رفضنا للتبعية تبرير لعجزنا عن المواكبة

 

ربيع شرير

 


في سبتمبر عام 2001م، اقترحت مجلة أفق الإلكترونية – التي اعتبرت آن ذاك أكبر متنفس للأدباء الليبيين عبر الإنترنت – اقترحت أن يكون محورها لذلك العدد هو المثقف والنشر الإلكتــروني.. وقد نشرت مقالتين من ليبيا حول هذا الموضوع الأولى بعنوان - النشر الإلكتروني (الهوية والهوية الضائعة).. للكاتب رامز رمضان النويصري والثانية بعنوان - ثقافة الشبكة.. ضرورة مهملة.. للمتحدث.

وعلى أثر ذلك قمنا في إذاعة الزاوية المسموعة بإعداد حلقة حول الأدب الليبي في الإنترنت، وكان من الطبيعي استضافة رامز النويصري باعتباره أكثر الليبيين حضوراً في هذا المجال عبر موقعه الإلكتروني بلد الطيوب إضافة إلى الشاعر الكويتي محمد النبهان رئيس تحرير مجلة أفق الإلكترونية الكويتية - لإطلاعه على التجربة الليبية في الإنترنت.

وإذ تتقاطع تلك المحاور مع محور اليوم فإن ذلك يشكل بحد ذاته وعياً بأهمية الإنترنت في الانتشار الثقافي والأدبي والإعلامي، كما يشير إلى حيوية المواضيع التي يقترحها قصر الثقافة، لتكون محل نقاش.

أيضاً هذا المحور لم يدفعني لكتابة ورقة حوله بقدر ما دفعني لإعداد ورقة تضم مقتطفات مما كتبت سالفاً وبعض الإضافات التي يفرضها الحال الراهن للإنترنت في ليبيا.

*          *          *

 

يقول - ميتشيو كاكو في كتابه - رؤى مستقبلية.. لقد " طور علماء البنتاجون كثيرا من العجائب الإلكترونية اليوم، بما في ذلك المؤتمرات الفيديوية، والواقع الافتراضي والأقمار الاصطناعية والإنترنت وأبقوا عليها في سرية تامة،بعيدة عن عيون الجمهور.

 ويشعر بعض محللي الحاسوب أن هذا الشغف بالسرية، في أثناء الحرب الباردة، أخّر ثورة الحاسوب سنوات عدة، وهو المسئول عن التطور غير المتسق لهذه التكنولوجيات، تاركا ثغرات غريبة لم تسد إلا الآن من قبل مبرمجي الحاسوب ". ويرجع ميتشيو هذه السرية لاستراتيجيات الحرب الباردة، لكن ما لا يعرفه هذا الكاتب أنه حتى عندما أفرج البنتاجون عن بعض الأسرار العلمية الإنسانية رفضنا استسقائها، إما لرفضنا الشعاري للمنتج الغربي أو لعدم إدراكنا لحيوية المادة العلمية ودورها في إحياء الخلايا المخية الميتة التي أورثنا إياها التاريخ الاحتلالي للمكان وتقنينه للمعرفة- لضمان الأمن – على مبدأ أن الدكتاتور الذي هو بطبيعة الحال يمكن أن يكون عدوا أو مستعمرا كلما سمع كلمة ثقافة تحسس مسدسه – لقتلها.. أو تقنينها وتوجيه ما تقنن منها، والغريب هو أننا حتى الآن نتعامل مع النتاج العلمي والفكري الإنساني بمنطق عدائي، أما المستقبل فهو دلالة راسخة للتبعية التي نرفضها، مع أن التبعية ذاتها هي التي جعلت من أرض منسية اكتشفها كولومبوس ليس لها انتماء أو تاريخ حضاري مؤثر يمنعها من التبعية تصبح أكثر الدول تصديرا للتقنية الحديثة، أو إلى الثقافة الحديثة إن صح التعبير.


الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه يقول (2) في مجلة الوطن العربي العدد 1123 :

"ضل العرب جميعا يراوحون مكانهم، بينما كان الغرب ينطلق بأقصى سرعة، في ظل المكتسبات الحديثة من الحرية والديمقراطية وتقدم العلم.. وهكذا اتسعت الفجوة الحضارية
بيننا وبينهم، فتقدموا وتخلفنا، ولذا لا يشغلني أمس واليوم وغدا سوى هذه القضية.. قضية التقدم والنهضة.. لأنني لا أرى مكانا في النادي الدولي للقاعدين والمتخلفين عن ركب العلم والحضارة ".

