ولكننا ككائنات أرضية لن نتماهى في الآب الى عبر ابنته التي جاءت تحمل إنسانيتنا وتطلقها في سماء أوروبا.

لم تكد صديقتها القادمة للتو تنهي حديثها عن الصعوبات التي تواجهها في التكيف والتوائم مع المجتمع الجديد الذي آلت اليه في الأردن،حتى تقافزت الأفكار كفراشة الى ذهنها،أحضري الخريطة!أين تقيمين؟هنا في اربد.قريبة من القدس وبيت لحم والناصرة،تلك المدن العابقة بالتاريخ وأريج الحكمة وثمار النبوات،كم سيكون جميلا الاحتفال بعيد الميلاد في القدس العتيقة.

دلفين الى عمان ،وتنضو عزلتها مشتبكة مع المشهد الثقافي الثرDelphine  وتعود المستنير، لتجد نفسها قد تجاوزت كل شيء،ووجدت جو حميما دافئا.

وتستجمع راشيل الصورة التي تسربت عبر وسائل الإعلام ،فالأردن بلد يعيش العصر الوسيط،صحراء والجمال وسيلة نقل هامة،نساؤه مقنعات،لا حرية فكر ولا ديمقراطية ونظام شرقي استبدادي،وليكتمل سواد الصورة تقرأ راشيل مقالا في جريدة ليبراسيون عن جرائم قتل النساء في الأردن على خلفية شرف العائلة.

وتبرز صورة من يطلقون النار نحو السماء  في فلسطين كطواحين الهواء،والصورة لاستشهاديين يفجرون أنفسهم طلبا للجنة، وحالة عنف دائم تملا كل التفاصيل.

 

ولكن وحدها البتراء تملك مجدها رغم كل شيء،تبا لإعلام لا يدرك أن من أنتج البتراء لا بد أن يكون منحازا لكل قيم الجمال والحرية والإبداع،وتبا لمن لا يرى في الصحراء نزوعا نحو الانعتاق والكشف.

الميلاد في بيت لحم يستحق المجازفة،وها هي راشيل تتنسم ياسمين اربد لترى أن الصورة التي سلفت لا تنتمي الى لظلامية مروجيها وحقدهم وانعزاليتهم،وإذا الناس هنا دافئون جميلون  مفعمين بالرحمة والصبر والضعف الانساني يحاولون معنى للحياة رغم وطيس المطرقة

إنها جامعة اليرموك،وفتية أطلقوا كاميراتهم يعيدون ترتيب الطبيعة،وفتى اسمر عائد للتو من نطر الكروم لوحته الشمس بسمرتها الخصبة يصل النهر بالنهر ويمتطي خيول اللون وعدو الصورة،أين لمحته؟ربما كان صيادا من صيادي بحر الجليل شهد المسيح ماشيا على الماء،ربما كان احد المنتشين بخمرة الرب في قانا الجليل.وكفى بالمرء خواء أن يضيع قلبا وجده في خصوبة الناصرة.

وأيام ثلاث تلتقط فيهما راشيل ما تجمر من نبيذ وتين في سلة لقاء رتبته المعجزة،ويحضن المغطس قصة حب جديدة،والبتراء تفتح أبوابها وتتدفق الموسيقى في أسواقها،وتعود القوافل تعمر عزلتها الصخرية من جديد،السيق صار أوسع من كل ميادين البلاد،ووردية الصخر استحالت لوحات وتماثيل نورانية تخصب العالم بالمحبة الأبدية والنشيد.

تنتهي كفراشة في قبضة مصباح أيام التكوين الثلاث وتجد راشيل نفسها وحيدة أمام الأطلسي،وتقرران تستعيد عشبة الخلود وترحل الى وطنها الأسمر،الايميل لم يتوقف عن النبض ،والهاتف حمام زاجل يحمل المحبة وأشواقها المبتلة بالنور.

جنين" الأم " إلى أين ابنتي تذهبين، وكيف تضحين بحريتك؟الحرية مهمة، الديمقراطية مهمة يا ابنتي، وكيف ستتكيفين هناك؟هنا نشاطك ومجدك  ومستقبلك؟أي خطأ تصعدين أخاديده؟

جوييف،وعليك أن تمتحن الرب إلهك،لا باس بقرارك يا ابنتي  أن كان بامكانك التغلب على ما نحذر.

