ملف خاص عن الشاعرة الراحلة.. جنينة السوكني

 

 
سيرتها

صورها

بعض من كلماتها

 
قالوا عنها

في رحيلها

 
 

في رحيلــها

زائرة الفضاءات.. حنان كابو | وعد بلقاء قريب.. رامز النويصري | جنينة.. كامل عراب | بانت جنينة.. الصديق بودوارة | سلام على جنينة.. أحمد بللو | استدعاء.. وجدان علي

 

زائرة الفضاءات

حنان كابو

 

أيها الموت المتلفع بالسواد

هل نقرت على بابها برفق؟

أم أخذتها عنوة

 

يا زائرة الفضاءات

كرسيك أل هناك

مقعدك الحميم

يرمقني بلهجته المربكة  

كل الأسئلة تتربص بي

على إيقاع متشابه

لماذا ؟وكيف

 ؟متى ؟واين

 

أيتها العابرة فضاء المداد

المتعثرة بزاويا الروح

لماذا استوطنت الرحيل فى الأفق؟

 

يا من تسافرين وجعا

المفرطة حد الغياب

الرابضة فى وجه الريح

كيف أرسم أولي ابتساماتي؟

فكل الوجوه فارغة

تشتكى بردا

وأنا أعاني وحدة الحزن.

[للأعلى]

 

وعدٌ بلقاء قريب

رامز النويصري

 

 

1.. كنت لأتمنى لو قرأت ما كتبته حول مجموعتها (مسك الحكاية) قبل المغادرة، لأني أعرفها، كنت أتمناها قرأت هذه الكلمات، فمعرفتي بالوسط، كانت تدلني عمن يهتم بما أكتب ممن لا يقرأ، وهي كانت ستهتم وستبحث عني لتسألني كيف كتبت، وكيف قرأت من قبل، وكانت ستستمع منصته لما سأقول دون تعليق حتى النهاية.

 

2.. لكنها غادرت، اختارت أن تغادر قبلاً، وعلى عجل. إنها تذكرني بمناكشة الأمهات أطفالهن، حيث يختبئن خلف الأبواب، قائلات: يوهو، لقد ذهبت.

في المرحلة الثالثة، يكون قد تعود خدعة الأم، منصرفاً للعب، يمر الوقت، والطفل متأكد من أمه المختبئة، الوقت يمر بطيئاً الآن، ينتبه الولد للنور الساطع في شعبة الباب، ينتظر علها تخرج من خلفه، ينتظر، يتقدم ببطء، يدفع الباب، ومن ثم ينطلق باكياً، لقد غادرت حقاً. ما يدركه الطفل أن اللعبة كبرت عنه، متعدية حدود الباب، ويظل يحسبها لعبة، ومن بعد يتأكد أن اللعبة انتهت حقاً، وأنها رحلت فعلاً.

غادرت.. رحلت.. دون رغبة منا، ناورت الخديعة عقولنا الصغيرة، وتسربت من شق الباب.

 

3.. ثمة من يختار نهايته، وثمة من يرى الطريق ولا يهاب المضي، بقدر ما يعمل على إنارة الطريق لرؤية العواصف بوضوح، وهناك هي آمنت بالقدر فعملت وإياه.

 

4.. تقول حكاية قديمة _الآن_، أن فتاة ساقتها الكلمات فصادقت ملاكاً، حتى تمكنت منها الصداقة. ذات ليلة زارها الملاك، كان حزيناً، قالت البنت: ما بالك؟

أجاب الملاك: لا شيء!!

الفتاة تعرف الملاك، فعيناه جامدتان، وجناحاه معكوفان خلف ظهره.

أصرت/ صمت

أصرت/ صمت

أصرت/ قال: قريباً؟؟!!

ابتسمت الفتاة

- كنت أدرك أنها قريبة!

- إنها قريبة جداً!!

- وليكن _مبتسمة_.

وانطلقت تعد فراشها للنوم.

الملاك غادر، لكنه عاد صباحاً، راقب من النافذة، ملائكة آخرين يرفعون الفراش عالياً.

 

5.. تبدأ/ وتنتهي الأشياء سريعاً

تبدأ/ وتنتهي سريعاً

بغتة، يكشف الفقد حاجتنا، وسؤال كيف مضى الوقت، ومرت حذونا؟

كان الوعد بقاءٍ ثاني، ما افترقنا عليه، بأمل اجتماع صديقتنا الثالثة، وتمنيته لأنه كان وقت خصام، وغادرت وهي لا تعلم، وتعلم أننا مازلنا، ومازلنا. وعند باب الشمس تقول "جنينة": لا تتأخر، خلينا نشوفوك.

أجبت: قريباً، إنشاء الله.