على ضوء هذا القول نحن لن نجد مستقبلا لنا إلا في منجز غربي لابد لنا من العبور خلاله كي نحقق المنجز العربي. ومن ضمن هذه المنجزات على سبيل المثال لا الحصر، الشبكة العالمية للاتصالات، الإنترنت، هذا الديناصور الصغير الذي إن لم نتداركه في بيضته سينفلت من مقدرة إدراكنا مستقبلا.


في عام 1991 كان العنكبوت بيرنرز (الذي نسج أو أطلق الشبكة بمركز البحوث بسويسرا) يعلم جيدا أن ما قام بابتكاره ليس سوى حجر آخر يأخذ مكانه في صرح الانفلات التكنولوجي الذي شهده الربع الأخير من القرن العشرين والذي سيتواصل بشكل يشبه إلى حد كبير الانقسام الثنائي في الخلية الواحدة أي أنه لن يعترف بنسبة التقدم التقليدية بل سيعترف بمنطق التضاعف المتسارع كحصيلة لسنوات من التقدم في العلوم التطبيقية والإنسانية منذ صنع العالم الفرنسي باسكال آلة الحساب الميكانيكية إلى صناعة الترانزيستور في الجيل الثاني للحاسب واستخدام الجيل الثالث للدوائر المتكاملة وحتى ابتكار الإنترنت والبيوت الإلكترونية. هذه الخطوات الجادة تجعل العالم غير قادر على استيعاب ما أنجزه، هذا الأمر يعني أن التحدي الأكبر للدول والأفراد هو مواكبة ما يحدث من تطورات وإدراجها في خطط التنفيذ على أرض الواقع، فعندما تؤكد إحدى القنوات التلفزيونية العربية أن ستة دول عربية من أصل عشرين دولة في العالم مصنفة تحت اسم (أعداء الإنترنت) فإن هذا يجعل من التحدي أكثر استعصاء ويجعل من المستقبل أكثر سوداوية مادمنا حتى الآن نعاني من الأمية المعرفية والتكنولوجية.

 

شبكة الإنترنت ليست نهاية المطاف، لكنها تعتبر مبادئ لولوج آفاق أرحب، ولا يمكن وصفها بأنها تهيئة لاستخدام التقنية الحديثة فقط، بقدر ما تعتبر تهيئة نفسية لاستقبال هذه التقنية وهي العمود الفقري للمستقبل، وربما لن يكون كابل الهاتف حبلا شوكيا له، فالأثير سيكون مكتظا بالمعلومات تأخذ ما تريد وتضرب ما لا تريد عرض الحائط، دون تدخـّـل من أحد وبحرية تامة.


وهذا ما يمكن وصفه حقيقة بالديمقراطية الإلكترونية.. وهي ديمقراطية ينتجها العلماء لا الفلاسفة وفي ضني أن ديمقراطية العلماء الذين ينحازون للمادة، هي أقرب إلى الواقع من ديمقراطية تنتجها
اضغاط أحلام.

لكن وللأسف.. علاقتنا مع الآلة علاقة مضربة جداً

جادت علينا الصحراء بذهبها الأسود فاتخذنا قرارنا دون تردد في أن نكون مجتمعا مرفها، من خيامنا دخلنا القصور دون أن نعرف شيئا عن بيوت الصفيح والأكواخ ومنازل العائلات متوسطة الدخل، نزلنا من ظهر الدواب وركبنا- القوالف والمرسيدس - دون أن نعرف شكل الدراجة الهوائية أو العربة البخارية، نحن لم نكن نحرق المراحل لأننا لم نمر بتلك المراحل أصلا، ولهذا ليس بالغريب لو تعطلت بأحدهم سيارة فقال لها ( تر )،فهي تعبير بسيط عن مفهومنا للعلاقة بين الثقافة والتقنية، لذا كان يجب علينا تثقيف أنفسنا بكيفية استخدام الآلة قبل أن ندخل عالمها، وهذا الذي لم يحصل مع الإنترنت.

فكأي صرعة جديدة تعاملنا مع هذه التقنية، انتشرت مقاهيها، وتزايد الإقبال عليها بشكل ملفت وغير محتشم.

