|
الروح الحـديثة..
الشـعر الحـديث
(بعـيداً عن الصـدام)
الشاعر: رامز رمضان النويصري
كنت أعتقد أن الحديث عن الشعر الحديث، موضوع قتل بحثاً.. وكنت أعتقد
ثانية، أنه صار أمراً واقعاً، وأن الحديث عن مشروعيته من عدمها
وأحقيته بالشعر من سحبها منه، هي أيضاً من الأمور المفروغ منها..
لكني اكتشفت أنه الموضوع مازال يقبل النقاش والمناقشة، وأنه طالما
هناك من يقول إن الشعر هو ما قاله (النابغة) (والفرزدق) (والمتنبي)
و(بدوي الجبل) وأن ما عداه ليس من الشعر في شيء، فإن الباب يبقى
مفتوحاً للنقاش.
لا يمثل الشعر الحديث نزعة مجردة من أجل كسر الأشكال القديمة للشعر،
إنما هو نتاج الروح الحديثة.. فالشعر الغربي لا يحتمل الكثير من
القواعد، لكن الروح الحديثة التواقة للجديد هي من إنتاج هذا النص
بالانقلاب على الأشكال القديمة السائدة.. فالشاعر لم يرد أن يوجد
نفسه خاضعاً للقواعد والأشكال القديمة، والمجتمع بأسره يحيا أشكال
التحديث، متحولاً إلى روح وثابة للأمام.. فالهندسة القديمة لا يمكنها
بناء ناطحات السحاب، والفيزياء القديمة ستكون عاجزة عن استيعاب
انحناء الكون في امتداده.
ربما لم تتوفر لتجربتنا العربية هذه الروح، إلا للقلة القليلة
العارفة، فلم تكن هذه الروح اتجاهاً شعبياً أو عاماً يحرك المجتمع
العربي، ويغير من كل الأنشطة المرافقة له، من معرفة وثقافة وأدب
وتقنية بمعنى أن تكون مسيرة التحديث (كروح) المنهج العام، دون أن
يكون منهجاً فردياً أو منهجاً تمثله مجموعة من الأفراد.
تجربة الشعر العربي الحديث، تجربة تمثل نزعة الشاعر إلى الجديد،
تجربة تمثل روح الشعراء التواقة لآفاق أكثر انفتاحاً لذا فهي تجربة
لا تمثل المجتمع، الذي ظل يتمثل قواعده التي تربى عليها، دون محاولة
المعرفة.. وأرى أن هذه النقطة هي مبدأ القطيعة مع هذا الشكل الجديد،
سواء كان المجتمع كمتلقي لهذا النص، أو الشعراء والكتاب المنحازون
للنص الشعري القديم أو الشكل النمطي للشعر، وتكتشف تجربة الشعر الحر
(شعر التفعيلة) هذه الذائقة التي تربت على النص العربي القديم، حيث
الاختلاف في مجرد تكسير وحدة البيت.. وستكون محاولتي في هذا المبدأ،
مبدأ الروح الحديثة.
فلا أريد أن أناقش قضايا ومسلمات من غير المجدي الحديث فيها..
فالدراسات تؤكد علاقة الشعر بالغناء، وأن الشاعر القديم إنما كان
يقطع على النغم، وأن للسماع الأثر الكبير في هذه الأوزان التي قعدها
العالم العربي ( الخليل بن أحمد الفراهيدي ) في عملية استقراء بديعة
سجل كأول عملية استقراء إحصائي.. لن أبحث في الوزن وأنه حجم كثيراً
من انطلاقة الشاعر، خاصة في العصر الحديث، فحتى الشعراء الكبار من
أمثال: شوقي/ بدوي الجبل/ الجواهي، غلبهم الوزن، حتى صعب الشعر
عليهم، وتحدثوا عن هذا في أكثر من مرة.
إن النص الحديث، نص فرضته الحياة الحديثة, الحياة التي انطلقت بقوة
في نهاية القرن التاسع عشر، حياة تغيرت فيها المفاهيم وتبدلت فيها
الأنماط، وطغت فيها مجموعة من النظريات التي حاولت تشكيل العالم وهي
تدرك أنها قاب قوسين من الانفلات.. النص الحديث كان نص مواكبة وصوتاً
لحركة المجتمع (أو حركة الحياة) ولو دققنا النظر لاكتشفنا أن الشعر
العربي مر بالكثير من المراحل التي كان فيها الصوت لحركة المجتمع،
ولعل المثال الأكثر بياناً هو (الموشحات)، كشكل شعري لبى غاية
التغني، والابتعاد عن جمود الشكل الشعري الأول..أما والحال بوقوع
الثقافة العربية تحت حكم الأتراك، فإن هذا عاد بالشعر العربي خطوات
إلى الوراء، حيث غلب على الشعر الاعتماد على محسنات اللغة وبديعها..
حتى اللحظة الذي تشكلت بدأت فيها الثقافة تتفتح على الغرب من خلال
الترجمات واللغات التي اكتسبها مجموعة من الأدباء مكنتهم من الاطلاع
على منتج الطرف الآخر من البحر، فأمكنهم الوقوف على ما وصل إليه
واستطاع استشعار الروح التي تدفع بالمجتمع وتحفزه، فكانت أكثر من
خطوة، حتى كان الشعر الحر كما أسمته "نازك الملائكة" أو (شعر
التفعيلة) ومن بعده قصيدة النثر.