كيف تقرر أن تترك كل شيء لتذهب بعيدا عنك؟ما الذي تخبئه لك المسافات؟ولكن حين تكون مفعما بقرارك،يتبخر التردد وتجف الأسئلة .

 

وترتكب" الخطيئة" محلقة الى حريتها وديمقراطيتها ووطنها في فتاها الأسمر،وما هي إلا أيام حتى يهبط جوييف وجنين ليجدا انفسهما وجها لوجه مع المخرج الذي اختطفت كاميراه فراشتهما المحلقة،وأمام شرق تضامنا معه حد الالتحام وعاشا أسطورته الجغرافية في نصوص الكتاب المقدس،وفي عناوين الأخبار وقصص المناضلين،وإلحاح صور فارس عودة ومحمد الدرة.

تتضامن مع قضايانا شرائح هامة من المجتمعات الإنسانية المختلفة انسجاما مع نضالها ونضالنا الانساني ضد كل أشكال القمع والاضطهاد،وأحيانا انحيازا لثقافتنا ،وإيمانا بدورنا ،ولكن كثيرا ما يخبو هذا التضامن تحت ضغط فرديته أو عدم مؤسسته،وتحت وطأة تضامن مع غائب منمط إعلاميا وفكريا حالة اصطدامهم به عليهم الارتداد لمرجعية تقودهم لإتقان الاحتكاك به،ولا مرجعية غير المرجعيات الرسمية أو المرجعيات الإعلامية المنحازة مسبقا.فمن يتحمل مسئولية مأسسة هذه الروح التضامنية نحو حركة فاعلة تقود حملات فاعلة في مجتمعها تحمل حكوماتها نحو اتخاذ قرارات مناصرة أو على الأقل لا تدعم العدو.

وإصرار ممثلياتنا الرسمية على إقامة علاقات مع الأنظمة متجاهلة القوى الثقافية والإبداعية والنقابية الغربية مما يحد حالة التبادل الثقافي والإنساني الى مستوياتها الدنيا،وعجز مؤسسات المجتمع المدني العربية عن إقامة علاقة متوازنة وسعيها الدائب فقط نحو منظمات داعمة وهي بالأغلب ذات أجندة تخدم توجهها الضيق،ونكوصنا عن التواصل وتكريم الأشخاص أو المؤسسات التي تناصرنا ،وولعنا بمتابعة الطافي على السطح من المناصرين الموسميين من رسميين وقادة سياسيين متجاهلين ما يخبئه العمق من كنوز متضامنة.

وفقرنا الإعلامي وخطابنا الإعلامي العنتري المستند للصراخ والبعيد بعد المشرقين عن البعد الانساني والحضاري .

      

رحلة الى فلسطين

ما تمتلكه الأرض المقدسة من حضور في وجدان المسيحيين جسر لا يحتاج إعادة بناء وإنما  يحتاج ترميما طفيفا ليجسر الهوة ويجعلنا عصبة واحدة في مواجهة الفريسيين وتجار بيت الرب وقتلة يسوع المسيح،وها هو جوييف العلماني لا تكاد قدماه تطأ الأرض حتى يسرع الى القدس وجبل الزيتون،ليجد ذلك المكان البكر الذي ينشر السلام ويحمل الأرض ليدنيها من ملكوت السماء قد حوله جنود رب الجنود الى ثكنة عسكرية ،ولا مسيح ليطرد الباعة ويقول لهم "جاء في الكتاب: بيتي بيت الصلاة،وانتم حولتموه مغارة لصوص"،وتتحدث راشيل في مقالها المنشور باللغة الفرنسية في جريدة"ستار الأردنية الصادرة بالفرنسية"كيف إنها والعائلة لم يستطيعا

