|
قلبي جبانة!
[في وداع صديقي الإذاعي عبدالله عبدالمحسن]

أحمد الفيتوري
صار مشغولا بفعل القتل،
ينسى القيام بذلك على نحو متقن،
يقترفه بلا نظام و لا مهارة.
كأن الموت يتعلم – في كل منا درسه الأول.
الشاعرة البولندية: فيسوافا شيمبورسكا
لم أتصور أن عبدالله عبدالمحسن سيموت. بمعني
ما كنت أتصوره وقد جاوز المئة بسنوات وبذاكرة
حديدية، يحكي كيف أنه لم يتمكن من أن يكون
السلطان في لعبة السلطان والوزير أيام عرسه.
ويسرد خيبتي فيه، وقد كنت وزيره؛ وهو يصدر
فرمانات العفو عن المخطئين في تلك اللعبة التي
كانت فيما مضى من ضرورات العرس. وصل عقاب
البعض بعد جمع الخطايا؛ أن يخرجوا عراة من
البيت إلي الشارع، وكان ذلك مستساغا آنذاك،
يوم كان التسامح صفة اللعب: حيث أن الإنسان لا
يكون إنسانا إلا حين يلعب، ولا يلعب إلا إذا
كان إنسانا أو كما يقول شيلر.
وكانت لعبة عبدالله عبد المحسن الوسطية سلوكا
ونفسا، والصدق حتى التطرف في هذه الوسطية.
ولذا لم اختلف عنه في لعبة عرسه وحسب ولكن
أيضا في لعبة الحياة.
اعتقدت دائما أنه يدفع الثمن الباهظ من أجل
وسطيته تلكم؛ في بلاد من متطلبات الدولة فيها
الخنوع والخضوع لأمر الآمر ولو كان مخطئا، أو
ارزقيا أهوجا لا يملك من زاد غير منظرة
المتزلف.
وزد علي هذا أن عبدالله مثل القلة في بلادنا
شغال مثل ذكر نحل، يمنح نفسه لشغله حتى
الثمالة، ومن هذا يخلق له منافسين لا يحتسبهم
وهم من شر ما خلق، يذودون عن كسلهم وفشلهم بكل
شيطان رجيم، وفيما مضي تتهم بتهمة سياسية حتى
تزاح من الطريق.
مرة حصد هذا المذيع المجد في البحث عن الظل
تحت كشافات الضوء ما لم تزرع يداه، عوقب علي
برنامج في ذكرى ميلاد – علي ما أذكر – جمال
عبد الناصر؛ هذه الحلقة أذيعت مرة قبل عام
وعند إعادتها مرة ثانية لوحظ خطاء ما وبطبيعة
الحال المذيع ليس مسؤلا عما يقراء ولكن هذا
حالنا: لا نؤمن بأن حامل الكفر ليس بكافر.
ومرة منع من الدخول إلي الإذاعة من قبل أحدهم
بحجة لا عقلانية.
وهكذا وسطيته ومهادنته كانتا حجة عليه، لهذا
كثيرا ما تم استغلال جهده مقابل النزر اليسير،
كما حصل معه وهو يدير جريدة قاريونس الناطقة
بأسم الجامعة في بنغازي، حيث كان تقريبا هو
محررها ومصححها والمشرف عليها من الألف إلي
الياء.
وفي جريدة أخبار بنغازي ومجلة الثقافة العربية
لم يكن المصحح بل المحرر الذي يعيد صياغة
الكثير من الهذر الذي ينشر.
كنت أراه عند قيلولة الناس، في سعير ظهيرة
الصيف، يحث الخطى قرب بيتي كي يذهب إلي المجلة
أو الجريدة ليصحح مادة العدد الجديد، ألحُ
عليه أن يرتاح قليلا معي في بيتي - الذي يقع
في طريقه- كل يوم تقريبا يرفض ملحا أن الشغل
لا يجب أن يؤخذ علي مهل. ساعتها أرد عليه
معنفا ومازحا في نفس الوقت : النحل يجني العسل
بتؤدة من فاه الزهرة الناعسة.
هو من القلة الذين زادهم شغلهم ومبرر وجودهم،
ويعدون ذلك غنيمة الحياة، لذا هذه القلة
عرفتُها وسطية و تجنح للسلم في حرب الوجود
الذي يدعى الحياة، هذه القلة راضية مرضية لا
تكف أذاها وحسب ولكنها تتقي أذى الآخرين بروح
المسيح، بأن تعطي خدها لشغلها وبه تنشغل عن
مؤذيها.
هذه القلة كحمامة الظل تنزاح للضوء عن مكانها.
ومن هذه القلة عرفت الكثيرين؛ ومن صفاتهم أنهم
لحوحين في مسألة واحدة : الغياب. لهذا جلهم
يودعون الحياة باكرا وهم عادة ما يحملون
مناديل الوداع في أياديهم مع إشراق الشروق،
لحظة انغماسهم في الانشغال عن الحياة
بالاشتغال فيها لا بها.
حتى أن منهم من غيب عقله كي يريح الآخرين منه
أو كما فعل صديقي أحمد فنوش من مات غرقا في
شبر ماء، وأودعنا الحيرة: كيف تسنى له هذه
الأريحية حيث عاش في السجن عقدا وزاده نصفا،
وخرج منشغلا عن حريته التي اكتسب بحرية
اصطنعها لنفسه.
