19 و19 وبينهما 69: حركة قرن

بوابة الوسط

يسحب العام القديم خطواته إلى الخلف ويمضى بعيدا. يصير قطعة من الزمن مثل غيره من الأعوام. أحيانا يودع بالرثاء. أحيانا باللعنات. أحيانا بالخوف مما هو قادم. أحيانا كثيرة بلا شيء.
يرحل العام الثامن عشر بعد الألفين. ويقبل نحونا العام التاسع عشر. أيام وليال وأطياف من التاريخ وألوان تتداعى أمام البصر. إلى أين يمضى البشر وإلى أين تفضي بهم الأعوام. لاجواب سوى المزيد من الأيام والليالي والأطياف والألوان.

الحركة. حركة الزمن لاتهدأ ولايعبأ البشر بالأيام إلا مع مرورها السريع والخاطف. بشر وأعوام وحركة وفعل ثم سكون. تجربة طويلة تمتد بلا توقف. وتظل مسيرة التاريخ والزمن تهدر مثل الوادي العظيم الذى يكتسح السدود. إن الأعوام سجل للتاريخ وأحداثه.

هل مضى قرن من الآن على جملة من الأحداث؟ وهل يعيد القرن الذى نعيشه أطياف وصور وألوان الماضي دون أن نشعر؟ كيف كان الحال بالضبط؟ 

عام 1919 ترك العالم خلفه الحرب العالمية الأولى وطفق يعالج آثار العض الناجمة عنها. خراب وأحقاد وموت وأمراض ثم حاول أن يتناساها مع العلاج لكنه لم ينجح في إغلاق المنافذ التي تؤدي إلى الحروب والكوارث. لم يرتدع العالم عن عشقه للخراب والحقد. كانا ضرورتين على مايبدو. بعد عشرين عاما في الأول من سبتمبر 1939 يبتلع هتلر بولندا وتبدأ الحرب العالمية الثانية لتتوقف عام 1945.

وكانت المآسى هنا أكبر. خلال قرن اكتوى العالم بسعير الحربين إضافة إلى حروب ونزاعات وصراعات أخرى ومع ذلك لم يرتدع العالم عن عشقه للمعارك رغم قصائد الشعر وابتسامات الأطفال وباقات الزهور وساعات الهناء والرقص في الشوارع. ظل دخان المعارك هو الطاغي على امتداد العالم.

في العام 1919 حدث المزيد فقد نجح العالم البريطاني رذر فورد بتجزئة الذرة صناعيا وتأسست منظمة العمل الدولية وتوفي الرئيس السادس والعشرين لأمريكا تيودور روزفلت فيما سيرحل بعده بخمسين عاما فى 1969 رئيسها الرابع والثلاثين أحد قادة الحروب دوايت آيزنهاور وانعقد المؤتمر التأسيسى للحزب الفاشي الإيطالى برئاسة موسولينى الذي سيتربع على السلطة مع رفاقه الفشاة بعد ثلاثة أعوام نهاية 1922 كما يشهد العام نفسه وفاة الرسام الفرنسي رينوار ويضحى الجنرال اللنبى مندوبا ساميا للإنجليز في مصر والسودان وتندلع هناك في شوارع القاهرة الثورة التى تنسب إلى سعد زغلول باشا ويتم تجاهل قائدها الحقيقى عبدالرحمن بك فهمى ضابط الشرطة الوطني كما تقول المصادر التاريخية الموثقة. ودائما يهمل العرب أصحاب الادوار الرئيسة في كل شيء ويتذكرونهم بعد نهاية كل شيء. أمر يتكرر ماضيا ولاحقا بلا حياء.

