آراء حول قصيدة النثر

أما الآن وقد (تحررت) فلي أن أبدي رأيي بكل حرية

 

الدكتور علي فهمي خشيم

 

 

سؤالان قد يبدوان بريئين ساذجين لكنهما يحملان في طياتهما الكثير من الدلالات والمعاني والإشارات!

 

وأجيبك عن سؤالك الأول بثلاثة أسئلة أولها: ما معنى أن تصبح القصيدة العمودية "دقة قديمة" - وهو تعبير مصري عامي دارج - لمجرد أن ثمت من يزعم هذا الحكم الباطل؟ وثانيها: وما ذاك الحكم الآخر على القصيدة العمودية أنها تجاوزت زمنها أو تجاوزها الزمن؟ وثالثها: كيف تجزم أن هذا العصر يسود فيه خطاب اللانمطية؟

 

ثم أقول: القصيدة العمودية -كما أسميتها- هي ذاك النمط من القول الشعري الذي أتبعه العرب منذ إكتمال فن الشعر لديهم في العصر الجاهلي وما بعد الإسلام إلى عصور متأخرة. هذا صحيح.. غير أنه لم يمنَع من التجديد في داخل النظام الشعري بعد ذاك كما حدث في الموشحات الإندلسية مثلاً وما تلا بأزمان في الشعر الحديث خاصة في القرن العشرين (بالتاريخ الافرنجي) وذلك را جع إلى أن كثيراً من شعراء العربية أحسوا بالحاجة إلى ضرب من التنويع الفني في الشعر، كما حدث في فنون أخرى كالموسيقا والتصوير والغناء. وهل نوع من التطور الطبيعي وهو كله كان ضمن الإطار المنظم لفن الشعر، أو لنقل صناعة الشعر، وهو النظام الذي صار صناعة كما هو حال فن الموسيقا على سبيل المثال ثم ماذا؟

 

بعد أن أبدع شعراء كبار في العصر الحديث أعداداً وفيرة من قصائدهم اتبعوا فيها " تنويعات " في التفاعيل والقوافي محافظين في الوقت نفسه على نسق الشعر العربي " العروض " ذهبت مجموعة أخرى إلى التحرر من القافية بإعتبارها قيداً يحد من دفقهم الشعري ولكنهم حافظوا على (التفعيلة) التي تبرز الموسيقا الخارجية للشعر وتلذ لآذن المستمع، كان ذلك في أربعينيات القرن الماضي ولمعت أسماء السياب والبياتي وأضرابهما من أمثال أمل دنقل وغيره. الملاحظ أنه كان لأصحاب هذه الموجة قضية، أو قضايا، يدافعون عنها بصرف النظر عن الاتفاق معهم أو الاختلاف. حسن. ثم ماذا؟

 

شيئاً فشيئاً ظهر ما يدعي (قصيدة النثر) أو (الشعر المنثور) أو (شعر الحداثة) أو ما شئت من التسميات، هنا تخلى من يسمون أنفسهم " شعراء " عن العمود والقافية والتفعيلة و كل ضوابط فن الشعر وطفقوا يقولون كلاماً.. أي كلام.. باعتباره شعراً وينشرونه على الناس.. ربما كان أبرز من يمثل هذه الموجة أحمد سعيد (أودنيس) و يوسف الخال وأنسي الحاج في الشام وتبعهم جيل آخر مثل محمد بنيس في المغرب وحلمي سالم في مصر - ولا حاجة لذكر من ظهر في ليبيا وتونس وبقية أقطار الوطن العربي فإن أسماءهم تشع كل يوم على صفحات الجرائد والمجلات وترن في الإذاعات المرئيات والمسموعات. باهي؟!

 

نعود إلى نهاية السؤال الأول: سيادة خطاب اللانمطية - إن هذه (اللانمطية) التي تتحدث عنها لا تتحدث عنها لا تعني شيئاً سوى اللانظام، اللانسق، اللاترتيب، أي: الفوضى، ويجب ألا نخدع بهذه الكلمات الرنانة الطنانة بل نحدد دلالتها ونعرف معناها. وقد ذكر لك أن الشعر فنً مثله مثل الموسيقا، فهل تتخيل جاهلاً بقواعد الموسيقا وفن العزف يمسك بآلة ما تم يشرع في خبط أوتارها أو الدق عليها أو نقرها؟ ماذا ستسمع؟ ضجيجاً يليه ضجيج يصم الآذان. لا متعة فيه ولا إحساس ولا ذوق ولا لذة ولا فائدة ولا...

