|
الـقالب المهـتـرئ

الشاعر: صلاح عجينة
الشعر هو سؤال الجوهر لدى الإنسان عبر تاريخ الفن والحياة معاً، وهو
وثيقته النقية، بغض النظر عن آلية إنتاجه.
وبالنسبة إلى راهننا الشعري الآن لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن نتجه
إلى ذلك القالب المهترئ الذي كان في زمانه وهاجاً قاعدة لبناء النص
الشعري.. النص الشعري في نظري هو فاعلية إنسانية لا يمكن حالياً - أو
من الصعب تحفيزها إلا من خلال قصيدة النثر بالتزاماتها الفنية، وليس
فقط في إسقاطها للتفعيلة.. ومن هذه الالتزامات الاكتفاء بالحد الأدنى
من البلاغة وتجريد النص من سذاجة المباشرة وتناول القضايا الآنية
والرحيل بالنص في بُعدٍ إنساني جوهر هكذا تنبني القصيدة.. أما
بالنسبة لاستسهال كتابة قصيدة النثر فهو سؤال بدعة يمكن تفنيده
بسؤالٍ مضاد.. وهو أين تكمن الصعوبة في صياغة نصوص تتبع نظام
الأوزان.. ما هي الأوزان?! أنها درس صغير في عالم العربية الكبير
وهذا اعتقاد يطلقه بعض الفاشلين شعرياً ليختفوا وراءه.
فمثلاً "أحمد عبدالمعطي حجازي" المصري يشتم النثريون وأنا شخصياً لا
أتذكر أنه كتب قصيدة لها قيمة وتبقى في الذاكرة وهذا الكلام ينطبق
على بعض من أنصاره في واقعنا المحلي الليبي من المشردين عن ذائقة
عصرهم.. ولو كنت أملك وقتاً لما ترددت في تعليم (200) صبياً من صبيان
المدارس كتابة الشعر بطريقة الأوزان.. هل الأوزان أحجية أم معجزة
أم.. وقد مللنا من تكرار أن العرب حينما استمعت للقرآن الكريم حسبته
شعراً وهو بالأساس نص نثري.. فهل العرب في العصر الجاهلي عملاء
للإمبريالية وخونة للذائقة العربية وهل نحن عرباً أكثر منهم?!
ماذا أريد أن أضيف !!
القصيدة العظيمة تتأسس تحت أي اشتراط.. لكنها تبقى قصيدة في اكتنازها
الروحي والتحسيسي بجوهر الأشياء وما تنطوي عليه أيضاً من قيم يعاد
النظر في علاقاتها.. قصيدة النثر على نحو ما تستطيع وهي الأقدر على
تجسيد هذا الدور وذلك من خلال بناء علاقات جديدة بين الأشياء
والمفاهيم.
وبعض شيوخنا -أمد الله في أعمارهم- ممن يعتبرون أنفسهم نقاداً
أناديهم نقاداً فقط من باب المجاملة الاجتماعية ومن باب أننا نحن
الجيل التسعيني نحترم الأساتذة الذين هم من عمر أجدادنا والذين لا
نذكر لهم نصوصاً حقيقية فنحن ننظر إليهم بعين بالشفقة والرثاء - إنني
لا أنتبه إليهم كثيراً لأنهم عاجزون حتى في أن يكونوا كلاسيكيين..
إنهم أفراد كل المراحل وكل الشعارات غير
راهننا الشعري الآن لا يمكن بحالٍ من الأحوال أن نتجه إلى ذلك القالب
المهتريء الذي كان في زمانه وهاجاً قاعدة لبناء النص الشعري
أن الكثير منهم يعاني وللحظة الراهنة غياب نصه ويعاني من التجاهل
وبعضهم لا يلقى حتى الاحترام ولا أريد أن أدير الكلام كما انتهج
البعض بأنه صراع أجيال، بل أقول بصراع النصوص في إطار التنافس فمثلاً
الوسط الثقافي وقصيدة (رجل بأسره يمشي وحيداً) ويعرفون الكثير ولا
يعرفون لبعض المدرسين المحسوبين على الحياة الإبداعية نصاً واحداً
غير قصاصاتهم الصحفية البائسة.
وما دمنا جيلاً يستحق الضرب وبأننا نوعاً من الكلاب والقرود فسأقول
الآتي، وانشروا هذا الكلام في الصحافة الجماهيرية إن أحدهم بل كلاهما
الذين شملهم الاستطلاع كتب عن أمية الرسول محمد, الأول رفضت مجلة
الناقد نشر مقالته لعدم صلاحيتها للنشر.. والآخر لم يكن حتى ليفكر
بالنشر اللهم أولاً في مجلته ذات العقار الخاص والمتعلقة بتراث شعب
بأسره والتي لا يقرأها إلا القلة وكان النيهوم مجايلهم يكتب عن أمية
الرسول في الناقد وفي كبريات المجلات والجرائد وفي حوارات مع كبار
المفكرين العرب وهم ينظرون.. لماذا لا يقتدون بمجايلهم الذي اشتغل
على نصه؟!!
الذي أريد أن أضيفه أن ينتبه هؤلاء إلى مشاريعهم الإبداعية أو
الأكاديمية.
ولو لم نكن نتمتع بأخلاق الحوار والمعرفة لما بادلناهم التقاذف
بالشتائم والتنكر والهزئ.. لكننا نحن الزهداء في مثل هكذا مهاترات
وقبل أن أنسى سجل يا أخي أن أحدهم كتب في الشمس عني عندما تعرضت
للكتابة عن أحد الشباب وقلت إنه تورط في كتابة الشعر بمعنى تورط في
عذاباته وويلاته وهو معنى جد إيجابي لمسألة الشعر قام هذا ولم يقعد
الدنيا وقال إن كلمة التورط تقال للأشياء السلبية وهؤلاء المعتوهين
الذين يفهمون الكلمة من خلال متحف الكلمات (القاموس) فهؤلاء أدعو
الله لهم بالحياة المديدة والعاقلة. |