وعندنا في ابريل يعقد صلح سواني بن يادم بين الطليان وبين القادة الاربعة للجمهورية في طرابلس ثم تستغل إيطاليا الفرص والفتن وتضرب صفحا عن صلحها واتفاقها كما فعلت في اتفاقيات اخرى وتقوم باحتلال سرت في يونيو 1919 وتظل الجمهورية فى مهب الريح والتاريخ وبعد ذلك بعشرة اعوام تتنكر لصلح سيدى ارحومه عام 1929 وتحاول خلق المزيد من الفتن وتشرع فى غحكام قبضتها الفولاذيه بالاستمرار في نصب المشانق وإقامة المعتقلات وإجلاء سكان هون إلى مدن الساحل قرب البحر. وأعوام القرن تمضي وتتداعى والإنسان خلالها يفتح فمه إزاء مايجري. أحيانا يشارك. أحيانا يحجم. احيانا لايقدر على فعل شيء. يظل الزمن اقوى وتظل الأعوام تطوي الايام والوقائع.

في العام 1949 المخاض فى ليبيا يزداد. والتربص يحيق بها من كل مكان. يهزم مشروع بيفن سفورزا. يعلن الأمير إدريس استقلال برقة ويصفه بأنه خطوة نحو الاستقلال الشامل لليبيا فيما يلجأ إلى حماه الأخوان المسلمون المصريون الثلاثة ويستقرون في بنغازي حتى عام 1952. وتصدر الامم المتحدة قرارها العالمي اعترافا باستقلال ليبيا فى 21 نوفمبر 1949. فيما تقبل إسرائيل عضوا كاملا في تلك الهيئة.

ثم في العام 1959 يرحل الشاعر أحمد الشارف ولم يرض بالضيم أن يعرف فينا. وتتخرج الدفعتان الأوليان من كلية الآداب والتربية في الجامعة الليبية والكلية العسكرية الملكية بواقع واحد وثلاثين خريجا لكل كلية ويخوض خالد زغبيه الشاعر والطالب بالآداب معركة شعرية ضارية اتهم خلالها بالمروق والإلحاد وكاد أن يفصل من الكلية وشرع الصادق النيهوم الطالب بالكلية أيضا في نشر أولى مقالاته فى صحيفة العمل في بنغازى وتتأسس جمعية الفكر في طرابلس ويتم الاعتراف الدولي بكشاف ليبيا ويفيض الوادي شتاء فى درنة ويخلف دمارا وضحايا ويثور كاسترو على باتيستا في كوبا ويصل ورفاقه من الجبال بعد أعوام إلى هافانا تصحبهم الاسلحة واللحي والسيجار ويسحل الشيوعيون القوميين في شوارع الموصل وكركوك ويعتقل عبدالناصر المزيد من اليساريين ويرحلهم إلى الواحات والمحاريق.