البقاء في القدس ولا حتى التوجه الى بيت لحم بسبب إصرار الإسرائيليين على جر المدينة الى الخلف وتقييدها بالجنود والحراب وكأنها مدينة ما قبل المسيح وتنطلق بهم السيارة من القدس باتجاه نابلس للوصول الى مضيفتهم في كفر لاقف"قرية من أعمال محافظة قلقيلية" مخلفة وراءها دربا يزدادا نزفا وكأنه درب الجلجلة،ليصطدما دون سابق إنذار بحاجز حوارة"نقطة عسكرية احتلالية"الذي يمنعهم  من مواصلة السير،مخبرا إياهم إنهم بحاجة الى تصريح مخصص من قيادة الجيش الإسرائيلي "حفاظا على سلامتهم"،وهل يهدد سلامة الناس غير الجنود وبنادق الجنود ودبابتهم المشهرة كعورة يهوذا،وفي هذه الآونة تكسر هداة الصمت مروحية عسكرية ليصاب الجنود بالجنون يشتمون ويصرخون وتتالى السيارات في مشهد عبثي ينتظرون أن يفرج المحتل عن انسياب الشارع،ويخبروننا أخيرا انه بعد ماجد من أحداث لا مجال لدخول نابلس وان علينا أن نعود من حيث جئنا،فكرنا بالاتصال بالسفارة الفرنسية ولكن سائقا أشار علينا أن بإمكانه أن يسلك بنا طريقا فرعيا عبر القرى المجاورة يتجاوز نقاط تفتشيهم ويعبر بنا نحو كفر لاقف،وعبر طرق وعرة متعبة معبدة وغير معبدة وصلنا كفرلاقف،قرية صغيرة لا يتجاوز سكانها التسعمائة نسمة  نصفهم من الأطفال،تصطف بيوتها كسرب حمام وسط حقول الزيتون وبيارات الليمون والبرتقال الحزين،كل شيء بكر هنا وطاهر كوجه مريم،الأشجار والبيوت تنتمي للطبيعة إلا ذلك الورم الهندسي المتشابه الذي تبين انه مستوطنة تفصل الشجرة عن ظلها،وكما يصعد الفلسطينيون جبل نبو في الأردن لمشاهدة فلسطين بعين الدمع، يصعد سليمان "الفلاح الفلسطيني الذي طوت من عمره السنون 65 عاما"مرتفعات كفر لاقف ليلقي السلام على أرضه وزيتونها حيث  استطاع أمر عسكري أن يصادر ما حولها ويدخلها شباك المستوطنة ،وعلى سليمان أن يرى المستوطنة تلوث أرضه بالمياه العادمة،وان يستصدر تصريحا خاصا لقطف زيتونه في موسم القطاف ليجد زيتونه قد كسرت أغصانه وجرد من ثماره وكأنهم يحرمون أريحا من جديد،ورغم الوعود الفارهة والتهديدات الماحقة إلا انه يصر على امتلاك أرضه ومراقبتها كل صباح من التلة البعيدة. وجوييف الذي اثر الصمت إذ احتضنته خيول الدهشة بدفء الناس وقدرتهم على المقاومة أوى الى أطفال المدرسة يحدثهم عن الألوان ويتقاسم معهم نشيد  العلم،هنا،وجدت ضالتي ،فقط هنا يستطيع المسيح أن يصلب،فالفسق والتجديف الذي يمارسه الاحتلال لا يمكن السكوت عليه ولو كنت مخلوقا فضائيا لا يربطه بالأرض غير رابط درب التبانة،والجدار  يجرك خمسين عاما للوراء،الى أسوار العزلة وأكوام الركام،ليؤكد لك أي مدى من الوحشية والهمجية استطاع جيش الاحتلال أن يبلغ،وكيف يصر الاحتلال أن ينتمي للهدم وتخريب الطبيعة رغم سولفان الحداثة الذي يغلف به نفسه.تتساءل راشيل ما معنى أن تكون موضوعيا ؟أن لا تقيم صلاة مع  أطراف الصراع، ولكنك حين تقيم صلة مع الفلسطينيين، تدرك ما معنى أن تكون فلسطينيا، ملايين الأشياء يجب أن تقال، الجدار يفصل الحقل عن الحقل، الشجرة عن ظلها، المدرسة عن أطفالها، الأطفال عن صدى أصواتهم.المستوطنة ورم سرطاني يغتال علاقة الفلاح بأرضه، يغير تضاريس المكان، ويهدد ترتيب الفصول تبلغ الرحلة منتهاها وتعود عائلة بيزيان الى عمان يهنئون ابنتهم على خيارها الحكيم الذكي الجميل ويشكرونها على ما منحتهم من مساحة للفرح والحزن ،على ما استطاع هؤلاء الأطفال أن يجددوا من أحلام في ريشة الفنان الأشيب الكث اللحية جوييف بيزيان.