كلمة "عروض" بفتح العين -في العربية التي تعني موازين الشعر ومقاييسه ونظمه- بضم النون والضاد - ذات صلة باللاتينية (أردو) ومنها الإنكليزية (أوردر) أي: نظام، ترتيب، نسق، تنسيق، ومعنى هذا أن العرب لم يكونوا يجهلون قيمة النظام في فنهم الرفيع ويفرقون بين الشعر المنظم (المنظوم) و النثر، وليكن نثر كهان في الجاهلية أسموه السجع (من سجع الحمام أي هديله الرتيب) أو نثراً فنياً له ضوابطه الذي ازدهر إبان سطوع الحضارة العربية في العصر العباسي، أو مقامات تغلب فيها صنعة اللغة على صناعة الشعر كمقامات الحريري والهمذاني.. ألخ.

 

في الشعر تعددت الموازين (التفاعيل) وتنوعت موسيقاه في مئات آلاف القصائد والمقطعات والأغاني والأناشيد بشتى ضروبها، لكنها ظلت تسبح حرة طليقة في ستة عشر بحراً عميق الغور من بحور الشعر العربي تتفرع منها عشرات الفروع والجداول الرقراقة، ولم يشَك أحد من الشعراء الحقيقيين من ضيق المجال للتعبير عما في نفسه أو عن موقف من المواقف.. مهما كان.

الشعر أصلاً فكرة تخطر في البال وتشغل صاحبها، نتيجة موقف عاطفي وجداني قد يكون حباً إنسانياً أو لوضع إجتماعي أو وطني أو تسليط الضوء على أمر ما أو شيء ما. من هنا عرفنا ما يدعى (أغراض الشعر) أي مجالاته وأهدافه من وصف ومدح وذم وغزل وفخر وخمريات وغيرها. لكن العاطفة في أية صورة من صورها هي الأساس تتحول إلى فكرة بعد الشعور بها، ولذا ارتبط الشعر بالشعور، بالإحساس أهم بواعث الشاعر ليقول قولاً يجد في طبيعته الفنية وسيلة لإبلاغ المتلقي/ السامع/ القاريء ما يعتمل في وجدانه وتصطخب به روحه، فإذا لم يتحقق ذلك يظل كلاماً لا يدخل في دائرة الشعر ولا يحسب منه بحال من الأحوال، مهما تذرع أصحابه بأنهم من اتباع " اللانمطية " -أعني الفوضى- التي تتحدث عنها في سؤالك.

 

نأتي إلى سؤالك الثاني: هل الشعر الحر لمن لا يستطيع أن يكون شاعراً؟

وأحسب أن سؤالك يتضمن الجواب. ولكن دعني أقول لك شيئاً: لنحدد أولاً معنى (الشعر الحر). ظهر هذا المصطلح وذاع أواسط القرن العشرين وكان المقصود به القصيدة المتحررة من القافية الواحدة التي قد تقيد الشاعر فيضطر إلى استعمال مفردات لم يحس بها في باطنه لمجرد أنها توافق ما قبلها من قوافِ. لا بأس،فقد حافظ القوم على التفعيلة (العروض) واحتفظوا بموسيقا الشعر، مع بعض " التنويعات " المقبولة على كل حال. ثم - وهنا الموضوع - ما لبث بعض أدعياء الشعر أن تخلصوا من القافية والتفعيلة معاً وصاروا يرصّون كلاماً، مجرد كلام، ويزعمون أنه هو الشعر (اللانمطي) كما ذكرت، وهذا ما دعوه (شعر الحداثة) وجاء بعدهم من سمى ما يليه (مابعد الحداثة) أو (حداثة الحداثة) وهي تسميات لا تعني شيئاً سوى.. التخريف والهذر.