(قصيدة النثر) مقصدنا، منذ بدايتها أقامت الدنيا ولم تقعدها (كما
يبدو)، وإن كانت بريئة من هذه القيامة، فهي خرجت على استحياء تتلمس
شكلها في عيون الآخرين، الذين أنكروها دون منحها فرصة للتكلم، وأرجع
للخلف لأقول أنه ثمة تجارب بعيدة لكتابة نص شعري بطاقة النثر، ولكن
هذه التجارب حسبت مرة على النثر ومرة على النثر الفني، ومرات على
الخاطرة، ومع هذا فإن الزمن أثبت أن (قصيدة النثر) استطاعت الوقوف
والمضي لتكون نص العصر وصوته والنماذج واستمرارها يثبتان ذلك.
قصيدة النثر لم تنشأ كقطيعة مع الشعر العربي، هي مارست القطيعة مع
قوالب الشعر العربي، فهي نص يعتمد اللغة إطلاقاً، ولم يكون من السهل
على هذا النص يكون في قطيعة مع العربية التي يكتب بها، ولعلنا نلاحظ
هذا التعلق باللغة في بدايات قصيدة النثر )ومن بعد استلهام التراث
العربي، هذه المعطيات تؤكد أحقية العربية بهذا الفن الشعري، وضرورة
تمسكها به، دون حاجة لنبذه ونعته بالرجعية ومحاولة القضاء على الشعر
العربي، والمسخ الثقافة العربية، أو أن يتحول شعراء (قصيدة النثر)
إلى مقلدين ومخربين للشعر، وأنهم قدموا الفرصة لكل من هب ودب للخوض
في الشعر.. لا أحاول طرح أي صدام أنا أطالب أن تمنح الفرصة أكثر لهذا
النص، فطالما إنه أثبت نفسه كنص (بداية من ستينيات القرن الماضي)
استطاع الصمود ونبذ متسلقيه فإنه حقيقي بأن يكون.أكثر ما يؤخذ على
الشعر الحديث أو (قصيدة النثر)، هو ذاتيتها التي نأت بها عن المتلقي
(كما يقال، مادام المتلقي لا يسعى) أو أن تكون نصاً يمكن تقبله على
نطاق واع.. وإضافة لما قلت., فالنص الحديث نص قصدي، ينطلق من قصدية
مباشرة (تعمد)، يكون على الشاعر أن يكون جاهزاً له محدداً صورة النص
ولغته، مستويات التفاعل فيه،إنه يعد لأصغر التفاصيل، هذه القصدية
تجعل النص، يعتمد كلياً على الشاعر على ما يستطيع الشاعر منحه له،
فيكون النص للشاعر خالصاً، هذا يمنح النص نوعاً من الاستقلالية،
مبدأها العمل من مرجعيتها الخاصة.. وكونها نص يبدأ من تعمد فإن للعقل
دور مهم في تشكيلة، متيحاً الفرصة أمام مساحات التخيل بالعمل
والتفاعل، هذا يوفر قدراً أكبر من الحرية للشاعر في اختيار ما يريد
لنصه، والتجريب في أكثر من مستوى.
لقد استطاعت (قصيدة النثر) أن تستثمر طاقات النثر لصالحها، وأن تفعل
اللغة في أعلى درجاتها.. هذا النص الحديث لم يعتمد القوالب الإيقاعية
الجاهزة (البحور الشعرية) إنما سعى لموسيقاه الخاصة، كونها صنعة
الشاعر، ورغم اعتراض البعض من عدم تمكنهم من القبض على هذه الموسيقى
فالأمر ربما يعود للاعتياد على الموسيقى الظاهرة في النص التقليدي،
وهو ما تخالفه (قصيدة النثر) في إنتاجها لموسيقاها الخاصة التي تختلف
من نص لنص (حتى لذات الشاعر) وهي موسيقى تعتمد التجاور والانقطاع و
مد حدود الجملة الشعرية، وإرخائها، أيضاً ما يكمن في السرد من طاقة
على التسلل الهادىء، إن الموسيقى في النص الحديث موسيقى خاصة وعلامة
للنص ذاته، لا تشارك فيها أحد.. ولعلي ألخص أهم ما تناولته من نقاط
تميز قصيدة النثر.
- قصيدة النثر نوع شعري مستقل مصنف.
- العمل العقلي في اللعبة الشعرية، من منطلق القصد.
- استخدام عناصر النثر، دون الحاجة للقوالب الشعرية الجاهزة.
- الحرية التامة في اختيار الأشكال، واعتماد الجملة الشعرية وحدة
بناء.
- الموسيقى في قصيدة النثر علامة مسجلة للنص.
- التكثيف والتوهج، وتجاور اجراءات الهدم والبناء.
وما أتمناه أن تمنح الفرصة لهذا النص حتى يستمر، لأنه من غير المجدي
أن تظل هناك أصوات تعاديه، إلا لتمسكها بصورتها التي تريد بنية
الفرض.. فالحوار لابد أن يظل مفتوحاً كونه حواراً يسعى إلى إضافة
الجديد، لا غاية في الهدم. |