|
يوميات كاتب مغمور

زياد العيساوي
مساءً شاهد مُقدمة أحد المسلسلات التي
تُذاع يومياً، وطالع الأسماء المعروضة
على اتساع الشاشة فرمق بعين أسماء
الفنيين، وبالأُخرى أسماء الفنانين
النُّخبة المشاركين في تأدية أدواره،
فوجد أسماً لأحدهم مُدرجاً تحت قائمة
مُجسِدي أدوار البطولة، ما دفعه
بإغراء إلى متابعة مجريات هذا المسلسل
وأحداثه، وفي نهاية الحلقة، وجد أنَّ
ذلك الممثل المنعوت بالقدير، لاُ يشخص
إلا دور مجرم، يسفك الدماء، ويُتاجر
بالمحظورات، على اختلافها، استلقى على
فراشه، وقد أخذ منه الإنهاك كُلَ
مأخذٍ، وكانت أخر عبارة تلفظ بها قبل
أنْ يتسللَ النومُ إلى عينيه، أنْ
قال: "عجباً ـ أنْ يصبحَ شُذاذ الأفاق
أبطالاً".
صاحت جرائم البطل المزعوم في أحلامه،
ففرّ النومُ ذليلاً من تحت أجفانه،
تاركاً إياه وحيداً، يُعاني ساعات
السهر المُمِلة، ويُكابد ألام الأرق
القاهرة، إلى أنْ وثبت إلى فكره،
فكرةٌ، تمثلت في أنْ يتصفّح إحدى
الصُّحف التي جلبها إليه أحدهم، حتى
يُغالبه النُّعاس، فقرأ نبأً ينعى
وفاة أحد خِلانه القُدامى، قد مضى
زمنٌ بعيد على أخر مرةٍ جالسه فيها،
ولا تزالُ أصداءُ تلك النصيحة التي
كان قد أسداها إليه يومها، تقرعُ
طبلةَ أذنه، وكان خبر الوفاة مرقوناً
في هذا السّياق، المُتفق عليه،
والمسكوت عنه أيضاً، "مات فُلانٌ..
إلخ".. لم يُلقِ بالاً لهذا النبأ،
بقدر ما أهتم بصيغة العبارة التي
أنبأت به، لسببين وحيدين وكفى، أولهما
لأنه كان يعلم بسرِّ دائِه العُضال،
وثانيهما، لكونه لم يعرف حقيقةً، هل
أنه مات بمحض إرادته؟ أم ماذا بالضبط؟
نظراً لأنَّ لفظ (فُلان) وقع في
الجملة موقع الفاعل، في حين، أنـه
مفعـول بـه، هـذا ولـسـان حاله وفكره
يقولان معاً وبتـناغم، " من يقبـضُ
الأرواحَ غـير بارئـهـا؟ ! ".
حاول من تلقاه، أنْ يجدَ لكاتب
العبارة مخرجاً له من مأزقه وزلة قلمه
هذه، وهوَّ مُمسِك بالصحيفة بكلتا
يديه، ومُستلقٍ على سريره، بما أتاه
العليم من علم وثقافة، غير أنه قد
تعذّر عليه أن يعثر له على عُذرٍ، إلى
أن باغته النوم على حين غرَّة، فنام.