 

يجب أولاً أن نفرق ما بين (الشعر الحديث) وهو ما بدأ أوائل القرن العشرين و(شعر الحداثة ) الذي بدأ أوائل الستينيات نفس القرن ثم عمَّ وطمَّ. هناك فرق كبير بينهما ويبدو أن الكثيرين لا يفرقون بين الأمرين، الطامة الكبرى أننا صرنا نقرأ ونسمع أن شعر الحداثة هذا صار يقسم إلى عقود: شعر الستينيات، شعر السبعينيات، الثمانينيات، التسعينيات، وربما يقسم إلى سنوات، كل سنة لها شعر ولها نمط من اللانمط وقد يتحول الأمر إلى تقسيمه إلى شهور، وربما أيام.

والأمر لله من قبل ومن بعد ذلك راجع إلى أنه لا نمط، لا نسق لا نظام لهذا المسمى، ظلماً وعدواناً، شعراً ويدعى أهله، أو يدعون هم أنفسهم شعراء دعني الآن أذكر مميزات - وليس مزايا –شعر الحداثة هذا.

 

1- لا وزن، لا قافية، لا ضوابط موسيقية.

2- لغة ضعيفة ركيكة تدل على ضحالة حصيلة صاحبه اللغوية وفقره الشديد في ألفاظها الموحية ومفرداتها الدالة.

3- في بلادنا خاصة نلاحظ عدم التمكن من قواعد اللغة أعني نحوها وصرفها، إن لم أقل الجهل بها.

4- التركيبات اللفظية غير المنطقية ووضع كلمات في غير موضعها.

5- والأهم أن هذا الكلام لا يحمل فكرة ولا مضموناً يدرك القارىء- أو الساعة أبعادها ومراميها.

6- يتبع هذا فقدان الصلة والاتصال بين (الشاعر) والمتلقي وانصراف الأخير -وله حق- عن هذا الشعر وربما عن عالم الشعر برمته.

 

المصيبة أن أصحاب هذا القول يصرون على تسمية ما يكتبون (قصيدة النثر) يعني شنو؟! القصيدة تعني شعراً له ضوابط فنية، فكيف نقول (شعر النثر)؟ ما معنى هذا التعبير الغريب المتناقض منطقاً وعقلاً؟

 

المصيبة الأخرى أن كثيراً منهم عندما تناقشه في أمر لغته الركيكة الضعيفة مفردات ونحواً يقول لك: مهمتي تحطيم اللغة، تهشيم هذه اللغة، تدميرها.. فالح والله !! وماذا بعد؟ هل جئت ببديل أحلى وألطف وأرق وأقدر على التعبير عما في نفسك؟ هل طورت هذه اللغة؟ هل أسهمت في نموها وازدهارها؟ صمت مطبق.

 

المصيبة الثالثة إن كل من هبّ ودبّ شمرّ عن ساعده وشرع (يخربش) أي كلام فيجده منشوراً ببنط 16 في صحيفة ما وربما في صحيفتين أو ثلاث دفعةواحدة وبعد قليل نراه (ديواناً) في خمسين صفحة من القطع الصغير يسطع على غلافه اسم الشاعر (أو الشاعرة) بالبنط العريض حتى تكومت لدينا أكداس من (الدواوين) لا تعد ولا تحصي.

 

أما رابعة المصائب فتكمن في المسؤولين عن الصحف والصفحات الثقافية بالذات (هكذا.. بصراحة) إذ اسهموا -بدعوى التشجيع- في خداع الشباب المتطلعين إلى ولوج عالم الشعر عن أنفسهم بنشرهم هذا الغثاء السخيف.