[للأعلى]

 

جنينـــة

كامل عراب

 

التقيت بها على باب المركز الثقافي الليبي التونسي بطرابلس فقابلتني متهللة مشرقة مبادرة بالسؤال هل قرأت ديواني الأخير؟ وبالمصادفة كنت قبل ساعة تقريبا انفرد بهذا الديوان قرب صخرة على شاطئ البحر وقرأته كله فقلت لها الآن فقط فرغت من قراءته وبالمناسبة فهو لا يزال على مقعد إلى جواري في السيارة.. لقد جاء كل منا من مكان مختلف لنلتقي في إحدى محاضرات هذا المركز الذي يثرى بنشاطه الحياة الثقافية في طرابلس، وثرثرنا قبل أن تبدأ المحاضرة ففاجأتني بالسؤال: هل ستكتب عن هذا الديوان؟ وضحكت ضحكتها الخافتة الوديعة وهى تقول أريد أن اكتشف عيوبي وزلاتي في كتابة الشعر، لا اغتبط بالإطراء فانا اعتبر نفسي مازلت في أول الطريق وليس سوى النقد من يقوم النص ويفتح عيون الكاتب وينبهه إلى أشياء هو في حاجة إلى الانتباه إليها، الطريق إلى النضج طويل والنقد مسئول إزاء حمل رسالة المشاركة واستبصار مجاهل هذا الطريق.. ثم زارتني في مكتبي بقاعة الشعب وتحدثنا طويلا حول مجلة "الملتقي" التي تصدرها القيادات الشعبية كانت ترى أن أي مجلة تصدر في البلد جديرة بأن يلتف حولها الأدباء والكتاب والمثقفون ليعززوا مسيرتها والحيلولة دون موتها، واقترحت كثيرا من المواضيع والقضايا التي يجب أن تتبناها هذه المجلة ووعدت بأنها ستساهم في تحريرها على الرغم من انشغالاتها الكثيرة، ثم تحدثت عن مرضها بشجاعة وقالت بأن لا شيء يزعجها سوى هذه الرحلات الدورية إلى تونس لتلقى جرعات "الكيماوي" كانت تتحدث عن هذا المرض اللعين كما لو أنه أصاب إنسانا آخر أو كما لو أنها واثقة من شفائها منه لقد أوجعت قلبي أنا الذي أعرف النهاية التي تنتظرها فقبل قليل من هذه الزيارة فجعت في أعزاء على أخي وأختي وابنة أختي الذين ماتوا جميعا بهذا المرض الخبيث عافاكم الله لا يمهل صاحبه.. واغتصبت ضحكات وابتسامات وأنا انظر إلى وجهها الشاحب الذي يودع الدنيا على مهل.. ثم وجدتها بعد حين تشارك في مسؤولية الصفحة الثقافية في صحيفة الشمس إلى جانب الروائي المبدع الصديق "خليفة حسين مصطفى" وهى في كل مرة تتوج رأس الصفحة بكلمات صادرة من القلب وشفافة ورقيقة.. وأصبحت صورتها أو كلماتها كلما تطالعني في مكان يزداد إشفاقي عليها ويكبر شعوري بان الأسماء الواعدة تذهب مبكرا وعلى غير ميعاد.. هذا الداء الذي يحصد أرواحا كثيرة ومن مختلف الأعمار أخذ ينتشر بيننا بلا رحمة وصارت المعلبات الغذائية وتلوث البيئة والمعاناة النفسية التي هي أيضا مرض العصر صار كل ذلك يفتك بنا ويحصد أرواح أعزاء علينا مازالوا فى ريعان الشباب.

"جنينة السوكني" الشاعرة الرقيقة ذات الصوت الدفيء وصاحبة الابتسامة الهادئة رحلت مبكرا.. جاءني نعيها في رسالة عبر الهاتف الجوال من قبل الروائية والشاعرة "رزان المغربي" فأحسست بدموعها بين الكلمات، كان ذلك ثاني أيام عيد الفطر وقلت لها عبر رسالة قصيرة أيضا: هذه دمعة ساخنة جديدة على خد قصيدة الشعر رحلت جنينة وتركتنا للمعاناة والعذاب..

رحمها الله، وليرحمنا نحن أيضا فقد كان يمكن أن تكون الجنينة الصغيرة حديقة كبرى غناء!!

صحيفة العرب

 

 [للأعلى]

 

بانت جنينة !!

الصديق بودوارة

  

 

-1-

نامي الآن يا ابنتي..

أطفئي نور عينيك لبعض الوقت

وسافري بخيالك في فوضى المسافات

أثناء ذلك..

سأروى لك حكاية عن جنينةٍ من الهدوء

ماتت بصمت

مخلفةً وراءها بعض الفجيعة

وما لا يحصى من الحزن.

