فن السيرة.. إيتالو كالفينو

 

ترجمة: ليلى النيهوم

 

 

عندما طلب أحدهم من الروائي الإيطالي الشهير (ايتالو كالفينو) المولود في كوبا في 1923 والذي عاش في سان (ريمو) في الريفييرا الإيطالية أن يكتب له حول سيرته الذاتية قال:

طلبت مني مدونة سيرتي الذاتية.. وهو الطلب الذي يحرجني دائماً -فالمعلومات الشخصية-حتى تلك المسجلة في السجلات العامة هي أكثر الأشياء خصوصية لدى المرء, وأن يعلنها على الملأ أشبه بمواجهة محلل نفسي, على الأقل أتخيل ذلك, فلم يسبق لي قط أن تعرضت لتحليل نفسي.

 

سأستهل القول بأنني من مواليد برج الميزان، ولذلك فإن عوامل التوازن والاختلال في شخصيتي يصححان بشكل تبادلي تجاوزات بعضهما البعض.. ولدت عندما اعتزما والداي العودة إلى الوطن بعد سنوات قضياها في الكاريبي: ومن ثم فإن عدم الاستقرار الجغرافي هذا جعلني وإلى الأبد أحن إلى مكان آخر..

 

كانت كل معرفة والدايّ منصبة على المملكة النباتية وعجائبها وفضائلها ولانجذابي نحو نوع آخر من المعرفة.. أي الكلمة المكتوبة فقد أدرت ظهري لما كانا قد علّماني إياه, ولكن معرفة كل ما هو إنساني ظلت أيضاً غريبة عليّ.

لقد انتقلت من الطفولة إلى اليفاعة في بلدة في الريفييرا القابعة في مناخها المحلي.. قد بدأ لي كل من البحر المحصور في خليجه والجبال العظيمة حانية ومطمئنة، وكنت منفصلاً عن إيطاليا بشريط طريق ساحلي ضيق, وعن العالم بحدود قريبة مغادرة هذه القوقعة كان بالنسبة لي كإعادة لصدمة الولادة وهو الأمر الذي لم أدركه إلا الآن.

ولكوني شببت في أزمان الديكتاتوريات, وأخذت كلياً بحرب شاملة عندما  كنت في سن العسكرية, صار عندي قناعة بأن العيش بسلام نوع من الطالع الحسن الهزيل الذي سرعان ما يؤخذ مني وبوجود هذا الدافع أخذت مني السياسة ربما جزء عظيماً جداً من اهتمامات ومشاغل شبابي وأعني عظيماً جداً بالنسبة لي, ولأي مشاركة كنت قد قمت بها, في حين أن الأشياء التي تبدو بعيدة عن السياسة تساوي كثيراً كتأثيرات على تاريخ (وحتى سياسة) الدول والشعوب.

 

حالما انتهت الحرب شعرت بنداء المدينة الكبيرة أقوى من نداء جذوري الريفية, وجدت نفسي متردداً لبعض الوقت بين مدينتي (تورين) و(ميلانو), اختياري لـ(تورين) كان له بكل تأكيد أسبابه ولم يكن بلا نتائج  أيضاً.. الآن  لقد نسيت جميع الأسباب والنتائج, لكني لسنوات أخبرت نفسي لو أنني كنت اخترت (ميلانو) لكان كل شيء مختلفاً تماماً.

لقد حرضت يدي نحو فن الكتابة مبكراً, وكان النشر سهلاً بالنسبة لي, ففي الحال قوبلت بالاستحسان والفهم, ولكن مر وقت طويل قبل أن أفطن وأقنع نفسي أن هذا كله لم يكن محض صدفة.. في عملي في دار نشر أمضيت وقتاً أطول مع كتب الآخرين، أكثر مما قضيته مع كتبي, ولا أندم على ذلك فكل شيء مفيد لمسألة العيش الكامل معاً وبكيفية متحضرة في نظري وسيلة جيدة لصرف الطاقة.

 

من (تورين) وهي مدينة جادة ولكن حزينة, حدث كثيراً أن تسللت إلى روما (بالمصادفة, الإيطاليون الوحيدون الذين سمعتهم على الإطلاق يتكلمون عن روما بشكل إيجابي هم أهل تورين), إذاً روما هي المدينة الإيطالية التي عشت فيها أطول وقت بدون أن أسأل نفسي لماذا.

برأيي أن المكان المثالي.. هو حيث من الطبيعي أن أحيا كأجنبي, وبالتالي (باريس) هي المدينة حيث وجدت زوجتي وأسست بيتي وأنشئت ابنتي, زوجتي أجنبية أيضاً, وعندما نكون ثلاثتنا معاً, نتكلم بثلاث لغات مختلفة. كل شيء يمكن أن يتغير إلا اللغة التي نحملها بداخلنا مثل عالم أكثر خصوصية ونهائي من أرحام أمهاتنا.

 

أعتقد أنني في هذه السيرة قد أسهبت بالدرجة الأولى في موضوع المولد وتكلمت على المراحل اللاحقة كاستمرارية لرؤيتي الأولى للضوء والآن اعتزم أن أمضي بعيداً إلى الوراء إلى العالم القبولاديّ وهي المخاطرة التي يقع فيها كل كاتب سيرة بدت كاستكشاف للأصل, مثل سيرة "تريسترام شاندي", الذي أسهب في ماضي أسرته وعندما وصل إلى نقطة وجوب البدء في سرد حياته لم يجد شيئاً ليقوله.

 

 

صحيفة الجماهيرية.. العدد:3985.. التاريخ:02-03/05/2003

 

الأولى | الرئيسية