|
أراء حول قصيدة النثر في ليـبـيا
(جزء من استطلاه
صحيفة الجماهيرية حول تجربة الشعر الحديث، باستطلاع مجموعة من
الأدباء والكتاب الليبيين)
استطلاع: عـبدالـسلام الفـقـهي
كانت القصيدة ولازالت تمثل للشاعر اللون الذي ينظر للحياة من خلاله
بشكل مُختلف وخلوده الماثل في وعي الأنا بالآخر، هي مناورة من نوع
خاص، لا تستجيب لدوافع المادة تهميشاً لخصوصية الذات، ولا تجعل في
المقابل للأنا حضورها اللاغي لدلالاة البعد الإنساني, ولكنها تجعل
بين هذا وذاك ربطاً ضمنياً عبر مفازات اللاوعي ليعطي للذات كينونتها
ووجودها بعيداً عن لغة التسطيح وضحالة التصوير، هو بُعد تحركه
تدويرات التجريد تأثثه بنيات الدلالة وأرضية الخيال الخاضع للتراتبية
الذهنية في آن، ولا يعكس في فضاء التعبير إحداثيات الصورة فيه إلا
ليمارس لغته الحية المستمدة من قدرته على خلق جدل يُمهد الطريق لوقع
خاص ينطبع في الذهن، و كأثر حسي ينعكس على النفس بإفرازه تمثلاً
يحاكي المسافة بينه وبين الشاعر ولا تنتزعه ضرورة الاستشهاد إلاّ
بقدر ما يعزز جمالية التخيل وربطها بين الممكن والمحتمل.
رحلة هو الشعر في وعي المُبدع، تتقاذفه أمواج من تصورات وآراء ودوافع
يستند عليها الشعراء كمدافعين عن محراب الكلمة ويلاحقها جدل لا ينتهي
بين شذ و جذب بين مؤيد ومعارض، وتنظيرات الفلاسفة هي خير دليل على
ذلك، سواء أكانت في العصور الماضية أو حتى وقتنا الراهن والتي لازالت
تثير بين الحين والآخر في بعض جوانبها النفسية.والفنية منها مفاهيم
وإستنباطات تُعرف بالنص وملكات الانفعالية وتوحدها مع صوره التي
يحدثها في وجداننا كبشر، فما بينه أرسطو مثلاً في فن الشعر كونه
يعتمد على خداع نفس القارئ أو المستمع وتحريك قواه العاقلة بحيث تؤثر
على قواه غير العاقلة وقدرة المُحاكاة على تحسين الأشياء وتقييمها قد
وجد صدىً له عند الفارابي الذي حاول أن يتحدث عن التخيل الشعري
ويناقش طبيعته وتأثيره في القوة النزوعية للمتلقي، ومن ذلك يتوالى
الفهم والتأطير البلاغي خصوصاً في القرون الهجرية الأولى كاشتغال
المعتزلة وتصنيفاتهم متجسدة في اجتهادات اللغويين مثل يونس بن حبيب
والخليل بن أحمد وكذا اهتمام المتكلمين فيما يتصل بدراسة القرآن نفسه
كما فعل الجاحظ والنظام في النصف الأول من القرن الثالث الهجري،
وإضافة الكندي من خلال ترجماته لكتاب الشعر لأرسطو بالإضافة إلى ما
اشتغل عليه علماء القرن الخامس والسادس الهجري، فمن التشبيه الذي وضع
في المقام المتقدم باعتباره مرجعاً للشاعرية قبل القافية والوزن إلى
الاستعارة والمجاز والتمثيل وتساؤلات تطرح في إمكانية اعتماد القصيدة
على الشكل بالدرجة الأولى أم على المضمون أو كلاهما معاً، ومدى تجسيد
المعنى وتصويره لبيئة الشاعر من عدمه أو تقليده لأسلافه ووقعه في شرك
العقم.
معركة صمدت فيها القصيدة العمودية إلى أن جاء من نسف مواضع الاستقرار
فيها وذلك بظهور شعر التفعيلة أو الشعر الحر والذي ضرب بالوزن
والقافية عرض الحائط، وبذا كان لنا أن نطرح سؤالين مهمين بالخصوص.
- هل القصيدة العمودية أصبحت " دقة قديمة " تجاوزت قضيتها وزمنها في
عصر تسود فيه اللا نمطية ويأتي سؤالنا الآخر..
- هل الشعر الحر لمن لا يستطيع أن يكون شاعراً. |