 

وخامستها تكمن في قصور الحركة النقدية لدينا، بل ركودها أو هو عدمها. مهمة الناقد أن يُبين لقارئه أو لشاعره مواطن الضعف ومواطن القوة في ما يقول أو ينشر وليست مهمته (الطبطبة) على الأكتاف وكلمات المديح: (يا سلام.. روعة.. حاجة هايلة.. استمر أو استمراري) ! هل تذكر -أو هل تعرف- تلك الصبية المتشاعرة التي فتحت لها أبواب الصحف والتلفزات والجامعات والمنتديات والمعارض (في الداخل والخارج) حتى أصبحت (الناطقة الرسمية) باسم عالم الشعر والثقافة في ليبيا؟ هل هذا شعر؟ هل هذه شاعرة؟ أهذه صورة الشعر في بلادنا؟ هل تحولنا إلى (أضحوكة) عند الآخرين؟ في رأيي أن من وراء مثل هذا الهراء يستحق الجلد لأن الأمر -ببساطة- إساءة للوطن ولصورة بلادنا الشعرية والثقافية.. لا جدال.

 

هذا يذكرني بالوجه الآخر من حالة الشعر عندنا، إذ يعمد أحدهم - أو إحداهن إلى رصد عدد من الكلمات موحدة النهايات تجعل قواف في صفحة ثم يُشرع في ملء ما قبلها سطوراً كسيرة أجنحة الوزن مُحطمة اللغة فاقدة الصورة والمعنى والدلالة، وتحسب من الشعر العمودي المقفى.. إساءة إلى الشعر عموماً والذنب ذنب (النقاد) الصامتين صمت القبور، ولعلني ألتمس لهم عذراً في صمتهم المطبق.. إذ بلغ بهم القنوط من إصلاح حال الشعر حده.

 

سادسة المصائب تأتي من تلك الضراوة الشرسة التي نواجه من يبدي رأيه بصراحة (مع أن حرية الرأي مكفولة في بلادنا.. والحمدلله) فيتهم مرة بأنه رجعي متخلف، أو أن الزمن فاته ولم يعد يواكب التجديد والتحديث، أو أن له أغراضاً يخفيها، أو هو ضد الشباب والجيل الطالع المتطلع إلى آفاق المجد الشعري، وهو يسدَّ الطريق أمام (المواهب) و(البراعم) و(الزهور المتفتحة) في صحرائنا القاحلة ! هل أعدد لك بقية (المصائب) وإلاّ بلاش؟!

 

فلأختم إذن بمصيبة المصائب:

إنهم لا يقرءون، وأنت تعرف حتماً أن (من قرأ كتب) بالضبط مثل: من جدّ وجد ومن زرع حصد! وهم يقلدون دون وعي بحقيقة ما يقلدون فمثلاً: مع أن للشعر العربي خصوصيته وخواصه فلا ضير في الإطلاع على شعر الأمم الأخرى بل هو مطلوب فهل يعلم هؤلاء (الشعراء) أن الشعر الإنجليزي، على سبيل المثال، وحتى الحديث -أو الحداثي منه- لا يخلو من مقاييس العروض، وأنه بالقطع يحمل فكرة أو فكراً؟ وهل يدرون أن الترجمات المتهالكة، وهي نثرية، جعلتهم يحسبون أن هذا هو الشعر فعلاً؟ لمن قرءوا في لغاتهم الأصلية من الشعراء؟ وماذا علموا عن فن الشعر عند ( الآخرين )؟ قل لي..

لقد كنتُ في وضع (أو موضع ) منعت فيه نفسي من التعرض لأحد حتى بمجرد النقد مهما كان مستوى (شعره) وشكله.، أما الآن وقد (تحررت) فلي أن أبدي رأيي بكل حرية، وقد آن الأوان للتوقف عن خداع أنفسنا وغش الآخرين وألا نقول (باهي) إلا لمن كان (باهياً) حقاً وصدقاً.

 

مرة ثانية (سؤالك) هل الشعر الحر (وأحسب أنك تقصد شعر الحداثة) لمن يستطيع أن يكون شاعراً؟ يحمل في طياته الجواب !

 

ومعذرة.. فالمجال هنا في هذه المساحة الضيقة من صحيفة سيارة لا يسمح بتقديم النماذج وعرض الأمثلة. ربما تسنح فرصة أخرى وفي مجال أرحب الاستعراض بعض (الروائع) التي نتحف بها كل يوم من هذا الشعر المنثور، أو النثر المشعور، البديع الرفيع !

 

[قائمة المقالات]


ملفات | الرئيسية