 

-2-

أعرف أنك تستغرقين في النوم الآن

لكنك تريدين معرفة الحكاية

وتتساءلين كما كنت دوماً

عن الموت البالغ السطوة

وكيف لا يحلو له إلا أن يلتهم أجساد الطيبين

اعرف أنك تسألينني الآن بلا صوت:

"أيها الأب المتورط في لقبٍ لا يريده..

الحائر طوال العمر

الفاقد لنعمة اليقين

التائه في سراديب القلق

هل يكفي أن أكون سيئة بمعنى الكلمة

حتى لا أموت؟"

 

-3-

أعرف كل هذا..

وأعرف أيضاً أني لا أملك جواباً عن أي سؤال

لكن جنينة التي وقف لها المرض ذات يوم

في عرض الطريق

فأخجلته بابتسامة باهتة

وأشعرته بالخجل من نفسه بتهذيب زائد عن الحد

وأهدته قبل أن يرحل قصيدة وباقة ورد

جنينة هذه..

رحلت الآن..

فقد زارها الموت بلا موعد..

فتحت له الباب

تحدثت معه عن الشعر قليلاً

وعن مشاكله المزمنة قليلاً

وأشعرته بالخجل من نفسه بعض الشيء

ثم مضت معه في نهاية المطاف

تاركة لنا مسك الحكاية موتاً

لا يلتهم إلا أجساد الطيبين.

 

-4-

نامي الآن يا صغيرتي

ولا تملأى رأسك الصغير بصور الموتى

فهم يفضلون دائماً أن يحملوا معهم صورهم

حتى لا نموت نحن مرتين.

 

-5-

نامي الآن..

واتركي لي مكاناً بجانبك فقد أنهكني التعب

وأساءت إلى فمي مرارة السؤال

عن موت الذين لا يستحقون إلا الحياة

اشتهي الآن أن أضمك إليّ واهرب كعادتي إلى النوم

متخيلاً جنازة لم أتمكن من حضورها بداعي المسافة

وموتاً لم أعلمه بداعي المفاجأة

ورحيلاً لم أرضَ عنه بداعي الاحتجاج

نامي الآن واسمحي لي أن أشاركك نعمة الهروب

حيث العيون المطفأة إلى حين

والذاكرة الميتة إلى أن ينتهي العمر.

صحيفة الجماهيرية/ العدد:4774/ التاريخ:18-19/11/2005

[للأعلى]

 

سلام على جنينة

أحمد بللو

 

 

وقد ينقشع الابتلاء يغتاب الحزن حالة الجزر

ولكن ٠٠ قدماي ما عادت تقوى على الكتابة ٠٠

 

ولذا فهي لا تجد غضاضة في أن تسلم نفسها الدروب لتختار لها لوناً يليق بالتي حلمت أن تكون استثناءً ويكون مسك ختامها لائقاً بها.

 

يا دروبي، اختاري لنهجي لوناً يليق بمسك الحكاية ٠

لأني ٠٠ وإن حملت اعوجاج النساء

قررت أن لا أشبه إحدى النساء

 

إنها تعرف تماماً أنه لم يبق لها سوى التأمل والحيرة والسؤال، سوى كتابة ما يحدث في كيانها وعالمها من مفارقات فجائعية، فهي الموزعة بين الشوق والروح والتراب وممالك السراب والملكة التي تفوق الخرافة وهدوء الهياج والاحتجاج الذي يغمره السكون.. وخمود البراكين

 

أنا المشوقة

رواء روحي التراب

ويغدو السراب

ممالك لمليكة تفوق الخرافة

هادئ يبدو هياجي

واحتجاجي يغمره السكون

 

ليس استثناء رحيل الشعراء والفنانين في سن مبكرة.. وليس الموت بغريب على الشعراء، فقد عاينوه وعانوه وظل أحد أسئلتهم الملحة ولكن معايشة الموت ومعاناته وهو يقدم على مهل ويتغلغل في الجسد الفتى خاصة إذا كانت شاعرة كانت تأمل أن تنال من الحياة ما يشبع رغبتها لها هو ما ظل قليلاً جداً أو نادراً.. وهذا ما كان نصيب شاعرتنا "جنينة" أن تعبر عن الحياة وهى في ذروة الموت.. وتكتب لنا بموتها شعراً.