وفى المنتصف عند الخمسين عاما يطل 1969 برأسه وقدميه معا. يغادر جونسون البيت الأبيض ويدخله من بعده نيكسون وتتواصل القذائف فوق هانوي وتحصد الضعفاء عند حقول الأرز في فيتنام ويرحل زعيمها هوشي منه ويحاكم بشارة سرحان عن اغتياله لروبرت كندي ويمضى ديغول بهدوء إلى بيته الريفي ويضع آرمسترنغ قدميه فوق سطح القمر وتنتشر أقاويل بأن امريكا تكذب لكنها وزعت عينات من حجر القمر على رؤوساء العالم وينقل التلفزيون الليبى الحدث مباشرة ويتفرج الليبيون على ذلك فى بيوتهم وفى بيروت يثير صادق العظم الغبار بإصداره كتاب نقد الفكر الدينى تضمن مقالاته المنشورة في مجلة حوار فى مرحلة سابقة ويقدم للمحاكمة في عاصمة حرية الفكر ويستشهد على الجبهة عند ضفة القناة عبدالمنعم رياض ويعدم في بغداد أحد عشر يهوديا عراقيا بتهمة التجسس لصالح إسرائيل ويعلقون على المشانق فى ميدان التحرير الذى سيشهد فى ربيع 2003 إسقاط تمثال صدام حسين فيما ينشر الصادق النيهوم مقالته الشهيرة ليسقط ميدان التحرير في صحيفة الحقيقة وينتقل إلى جوار الله الشيخ محمد صديق المنشاوي الذي عاش الليبيون مع تلاوته الرائعة للقرآن الكريم في ليبيا واحتفظت إذاعتهم بتسجيلاتها النادرة التي ضاعت فيما ضاع من تراث وأرشيف وينعقد المؤتمر الاول للادباء والكتاب المغاربة في طرابلس وتزور ليبيا مجموعة من الفنانين العرب فريد الاطرش ومحمد عبدالوهاب ومحرم فؤاد ويؤدون جملة من الاغاني والاناشيد إضافة إلى أم كلثوم التي أحيت حفلتين في طرابلس وبنغازي. حفلتها الثانية في بنغازي كانت في ملعب 24 ديسمبر ومع بداية الحفل نهض أحد معجبيها من المصريين الذي كان يلاحقها بسماجته في حفلاتها وتفوه ببعض العبارات غير اللائقة. كان مسطولا يرتدي جلبابا بلديا وطربوشا وردت عليه الست من فورها (اخرس قليل الأدب) وحتى الآن يعتقد أخوتنا فى مصر أن ذلك تم من أحد السميعة الليبين ولم يكن الأمر كذلك. 

ويرحل يوسف الدلنسي الكاتب والقاص وعلي أسعد الجربي من رجال الاستقلال وسفراء ليبيا المشهود لهم بالخبرة والدبلوماسية وكفاءة الإدارة ود. عبدالوهاب عبدالصمد أحد أبناء بنغازي الذي أصدر صحيفته فاتح في اسطنبول بدايات القرن العشرين ويغادر ديفيد نيوسوم ليبيا بعد أن قضى أربع سنوات سفيرا لامريكا كتب فيها تقاريره ونشط وتابع وفتح عينيه صوب كل الأرجاء بلا انقطاع. 

وعند ضفتى الأزرق والأبيض في الخرطوم يدق باب الإذاعة جعفر النميرى وصحبه ويعلنون التغيير هناك بانقلابهم على أحد صناع استقلال السودان إسماعيل الأزهري الذي توفي في العام نفسه مواطنا عاديا ووصف بأنه كان مجرد معلم في إحدى القرى. هكذا حال أبناء العروبة على الدوام. يتنكرون للماضي ليأتي من بعدهم من يتنكر لمن مضى. 

وفي ليبيا ثمة فراغ رهيب. يغادر الملك البلاد وتطول غيبته ويتردد بأنه قدم استقالته ورفض الحضور لتقديمها أمام البرلمان فيما انتشر منشور إبليس ولا إدريس ذلك الصيف ووصل إلى الملك واستمع غلى ماجاء فيه. ثم حدث زلزال سبتمبر ولم يتوقف لمدة أربعة عقود.

هل قلت إن حركة الزمن لاتتوقف وإن لوحة التاريخ قد تتشكل بإطار وتفاصيل مشابهة؟.
أجل.

