...الـــقـــصـــة...

مشاركة رقم: 68

سيُـحـكى أنّ

 

زياد العيساوي

 

 

(لقد مللنا حكاياتك).. هذا ما علقّ به الحضور على الحكاية التي رواها لهم ليلة البارحة.. تفرس مليّاً وجوه الحاضرين في هذه الأمسية، فوجدها هي عينها لرواد المقهى الدائمين، فخلع قبعته ووضعها على المنضدة ثم طفق ينظر إليها حتى شرد عنهم، وبطريقة الومضة الخلفية (الفلاش باك) تذكّر لقطةً لما جرى معه ليلة أمس (صورتهم وهم ماضون إلى الخارج ويستهزؤون به، وكيف أن أحدهم لم يتكرم بوضع أي درهم في قبعته).. فتيقن بأنه لا فائدة تُجنى من إعادة المُعاد وتكرار المُكرَر، هذا إنْ أراد الاستمرار في امتهان هذه الحرفة التي ورثها أباً عن جد، فألقى بسجل الروايات المؤلف من ألف صفحة وليلة جانباً، وكله أمل في أنْ لا يعود إلى زوجته وأطفاله بقبعته، وهو خالي الوفاض.. هتف أحد الجالسين في المقاعد الخلفية: ماذا ستسمعنا الليلة يا رجل ؟.

 

فقال الراوي ياسادة ياكرام: أنه في أخر العصر والأوان، سيحكى أنّ هناك حكاية حدثت في هذا الزمان، مع ثلاثة فرسان، هم شاعر وكاتب وفنان، الأولان يمتطيان الكلمة والثالث يرحل بريشته وراء الخيال، بينما كانوا يتسامرون في أحد ملتقيات الإبداع، ولكني لست ادري، إنْ كان في مثل سوق عُكاظ كما كان يحدث في سالف العصر والآوان، أو في سجال إلى حد النزال بالأقلام على صفحات صحيفة مزدانة بصورهم والألوان، أو لعله على شاشات الحواسيب وبلا رقيب كما هو الآن، بدأت الحكاية بعد أنْ أخرج الرسام صورةً من معطفه وناولها للشاعر، فما كان منه إلا أنْ قال فورما لاح له وجه إحدى الحسان: العينان جميلتان، والشفتان كأنهما زهرتا رمان.. ثم صمت وهذا ما كان.. غير أنّ صمته لم يدُم طويلاً، وما لبث أنْ راح يصف مفاتنها ومفرداً بيتاً لكل منها، الأمر الذي لفت انتباه الكاتب.. قاطعه الحضور صائحين: ومن تكون هذه المرأة يا هذا ؟.. طلب إليهم ألا يسبقوا الحدث، ثم أفادهم بأنّ سؤالهم هذا، هو من طرحه الكاتب على الشاعر، أصالةً عن نفسه، ونيابةً عنهم ورجاهم أن يستمعوا إلى ما سوف يجيب به.. واصل الراوي حكايته من حيث أوقفوه، وهوّ لا يدري حتى الآن، هل ستحظى بإعجابهم من عدمه، والكل يسترق السمع ويطلب إليه أنْ يزيد من حِدة صوته، فمضى قائلاً: أجاب الشاعر من دون أن ينبس ببنت شفة، بل بأنْ أمدّه بالصورة نفسها ليعلق عليها، فعاينها سريعاً ولم يلفظ بنفس من وقع الدهشة، وسرعان ما أعادها إلى الرسّام، وأجرى معه هذا التحقيق الدقيق، في شكل سؤال وجواب:

- ويحك من هذه المرأة ؟ ومن أين أتيت بصورتها ؟

- إنها مجرد رسم لوجه امرأة تعيش في خيالي.

- أعرف ذلك، ولكن هل تعرفها أو سبق لك أن رأيتها ؟

- لا هذا و لا ذاك.

 

تمخضت عن هذا الحوار فكرةٌ في قريحة الكاتب، ترجمها فورياً في شكل مقال، جـاء في تنمتـه: (ليـس بغريب على الرسّام، أنْ يرسم بريشته صورة لوجهي أو وجهك، إن كان من الطراز الرفيع، لكن ما يجعلني أصفه بلفظٍ يُعرف نحوياً بأنه (صيغة مبالغة) على وزن (فعّال) إن أمكنه نقش وجه لشخص لا وجود له في هذه الحياة، إذ ذاك لا أجد مبالغة مني و لا حرج، إن نعته بالخلاّق، أما الشاعر، فهو يصف لوحةً أو حالةً ما، وقد يضفي عليهما شيئاً من عنده، حتى تكتمل صورتهما، لمن لم يرَ الأولى ولم يعِش الثانية).. (وتوتة توتة.. خلصت الحدوتة*).

 

بدأ الرواد بالانصراف واحد عقب الآخر، وهم يمرون بجانب قبعته، وبعد أنْ انفضوا من حوله، نظر إلى الغلّة، فلم يجد فيها إلا هذه التهكمات: (أراك قد ملت إلى الكاتب بشكل واضح ).. (أيها الحكاواتي لن يكون لأمـثالك وجود في ذلك العصر).. (هذه الحكاية في علم الغيب).

 

 

* هي عبارة عادةً ما يدبج بها الراوي نهاية حكايته


التالي

 

السابق