 

 

وأعطي نصف عمري للذي يجعل طفلا باكيا يضحك

 

 وفي عمان وبعد انتشاء جميل برحلة فلسطين وما حملته من خلاص يلتقون بمجموعة مترفة بالحزن والتجربة من الشعراء والمثقفين يتبادلون التجربة ويغنون معا للهم الواحد ولعرس الجسر "راشيل بيزيان"،وتكون هدية الوداع مقدمة من الشاعر رياض حتاوي الذي قدم للمتضامن الاممي كنزا  معمدا بالدم،قطع مطرزة مشغولة بالحرير والدمع من ثوب والدة زوجته التي أصرت أن تكون أول امرأة تحني التراب بدمها في عرس الشهادة"انه ثوب يسرا عطايا"،وماذا أيضا "المفاتيح التي ربما نسي المهاجرون أبناءهم ولكنها لم تغادر قلوبهم وأعناقهم أبدا،ذهبت هناك الى بريتاني ربما لتعود على صدر موجة من موجات المحيط.

 

وتبقى راشيل هنا مؤتلفة مع نسيجها ومع رسالتها الإنسانية ،تلتقط بعين النبوءة وحنكة الصحفي المشهدين الأردني والفلسطيني عبر ريبورتاجات باحثة تدرس الحالة الإبداعية الإنسانية لشعبين تمازجا في مسيرة نضالية لا يمكنك أن تمايز التوأمين لمناداتهما باسمائهما ،فها هي تعد دراسة عن الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي متنبهة لفرداويته وتميزه ، بابتعاده عن الطنين والرنين لصالح الصورة اللادغة،وتستشرف حنظلة ناجي العلي غائصة في عنق الموروث لتؤسس لحنظلة فقها لغويا وفلاحيا فالحنظل أقصى مر في قاموس الشجر،وابعد شجرة عن الاجتثاث فهي تتجدد من جذورها المبتورة وتعلن قيامتها،وتحلل من زاوية الرؤيا إطلالة حنظلة الذي يرى ويجعلك ترى كل شيء بعينية الغائبتين عينا للكاميرا؟

كم تشبهنا هذه القادمة من عمق المانش.


إن كان ثمة للأرض وجه فوجه الأرض لبنان

 

وها هي تطل على المشهد السينمائي الأردني متلمسة بحكمة البرق أهم رموزه مستشرفة آفاق تطوره وآلية النهوض به،واضعة المصاعب التي تواجهه في سياقها بموضوعية وانحياز دافئ.

 

ونعود للأب الذي في بريتاني الذي يعمل مع المعاقين عقليا ،والذي ناضل من اجل تثبيت حقهم في الزواج وإقامة علاقات إنسانية أسوة بغيرهم من البشر،يعلمهم الآن أن يتهجوا فلسطين وان يتابعوا إخبارها،فلا تفاجئ أن رأيت احدهم راكضا اليه ليحثه عن خبر سمعه عن فلسطين.

لقد آلي على نفسه أن يعمل يوميا لأجل القضايا العربية،فلا يمضي يوم لا يجند أحدا فيه لمناصرة فلسطين أو لبنان،ولقد افتتح في مدخل بيته ركنا تعمره الأعلام والكوفيات والبوسترات والشعارات والقصائد والأغاني وفوق كل شيء ثوب يسرا عطايا ومفاتيح البلاد التي هدمت وبقيت في الذاكرة لتعمر بالحلم والطيف ذات نشيد.

 

وها هو بكوفيته يستظل الأعلام اللبنانية محتجا قرب المانش وفي باريس ضد مجزرة قانا وضد الهجمة المتوحشة التي شنتها إسرائيل على كل ربوع لبنان الارز والزوفا،وها هي لوحاته تتبرج فيها المفاتيح وخريطة فلسطين وألوان العلم بعيدا عن البوسترية والشعارات.

فمن يمد لنا اليدا،نستضيف جوييف الفنان الفاعل ريشة وصوتا،لنح