عن سالم الكبتي

كاتب نشر نتاجه الادبى (مقالات وقصص ودراسات مختلفة) بدء من عام 1966فى مجلة جيل ورسالة وصحف. الشعلة والبشائر والامة والحقيقة والكفاح والجهاد ومجلة قورينا (الجامعة الليبية) وغيرها . وشارك فى موتمر الادباء والكتاب الليبين عام 1973 فى بنغازى وموتمر الادباء العرب الرابع عشر فى طرابلس عام 1977 وعدة ندوات ثقافية وعلمية ومهرجانات ادبية .وكان عضوا فى معظم لجانها كما كان من المسهمين فى تاسيس اتحاد الكتاب الليبين عام 1976وقدم وشارك فى العديد من البرامج الاذاعية المسموعة والمرئية المتصلة بالثقافة والادب والفن والتراث الشعبى كما اسهم فى كثير من البرامج الثقافيه خلال عمله بالجامعه وشارك فى جمع وتدوين وتوثيق التراث الشعبى والتاريخ الوطنى ضد الاحتلال الايطالى فى عمله بلجنة جمع التراث ولجنة جمع تاريخ الجهاد الليبى وكذا جمع مايتعلق بمراحل التاريخ الثقافى والاجتماعى والاقتصادى الليبى واجرى العديد من المقابلات والحوارات والتسجيلات المتعلقة بهذه الجوانب فى انحاء ليبيا كافة اضافة الى لقاءات شخصية مع اعلام عرب فى الفكر والادب والسياسة, كما نشط من خلال عضويته في اللجنة الثقافية بنادى الهلال الرياضى فى بنغازى وفى مجلس ادارته .. ثبت بالاعمال : 1. المشاركة .. _المجلد الاول لديوان الشعر الشعبى جامعة قاريونس لجنة جمع التراث _عدة طبعات بدء من 1977 المجلد الثانى مع الدكتور على الساحلى طبعتان 1993 قصائد الجهاد منشورات مركز الجهاد طرابلس مع سعيد الحنديرى طبعتان 1984و1987 معركة جليانة منشورات مركز الجهاد طرابلس يوسف سالم البرغثى 1991 ديوان خالد رميلة الفاخرى 1998 مع د_يونس فنوش والهمالى شعيب الحضيرى 2.التحرير : اعمال ندوة الذكرى الستون لانتهاء الحرب العالمية الثانية .مركز المحفوظات والدراسات التاريخية 2009 محاضرات الموسم الثقافى لفرع المركز بنغازى 2005 محاضرات الموسم الثقافى لفرع المركز بنغازى 2006 3اعداد وتحقيق وتقديم : طرق مغطاة بالثلج (عن الصادق النيهوم ) بيروت 2001 نوارس الشوق والغربة (بعض من رسائل الصادق النيهوم) بيروت 2002 -مجموعة دراسات وأعمال الكاتب الصادق النيهوم (بيروت -طرابلس) وهي: -الحديث عن المرأة والديانات. -الكلمة والصورة. -الذي يأتي ولا يأتي. -العودة المحزنة إلى البحر. -نزار قباني ومهمة الشعر. -ثلاث كلمات تقال بأمانة عن مشكلة التراث العربي. -قليل من المنطق. -الرمز في القرآن(مع الحوارات والردود) -مجموعة مقالات للكاتب الصادق النيهوم: -أسئلة -كلمات الحق القوية. -العدو في الداخل. -ماذا يريد القارئ؟ 4-إصدارات أخرى (تحقيق وتقديم) : -قلب وذكريات (المجموعة القصصية للمرحوم يوسف الدلنسي) 2001 -زيت القناديل.. رشاد الهوني سيرة ونصوص 2007 -وميض البارق الغربي.. نصوص ووثائق عن الشاعر أحمد رفيق المهدوي , ط1- 2005 , طبعة مزيدة 2009 - أعلام عرب في بنغازي 2010 (تأليف) 5-تحت الطبع الآن في بيروت : من تاريخ الجامعة الليبية ( 1955-1973) كتاب توثيقي. 6- مخطوطات جاهزة للنشر: -قال الكاتب ( مجموعة مقالات). -من ذاكرة الوطن. -الأعلام الليبية(في 10 مجلدات) عن شخصيات ليبية لها أدوارها في الشأن السياسي والوطني والثقافي والإجتماعي والرياضي والفني -ديوان الأغاني الشعبية الليبية (دراسة وتحقيق لنصوص نادرة ومجهولة) -أل (مجموعة حكايات وقصص). -بعض من وثائق ورسائل المجاهد احمد الشريف السنوسى (تقديم وتحقيق)

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى