آراء حول قصيدة النثر

مجـرد استـجابة لدعـوة

 

الشاعر: لطفي عبد اللطيف

 

 

أنا ممارس للتعبير أو البيان المصطلح عليه بالشعر لدى العرب.. المصطلح عليه بألفاظ مخالفة في اللغات الأخرى متفقة مع العرب في الدلالة.. ولن نخوض في هذا المفهوم المصطلحي الذي لم يتمكن من حقيقته الفلاسفة الى اليوم، والذي وضعت في دراسته وتأمله وتحليله آلاف الكتب والرسائل لدى كل أو أغلب الأمم، دون التوصل إلى إجماع على ماهيته.

 

ولو كنت فقط أتحدث إلى أساتذة من عصاميينا وأكاديميينا لاكتفيت بقولي أكتب الشعر..لكن، وبما أن هذه المساءلة والاستجابة موجهتان إلى كل الأجيال باختلاف وتنوع المعارف بدأت بالذي بدأت به.

 

فما هي أسباب اختلافنا نحن العرب -المعاصرين بالذات- حول فنون البيان?

لأننا نستخدم أكثر من فكر وأكثر من لغة، وهذا يسبب ارتباكا منهجيا حتى إن يكن المنهج المستخدم في لغته الأصل مستقيما وأسلوب استخدامه صحيحا. لأن إشارة القرآن الكريم لاختلاف الألسنة بوصفه مجموعة من الآيات يحتوي كثيرا من الحقائق العلمية التي لا يعقلها إلا العالمون.. باعتبار أن معنى "آية" في حد ذاته تتسع فيه الدلالة وتضيق حسب المستوى المعرفي لكل متلق على حدة.

فإن يكن البشر متماثلين في خاصية النطق والتكلم.. رغم أن اللغة الأولى واحدة.. إلا أن تفرعها وتغيرها في اللفظ وتركيب الجملة وتعدد أو تحدد أبنيتها وتحميلها الإفادة والتبيان والتمثيل والاستعارة والرمز الخ.. من علوم لغوية وتنظير سابق ولاحق.. ثم احتوائها باطنا واكتسائها ظاهراً بتراكم ثقافي لقوم أو قبيلة أو شعب أو أمة، وتلآزمها مع العقل في إسراره ¯ من سريرة ¯ وجهره بالعبارة..في كل ما يلمسه ويسمعه ويراه، الخ..القصة.. إنما الإنسان في ذلك واحد في حقيقة البيان، متعدد في آية أو ظاهرة اللسان بمعنى اللغة.. وبما أنه معد للتعارف من أجل التآلف والتنافر مكن الله له القدرة على التفاهم بالترجمة..بل مكن له أكثر من ذلك وهي قدرته على تعلم وتكلم أكثر من لغة، إما بالتعلم، وإما بالاكتساب من المصدر بحكم التجاور والقرب.

 

وقد يجد المرء نفسه أحيانا مرغما على الكلام في مسألة فكرية دون رسوخ في علومها، خصوصا في هذا العصر.. على الرغم من أن لنفس العصر شروطه في الإجازة بين المجيز والمجاز من شهادات تؤهل للبحث وتعميقه ثم الإضافة إليه أو الحكم عليه أو الإفتاء به.. تتمثل في مصطلحات إفرنجية من ماجستير ودكتوراه متعددة الصنوف والدرجات.

 

إلا أننا في مسألة علوم اللغة -وهي عماد العلوم الإنسانية- لسنا على ذاك المستوى من الحزم وصلابة الموقف.. حتى لكأننا غافلون عن مغبة ومسئولية التحذير من والتنكير على مفهوم "تحريف الكلم عن مواضعه".

إلى أن حدث هذا التسيب المهول افتراءً على حرية وحق التعبير.. وحرية الرأي.. والتجديد والحداثة..وإلغاء القواعد باعتبارها قيودا وقهرا ورتابة ونمطية..الخ.. ولقد قرأت ما بدأ به الأستاذان د.علي خشيم، و د.محمد وريث.. وتعقيبات الأساتذة الشعراء، علي صدقي عبد االقادر، وعذاب الركابي، ومفتاح العماري.. وهو جميل ومثرٍ -من إثراء- ومحرك للحوار الحي ضد هذا الركود والجمود والكساد المخيم على الساحة الثقافية المغيم على أولي العلم، وأهل الذوائق، وحملة الهم الثقافي العربي قطريا ومحليا.