أو كما فعل فتح الله انديشة الذي غرب عن
الحياة قبل أن تغرب عنه مكتفيا بنفسه عنها،
وحين غادرنا لم يفطن أحد منا لهذه المغادرة
لقد انسل كخيط من عجين تاركا سلاما ؛ سلام
الروح للفطنين منا وكانت ثقته فينا عالية؛ لكن
الحق أنه لم يترك فطنا غير روحه ترفرف في بلاد
الهجير.
قلة ترسم قدرها باستماتة محارب جانح للسلم،
مسقطا من كل حرب رائها حتى أنه ما من أحد
مستسيغ لهكذا حياة، لهذا تلصق بهذه القلة
التهم جزافا، وهم عادة مدانين كما تدان براءة
الطفولة بالمكر. منهم محمد المريمي الذي يختلف
عن عبدالله عبدالمحسن لكنه لا يخالفه، المريمي
الحياة عنده كالنفس الذي يكون لا إراديا إن
انشغلنا عنه ولكن إن أردنا كتمناه. لهذا عاش
وطنه بطريقة طفولية؛ الطفولة لعبها جدَ تحكمه
حرية المخيلة، وحرية كهذه شاسعة كالخيال.
لم يفارقني مرة العجوز الفلسطيني قاسم حماد،
كلما رأيت منديل وداع في يدٍ صديقة رأيت
العجوز هذا. اليوم في جبانة الهواري وعبدالله
عبدالمحسن يوارى الثرى هلاََ َ : يحكى أن رشاد
الهوني رئيس تحرير جريدة الحقيقة ضاق ذرعا
بوجود العجوز المترع بالنشاط والحيوية، ومن لا
يكل من الشغل، فأراد عقابه وهو العارف
بالشخصية القاسمية هذه، أمر بمنحه إجازة من
الشغل. مر يومان والحيز فارغ. ضربت الشكوك
شباكها في نفس رشاد: أين هو، ما يتسنى له ذلك،
الطبع يغلب التطبع.
كان رشاد لحوحا في هواجسه، أراد قطع حبل الشك
المتين بسكين اليقين الحاد، مرَ علي الحاجة
زوجة العجوز قاسم حماد؛ من عمل في اليوم
الواحد يومين في التدريس ثم في الصحافة،
الفلسطيني المتطرف في الشغل في البلاد التي
أرادها ملجأً لحين.
عرف من الحاجة ما جال في خاطره. علي عجل تركها
وذهب لمبني الصحيفة حيث توكد من يقينه؛ يختله
العجوز، كل يوم يجيء للشغل وحين قدوم رشاد
رئيس التحرير، يتخذ من كوم الورق والجرائد
خباء.
تمترس جمع من ذكرت بخباء من ورق وكما ولدوا
عراة عاشوا كذلك، لم تستأهل الحياة عندهم غير
أن يتنفسوها لا إراديا، انشغلوا بها كما ينشغل
المرء بالأكسجين في الهواء الذي يتنفس. لكن
الحياة حية لا يهمها ما أنت فاعل، حية تذود عن
حياضها وكل الفيء فيَها. لهذا غالبتهم بإرادة
الغلبة، وإن لم تغلبهم فهم أيضا ما عاركوها.
لكن البلاد طالتهم وطالهم العسف فيها، ومنهم
طالها تسامح قلَ مثيله.
الغريب أن أحمد أنور الزميل المذيع لعبدالله
عبدالمحسن غدر به فيروس نادر الوجود، أما
زميله الآخر المخرج محمد بوشعالة فقد لقح
بتلوث مستشفياتنا المصونة، أما عبدالله فمصابه
وباء الكبد ما عاث في البلاد، هذا الوباء
بحاجة لأطباء بلا حدود حتى يوقفوه عند حده،
بعد أن غاب أطباء البلاد – كعادتهم – عن هذه
المعركة.
يعاقبني عن عدم التواصل معه بالوصل، مرة
افتقدني جال باحثا عني حتى داخلت أمي شكوك أن
بي مصاب يجحده عنها. هذه القلة توجد كي تجود
وتوجد كي نتنكر لجودها باعتياد نحسد عليه، ما
من مرة ذكر أحد من هؤلاء، فكأنهم وجدوا كي
ينفوا من الوجود، ولسان حالهم لسان المتصوفة:
التكرم في أن توجد في أن تجود. ومن خصائصهم
ضعف القوي الذي يكدح كي تستمر الحياة،
كالحمامة تشاركنا البيت كي نطير فيها وتنبجس
في النفس شساعة الكون، كالنحلة تلسعنا برحيقها
فتذوب في ريقنا حلاوة الحياة وتستيقظ الروح،
كالظل نرتكن إليه من سطوع الضوء، كالحلم ينبثق
منا ليرطب شغاف الروح.
مات كثير من أصدقائي هؤلاء؛ ليس من أولهم
عثمان السلامي من أعد العدة ورتب الكراسي يوم
خروجي من السجن، وفي نفس اليوم وقبل أن ألتقيه
رفع منديل الوداع.
مات كثير منهم: أخيلة تعترض طريقه؛ لوجه واحد،
في الليل شموس، تندس في محجريه. في النهار
ظلال، ترقبه عن بعد، تبدد الوجه، والأخيلة
تعترض طريقه. |