صباح اليوم التالي، شرَّع عينيه
ليجدهما تسبحان في ظلامٍ خافت، أراد
أن يتبيّن السبب، فعرف أنه قد تلحّف
وريقات الصحيفة من حيث لا يحتسب، هبط
من قمة العمارة التي يقطنها بسرعة
البرق، قفزاً و وثباً، ليقتني العدد
الأسبوعي للصحيفة التي درج على نشر
كتاباته عبر صفحاتها، وبينما كان
عائداً ومُتأبطاً عدد ذلك اليوم من
هذه الصحيفة، التقى بشخصٍ هو على
معرفة وطيدة به، وله اهتمامات عديدة
بالأدب والمشهد الثقافي، ويبدو أنه قد
ابتاع العدد ذاته، وتصفّح ما دوِّن
فيه من موضوعات شتى قبله، لأنه قد
أعلمه بأن ثمة شيئاً من كتاباته
منشورٌ في إحدى صفحاته، ولأنه كان
يثقُ بذائقه الأدبية، ودَّ أنْ يأخذَ
رأيه بما نُشر له،، وكان مقالةً
أدبيةً، لكنَّ هذا الأخير، لم يُمهله
سانحةً لذلك، وقبل حتى أنْ يهمِّ بطرح
سؤاله عليه، بادره بسؤالٍ، جاء فيه،
هل تتقاضى مبلغاً مالياً من هذه
المطبوعة، نظيرَ ما تطرحه من مواد عبر
صفحاتها المتنوعة؟.. وأردف قبل أنْ
يسمعَ ردَّه، "إنْ لم يُعطوك مكافأةً
فهذا مؤشر جلي على أنَّ ما تتناوله من
أفكار خلالها، لا يستحق كُلَ ذلك من
حيث القيمة الأدبية".. فأبتلع سؤاله
الذي وقف في حلقه، ولم يتمكن أصلاً من
إثارته، ورأى أنْ يُعجّل بآخر، إذاً
لِمَ نشروها بظنِّك؟!.. ومن دون أدنى
تفكير، ولا أقل تخمين، رشقه بإجابةٍ
مُوجعة، أدّماه بها من وطأة قسوتها،
حينما علَّق مُستخفاً به، "لملأ
الفراغ فحسب".. لكأنه أراد أنْ يُحطَّ
من شأنه، أو يُقلل من قدر ما يكتبه.
تركه على سطح الأرض، وهوَّ يكرر هذا
الاستخفاف، وعاد من حيث أتى، إلى قمة
العمارة، إذْ أنه يسكن أعلى طابقاً
فيها، وهو يجترُّ خلفه خيبات الأمل
وقبل أن يصل إلى مدخلها، ناداه
قائلاً: "اسمع يا هذا، علامَ يضعون
اسمك تحت مقالاتك، في حين يكتبون
أسماء غيرك في الأعلى".. شاهد إعادة
حلقة المسلسل نفسها، وتابع برويّة
مشاهدها جميعاً لكأنه يراها للمرة
الأولى، وخلص إلى أن الوغد قد يوسم
بالشهامة أحياناً، أقفل التلفاز
مُتململاً في مقعده، وطالع من جديد
نبأَ وفاة صديقه الذي لم تمضِ على
وفاته سِوى أيامُ قلائل، ومرّت على
تلك العبارة التي أسمعه إياها سنون
طوال، ومع ذلك، فهي مازالت تحيا في
ذاكرته، وما برحت ترنُّ ذبذبات ترددها
في مسامعه، ويقرع دويُّها طبلة أُذنه،
" كُن قريباً من نفسك، وأجعل لها
مبدأً تضعه نُصب عينيك دائماً "..
فلما عزّ عليه فهم القصد في حينه،
أمره مُبتسِماً، بأنْ يضعَ سبابته
بمحاذاة عينه، فبدا له أنَّ كُلَ
شيءٍ يقع خلفها قزماً، وإنْ كان جبلاً
قمته تناطح السحاب، وحينما أرجعها إلى
الوراء، وعلى مد ذراعه، أضّحت أقزم
مما يتخيّل فتوصل بعد ذلك إلى حقيقةٍ
مفادها، أنَّ المرء بعينه، هو من
يُضخّم الأشياء أوقاتاً، ويحقّرها في
أوقاتٍٍ أُخرى، فكُلُ منّا ينظر إليها
بزاوية النظر التي يشاء ويُحبذ..
فتذكر ذلك الشعار الذي كان قد اتخذه
لنفسه بعد وصوله إلى هذه الحقيقة
ساعتئذٍ، "إنْ كانت الكلمة الطيبة
صدقة، فما ظنُّكم بنصٍّ أدبيّ؟"..
ترحم على روح صديقه، وعاد ليخنق القلم
بين سبابته وإبهامه، ليدر حبراً
سائلاً فيخطُّ لكم به مثل هذه
اليوميات، التي أنتم الآن تقرؤونها. |