 

وأسئلة الشعر كما اتفق البادئان لا تفي بحق الإجابة عليها المطولات والكتب.. فما بالنا بالمقال السيار حتى وإن استغرق صفحة بحجم صفحات الجماهيرية.. خصوصا إذا تعلق الأمر بمفرداته كلها من لغة وشاعرية وتمكن وتأصل ودرجة شفافية لدى كل من الممارس والناقد والمتلقي.. وأنا لا أميل إلى التنظير دون ضرب مثل.. لذلك أشرح بعض المراد بهذه التراكيب البيانية الثلاثة:

(جايين للدنيا ما نعرف ليه)

(جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت)

(لبست ثوب العيش لم أستشر)

 

الأول شعر محكي أو زجل، يقوم بنشره الغناء عن طريق "محمد عبد الوهاب"... تلقيه وفهمه كبير.

الثاني شعر معاصر لـ"إيليا أبي ماض"..أو "أبو ماضي" ينشره بالغناء "عبد الحليم حافظ".. تلقيه وفهمه أقل من الأول.. ولو أنني لم أقم بالإحصاء، للأمانة.

الثالث مترجم عن الفارسية شعر "عمر الخيام"، ترجمه "شعرا" إلى العربية شاعر هو "أحمد رامي" تنشره بالغناء أشهر مطربات العرب "أم كلـثوم".. تلقيه وفهمه وتذوقه أقل من السابقيْن.

القصد من الصيغ الثلاث كبير يتعلق بالوجود.. بالـ"كوجيتو" وأميل الى القول بأن الثالث أعمق وأبلغ وأكثر شاعرية. الصيغة الأولى لهجة عربية، والثانية فصحى منتمية الى الشعر المقفى أو العمودي بتوشيحة تجديدية في الشكل قوامها: فاعلاتن (لست أدري).. أما الثالثة فتتطلب دراسة منفردة مقارنة بين خصائص الفارسية والعربية وأساليب الاستعارة بينهما، بأسئلة هل تمكنت هذه من نقل أمين لجمال تلك. هل أضافت هل أنقصت الخ..

 

أضرب مثلا آخر حتى تكون الفكر أكثر وضوحا من خلال التناول بعالم لغوي كبير في زمانه وإلى الآن وهو "الخليل بن أحمد" وما وضعه من دراسات وبحوث مضنية أدت إلى علم العروض.. وقضية البحور.. وإمكانية أن تتحول إلى مائة ضعف أو أقل أو أكثر..

الخليل لم يجدف ولم يتخيل.. بل قدم تنظيرا مستشهدا عليه بأبنية قائمة استخدمت.. وحتى من ادعى أنه تدارك بحرا -وهذا فيه كلام- لم يتهمه أحد بشيء.. ولا رفعت ضده دعوى.

أما التجديفات الأخرى ذات العلاقة بمصطلح "موسيقى" اللغة.. فإنه ما لم يقم على بحث ودراسة من قبل متمكن من العلوم اللغوية.. والموسيقية.. وهندسة الصوت.. فإن أقصى ما يمكن أن يكون حكما فيه تلطف ومجاملة معه.. أن نستقبل ما يقوله استقبالنا لـ"عمر الخيام" يخبرنا بسماعه صوتا هاتفا في السحر يقول كيت وكذا..

 

أما حقيقة الكلام الملفوظ من لسان وشفتين بأي لغة بشرية كانت فهي قابليته للموسقة والتنغيم.. لأن تلك إحدى خصائص النطق المتجاوبة مع خصائص الصوت مع خصائص السمع.. بين جميل ومنكر.. وانكر الأصوات معروف.

 

وآخر مثل أضربه لأنهي التناول الاصطلاحي في هذه المساهمة.. هو ما رأيته في ندوة ذات مستوى في المرئية الفرنسية حول تـقنين الاعتراف بالزيجة بين أفراد الجنس الواحد.. امرأة بامرأة.. ورجل برجل والتـنصيص على شرعيتها في الأحوال الشخصية.. وقد كان من ضمن المشاركين فيها أحد اللغويين الذي قال أنه بحث في معاجم اللغة الفرنسية وأصول مادة مصطلحاتها فوجد أن كلمة "مارياج" تـفيد التعاقد أو الترابط بين شخصين كل منهما من جنس متعارف عليهما في لغات البشر بالذكر والأنثى.. فعلى المطالبين بهذا الحق أن يبحثوا عن مصطلح غير هذا للتفريق بين حالة قديمة متعارف عليها، وهذه الحالة الجديدة.. ولقد دخل مصطلح شعر ورجز وقريظ.. وغيره التداول منذ زمن يصعب تحديده.. قبل نزول القرآن بلسان العرب.. الذي استخدم بدوره مصطلح شعر.. وشاعر.. و(قول شاعر) و(شعراء).

كما استعير تعبير القصيد والقصيدة.. من مادة قصد.. ولها إفادات واستعارات عدة.. ناقة قصيد.. ورجل قصيد.. ورمح وسهم.. وعصا.. وغيره.. والصورة الاستعارية في الدلالة التي تفيد ثلاثة أبيات من القريظ.. كون الصدر والعجز كقطعتي رمح أو سهم انقسم بالتساوي.

 

وكما قلت في البداية مصطلح شعر بالمفهوم العربي القديم ومصطلح نثر.. موجودان في أغلب اللغات التي نشأت عن الإغريقية واللاتينية بحروف وصوائت مخالفة للعربية.

فإذا كانت الحداثة تعني التحطيم والاجتثات والتشظي، والتفجر والانشطار واللا ترتيب والل انظام واللا نمطية.. إلى غير ذلك من التعابير غير المفيدة، منقطعة الصلة بالجذور كشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.. فليبحثوا عن مصطلح جديد حداثوي -أو حداثي- للشعر.. وللنثر.. ولغيره من المصطلحات النقدية.. شريطة ألا تكون من لسان آخر.. فيقال لنا "البوويطيقا" على وزن السميوطيقا والاستيطيقا.. الخ..

 

يتبقى مثل واحد نؤكد به على إنسانية البيان، وكونه في كل اللغات.. وإن فيه ما يدخل تحت مصطلح شعر.. يتمثل في أنه لو أخذنا شعرا مترجما لكل من طاغور والخيام وإقبال وإيليوت وهوغو وهم شعراء ترجم لهم، ومنهم من حصل على جائزة نوبل.. ونستثني النص الإنجليزي لطاغور لأنه ترجم بنفسه.. لكن نأخذ المترجم له عن الإنجليزية.. فإننا لن نجد أكثر من معانٍ وصور استغراقها في المجازي هو ما يوحي بالشاعرية، مع علمنا المسبق بأن هذا المترجم شعر.. لكن هوية القصيدة المكتسية لكل صبغ وخصائص وتميز اللغة الأصل غائبة منزوعة منها.. وحتى لو قام شاعر بترجمة القصيدة ستأخذ خصائص لغة المترجم كما هو الحال في رباعيات الخيام لأحمد رامي.. ويعتبر شطحا أي نقد للنص ما لم يكن الناقد متمكنا تمكنا كاملا من لغة الأصل واللغة المترجم إليها.

لقد قال "محمد الدنقلي" وهو شاعر يمارس نصه باللهجة المحكية، والتي يمكن أن تسمى أيضا غير المعربة في قصيدة حديثة موزونة مقفاة ما أنقله إلى الفصحى (أريد لغة بلا لغة.. بلا باء وبلا ألف.. أروضها كما مهرة، وأسرجها -أي يضع على متنها سرجا- الخ..) هي إذن لغة بلا لغة وبلا أبجدية.. وإن تكن مهرة فهو –تـلقائيا- مصر على ترويضها وتكريمها بوضع سرج.. ألا يمكن للناقد أن يقول هنا إن الترويض يعني القواعد والسرج يعني الجمال ولو كان الشاعر في الأساس لا يقصد ذلك وإنما يعبر عن ملل الإنسان وتململه الفطري من السائد المعهود المألوف.. ويمضي "الدنقلي" في هذه القصيدة فيقول عن تلك اللغة أنه سيحملها كما يحمل سيزيف صخرته.. وهنا إشارة واضحة وتلقائية للمعاناة استعملت التراث الإنساني الأسطوري بالرغم من أن كثيرا من الليبيين لا يعرف سيزيف.

 

وقد ضربت هذا المثل لأؤكد على أننا محبون لمن بعدنا صادقون معهم إذا حكمنا بأن هذا شاعر -على قدر معرفتنا وتجربتنا لا أكثر- أو أن هذا واعد أو أن ذاك في حاجة إلى مراجعة مكتسبه ومعرفة قدر نفسه، والتحلي بخلق الوقوف دونه.. فللحب مع الرأفة صرامة وعزم.. والمحب لا يكذب.

 

وفي هذا كفاية. وما لنا، ولا ندعي الوصاية على أي أمر أو قضية.. وما هو إلا محاولة لإثراء ساحة المعرفة.. وياليته كان جهدا موجها لما يفيد الأمة فيما هو أهم من أحوال واقعها المعيش.

 

[قائمة المقالات]


ملفات | الرئيسية