كأمي في التعامل مع الشبكة يمكنك التباهي بأنك دخلت المقهى، ولا يمكنك التفاخر بالحصيلة التي خرجت بها، قليل من الدردشة، لحظات من الصمت أمام مواقع لا يتسع لها إدراكك، وحفنة من المشاهد الخليعة، وتسعد لمواكبتك تقنيات العصر، مفهوم الإنترنت لدينا خرج عن كونه ضرورة ليصبح إكسسوارا حياتيا هامشيا وهنا مكمن التضارب والارتباك في التعامل معه، عليه كان الأجدر بالدول المستهلكة لهذه التقنية أن تقوم بتثقيف مستخدمي الإنترنت بالكيفية المثلى لاستخدامه، لضمان تدشين صحيح على أسس مدروسة في اتجاه الاستفادة القصوى،لكن هذا الذي لم يحصل، فسوء الاستخدام أصبح عادة، واقتلاع العادة أصعب من زرعها كاستحداث، كيف نعلـِّم الذي دخل من الشباك الخروج من الباب، ربما يستوجب علينا توجيه المستخدم للاستفادة من هذه التقنية، وإن كنت رافضاً لمبدأ التوجيه.

الإنترنت سيغزو العالم ويمكن لشخص جالس في منزله يملك الفطنة والذكاء أن يتحكم في السوق الدولي، يمكن للمريض أن يتلقى التشخيص من طبيبه المتواجد في طرف الكوكب دون أن يكلف نفسه عناء السفر والتكاليف الباهظة، يمكن للمواطن العربي المشاركة في جلسات البرلمان ومراسلة رئيس الدولة ورئيس الوزراء عبر الشبكة.. وربما يمكن للمواطن الليبي المشاركة في المؤتمرات الشعبية وهو في منزله جالس وراء شاشة الكمبيوتر، أوفي مقر عمله، ومن شأن ذلك أن يحافظ على مظاهر الحياة العامة ولايؤثر سلباً على حركة التجارة والاقتصاد كما هو حاصل الآن.. أنه عالم اللامحدود، عالم الكوكبة المعلوماتية والثقافة الحرة والاقتصاد المفتوح.

هذا على مستوى التعامل مع هذا المنجز أما على مستوى حضور الأدب والثقافة الليبية على الشبكة، فهو حضور محتشم إذا قورن بغيره..

تؤرخ المصادر المطلعة إلى أن أول موقع يضع من بين اهتماماته الأدب الليبي هو موقع – ليبيا وطننا – الذي تأسس عام 1995 وكان بذلك من أول المواقع العربية في العموم ( *) غير أن اتجاهاته وأسلوب طرحه حال دون الاعتراف به أو الاحتفاء به، إن صح التعبير، وهذه إشارة للأمانة فقط.

وتتالت بعد ذلك المواقع التي سدت عجز الإعلام والمؤسسات الثقافية الرسمية، الأمر الذي دفع الجهات المختصة في ليبيا إلى استيعاب هذا المنجز والبدء في إطلاق مجموعة من المواقع الإلكترونية التي كان من بينها موقع المؤسسة العامة للصحافة متضمناً منشوراته اليومية والدورية، ويقول موقع ميدل است أون لاين في هذا الشأن :

(تنتشر عشرات المواقع الإلكترونية الليبية من صحف رسمية مثل صحيفة "الجماهيرية" و"الشمس" و"الزحف الأخضر" و"الفجر الجديد"، ومواقع للإذاعة الليبية، ومراكز دراسات وبحوث، مثل موقع دراسات وبحوث الكتاب الأخضر.

ويلحظ الزائر لهذه المواقع، على الرغم من كثرتها وتعددها، وحدة المضمون في خطابها السياسي والفكري وأخبارها وتقاريرها، حتى إنها قد تبدو للمتصفح موقعا واحدا، وإن اختلفت أسماؤها، فالأخبار يحظر جلبها من غير وكالة الأنباء الليبية، المعروفة بـ (أوج)، والتي يمكن استقبال بثها بشكل مجاني على الشبكة".

ولا تحظى المواقع الليبية الرسمية، حسب إحصائيات مقياس "أليكسا" الدولي بشعبية كبيرة، وأغلبها يشكو من ضعف الزائرين وندرتهم)

ومن بين هذا وذاك تطفوا على السطح مواقع أنجزت بمجهودات فردية من أهمها موقع بلد الطيوب الذي أصدره رامز النويصري عبر موقعه الشخصي خربشات، وقد ساهم هذا الموقع في التعريف بالأدباء والكتاب الليبيين وخاصة الشباب منهم ونشر نتاجهم الأدبي والفكري حتى شكل المصدر شبه الوحيد للمعلومات الشخصية للأدباء إلى الوقت الذي أصدر فيه عبدالله مليطان معاجمه المختلفة.