 

تأخرت، قال الهوى: ولكن دفاتر الذي ولي

تشع بنبض خطوك.. وينشر ريحك أينما حل

 

فسلام على "جنينة" أينما حلت وارتجلت

وسلام عليها وهى تكتب بموتها قصائد شعر لأجل الحياة٠

لم يكن رحيل الكاتبة الصحفية، والشاعرة، الصديق "جنينة السوكني" مفاجئاً.. بقدر ما كان مراً وقاسياً.. لأني ومثل بقية زملائها وأصدقائها وربما قرّاءها الذين عرفوها وعرفوا قصتها مع المرض العضال وطلوعها الملحمي من تلك المعاناة الطويلة بين براثن الوحش المخيف بكل جدارة وصبر وشجاعة وحب عميق للحياة.. فقد كنت آمل ألا ينكسر هذا الانتصار الملحمي الذي أعادها إلى طرابلس ثانية، رغم ما ألقته تلك المعاناة من ظلال صبغت كل كتابتها بألوان ليست هي ألوان الفرج والحياة ٠

والمطلع على قصائد "جنينة" الأخيرة، سيعرف الكثير عن سيرة هذا المعاناة وما الذي يثقل صدرها.. وأنها كانت تعرف أن نصيبها من الحياة التي أحبت قليلاً، وأن ليس لها سوى الأسئلة الحائرة.. وأدوات التعجب المندهشة أو رؤى المتأمل المستسلم لدبيب الغناء في أوصاله المبتلاة ٠

 

أهكذا، أبدأ نهايات الربيع!! ؟

أهكذا، أقبض كفاً مبسوطة،

حملتها الصباحات دفء الصبية!؟

ما كنت أظن، أن الأغاني تهجر الحناجر

والغروب مسقطة صدري

 

إن الكتابة مثلت الجنينة في معاناتها رديف المشي في أفياء الحياة.. وحينما تعجز الأقدام عن الكتابة، تعجز "جنينة" عن الحياة

 

قدماي ما عادت تقوى على الكتابة

أرتعش من لسعة الابتلاء

دون موعد، تسملت رسالة القدر

وضعت عني زينتي، واستسلمت

 

اليوم الأول، اليوم الثاني

الشهر الأول، الثاني الثامن

تتسلل ابتسامة خجلى،

زهور تستميلها النسائم

الجدران تفارق طلائها الرمادي

صحيفة الجماهيرية/ العدد:4774/ التاريخ:18-19/11/2005

 

 [للأعلى]

 

استِدعاء

وجدان علي

 

 

حرفاً.. حرفاً..

يتهجّاها..

حبيبتَه التي..

اخْتطَفتْها الأرضُ سريعاً.

 

كانتْ بين أفيائِهِ..

في نَزَقِ سعادَتِها..

تحمل ترفاً..

باهظَ الحبِّ،

متسامِقَ البناءْ..

 

يَتَملاّها..

يتأمّلُها..

لا يملُّها..

ذكرى حياتِه.

 

هذا الراهبُ الذي تَرَوْنْ..

يُصلّي لها،

تراتيلُه..

للروحِ الهفهافةِ..

تكتَنِفُه،

للقلبِ الـمُدثَّرِ بالترابِ..

يتخلّلُهْ.

 

 هِي:

قطرةُ الماءِ السماويّة،

إكسيرُ الحبّ،

غيمةٌ..

مُغيثةٌ..

ظليلةٌ..

ذاتَ قَيْظْ.

 

هُوَ:

يتضوّرُ فَقْداً،

هيَ:

تتضوّرُ فِراقاً،

و أنا:

أتضوّرُ ظلْماً:

منْ.. صنعَ لنا هذا المصيرْ؟؟!

 

بتَِرْتيبٍ أبْترَ..

نُفِيَتْ.. إلى أسْفلْ..

بحكمٍ أبله..

افترستْها.. مخالبُ الرحيلْ.

لَوِ انتظرَ قليلاً؟!

لو مَنَحَنا.. فرصةً لِلِّقاءْ، للوداعْ؟!

لوْ داهمَنا معاً؟!

لو.. يَبعثْ حبيبتَه؟!

 

بمشيئةِ منْ.. يُغتالُ الفرحْ؟

بمزاجِ منْ.. يُغتَصَبُ الزهوْ؟

 

مسكناً للفرحِ.. كانتْ،

زاهيةً كانتْ ..حدَّ التِّيهْ.

 

يا أنانيةَ الموتِ..

الغادي دوماً بين الناسْ،

الجاثمِِِ على قلوبِ السعادة:

لَوْ تموتْ؟!!

إِفْعلْ أوّلاً!!

 

يا صديقَتي التي لمْ أرَهَا:

أتَذَكّرُكِ فيَّ .. رِقّــــــــّةً.. لا تُنـْتَهَكْ،

أنحتُكِ في البحرِ .. سِيـــــــادةً.. لا تَضـعفْ،

أكتبُكِ في الريحِ.. البهــــــــاءَ.. الذي يتناسلْ،

وأعترفُ أنَّكِ .. الحـــــــــيّ .. المُغتـــالْ،

وأقولُكِ.. أناديكِ يا رِقّةَ سِيادةِ البَهاءِ الحيّ.

[للأعلى]

 

ملفات | الرئيسية