لكن بلد الطيوب بعد ريادته في هذا المجال أعلن عن توقف مجلة المقتطف الصادرة عنه والتي تعتبر من أهم ركائزه، وقالت صحيفة ليبيا اليوم في هذا الِشأن :

(يبدو أن هذا الشهر هو شهر تفشي دائنا الثقافي الذي حققنا فيه أرقاماً قياسية وهو توقف منشوراتنا الثقافية ولكن هذه المرة على المستوى الالكتروني، فبعد أن تأكد موت مجلة فواصل التي يشرف عليها موقع عين ليبيا الثقافي، والتي استبشرنا بانطلاقتها قبل بضعة أشهر، ها هو صديقنا العزيز الشاعر رامز النويصري يرفع الراية ويعلن توقف مجلة المقتطف التي تصدر عن موقع بلد الطيوب الثقافي، ولكنه على الأقل توقف بعد تحقيقها 52 عدداً.. وتواصُل لم يتوقف حتى النهاية بالرغم من مشقات العمل التي اضطلع بها الكاتب لوحده، ولا يسعني سوى أن أقول لرامز شكراً لك على تقديمك المقتطف لنا وعوضنا على الله. بقى الإشارة إلى مجلة أخيرة يبدو أن أعراض داء التوقف بدأت تعتريها والتي من أهمها التأخر، فبعد عددها الأول الذي صدر منتصف الشهر الماضي والذي تابعناه بشغف وأثبت حضوره الرائع، وعدتنا مجلة (لا ملتزمة) التي يرأس تحريرها الكاتب والإعلامي ربيع شرير بصدور عددها الثاني منتصف هذا الشهر، ولكن حتى هذه اللحظة لم يصدر العدد، ولا أدري قد يكون التأخير متعمداً من باب (اللا إلتزام) الذي تنتهجه المجلة في سياسات نشرها للنص التجريبي.)

وهنا ننوه بأن مجلة فواصل مجلة ليبية تهتم بالشأن الثقافي تتمتع بجودة المادة المنشورة وسوء التصميم، ومجلة لاملتزمة وهي مجلة تعنى بالنص التجريبي تأخرت إلى هذه اللحظات عن إصدار عددها الثاني، ومجلة كراسي تركز في موضوعاتها علي الفنون التشكيلية والأدبية في الكرسي والكراسي (فقط لا غير) على حد تعبيرها، وموقع ليبيا جيل.

ذلك إضافة إلى المواقع الشخصية للأدباء الليبين والتي أنشئت للتعريف بهم وبمنجزهم.. منهم موقع الشاعر رامز النويصري والقاص الشاعر محمد زيدان والقاص غازي القبلاوي والكاتب د/ محمد وريث، والكاتب د/ أحمد الفقيه، وغيرها من المواقع الشخصية.

و سنتوقف في ورقة أخرى عند صحيفة أحدث نقلة نوعية في الصحافة الليبية الإلكترونية وهي صحيفة ليبيا اليوم التي يصل عدد زوارها إلى 8000 زائر يومياً.. وفقا لمقياس ألكسا الدولي.

وهنا أريد أن اختم بمقتطف من مقال للكاتب محمود البوسيفي نشر في مجلة المؤتمر تحت عنوان مــــــاذا بعـــد (WWW)والذي يقول فيه.

بمبلغ زهيد ونقرات رشيقة على حرف (W) مكررا ثلاث مرات ونقطة واسم.. تحصل في ثوانٍ على خادم مصباح علاء الدين المعرفي الذي يقدم لك ما تشاء من معلومات لم تكن متاحة بهذا الاتساع والتنوع قبل هذا الكشف العلمي المثير الذي هشم جدار الاحتكار الذي كان يرتفع في كل مكان تقريباً، وحطم معه استحواذ القلة على المعلومات..

ويضيف :

من البديهي القول بأن الإعلام الموجه صار ضمن خانة تشيق بوتائر متسارعة.. فهو يخسر كل يوم أرضاً جديدة لصالح الحيوية التي توفرها هوامش تتحكم في أبعادها عقلية إنتاجية.. مرنة وذكية.

أقول ختاماً :

أن حضور الأدب الليبي على الإنترنت محتشم جداً.. والحاجة ملحة للتعامل مع التقنية الحديثة أكثر من أي وقت مضى، إنها مسألة الكينونة بكامل ثقلها.

 

[الندوة | الورقة الأولى | الورقة الثانية | الورقة الثالثة]


ملفات | الرئيسية