|
الحلم النَدِي
الحبيب الأمين

أفقت من النوم مرتبكا بعد أن أحسست
ببعض البلل على عنقي وبرائحة طيبة
تفوح من سريري. استجمعت ذاتي ولملمت
أطرافي المبعثرة كنت مشتتا وضائعا بين
الحلم الذي مر واليقظة التي وصلت. كان
الحلم قريبا مني فأمسكت بنهايات خيوطه
وسحبتها إلى نول ذاكراتي فنسجته من
جديد.
كنت في الحلم أجالس احد الصالحين في
حضرة مريديه. الرجل الصالح مسح على
عنقي بيده المبتلة فيما كنت انظر إلى
بياضه الشفاف ولباسه المشع بالنور
ولحيته الطويلة، عرفني وقدمني إلى
رفاقه الطيبين كانوا مبتسمين ومرحبين.
استبشرت بما رأيت وتفاءلت خيرا كعادة
كل الحالمين أو هكذا أردت.
ظللت استعيد اللقطات الحلمية وأرتبها
طيلة مسيري المترنح من سريري إلى صالة
الجلوس دون اختيار تمددت من جديد على
الأريكة واستغرقت في حلما يقظ ،
للحظات شعرت بضياع الصور وتلاشي
الحلم، نهضت من جديد وتوجهت متثاقلا
نحو الحمام.
ما أن هطلت قطرات المياه على راسي حتى
إستغرقتني تأملات جديدة، غير أن برودة
الماء نجحت في جلب الانتعاش والصحو
إلى عقلي وغسل الرذاذ ما تبقى من ضباب
الوسن عن عيني.
احتفيت بعقلي المنتعش وجسدي الرطب
بإغداق العطر من قنينة الطيب التي
أحب، كانت حالة الصفاء الذهني التي
تسكنني تستعذب دفقات المد الصوفي
المنحدرة من سفوح الحلم الندي. على
الطاولة كانت قهوتي المعتادة ترسل عبق
البن وتغويني بالقدوم، ظلت تنتظرني
بلهف لأقبلها فلم تبرد. أمسكت بفنجاني
الموعود وأملته إلى فمي بكلتا يدي،
أطلت الارتشاف بطيئا في الاحتساء
فرفعت درجات الذائقة إلى أقصى ما فيها
فحققت نكهة الكافيين مفعولها الخرافي.
توجهت ناحية النافدة أرمق الشارع
واستكشف الأجواء، كان الطقس ربيعيا
رائعا والأفق مزدان بألوان الخضار
والزرقة، أجلت النظر ناحية البنايات
والحديقة القريبة، وراقبت أعشاش
الطيور المنحوتة في جدران الاسمنت
النشاز. عدت للجلوس إلى طاولتي وضعت
فنجاني في سريره الفخاري، أشعلت
سيجارتي وسحبت منها نفسا غادر في رحلة
انتعاش لامست محطات الانتشاء المولعة
بالدخان. تفقدت بعض أوراقي النائمة
على مكتبي دون أغطية ظلت ساهرة
ترافقني حتى غلبني وغلبها النعاس.
كانت حروفها المكتوبة على عجل تحلم
بصياغة جديدة. نظرت إلى المنفضة
لأكتشف أن سيجارتي قد استحالت إلي
رفات باهت ورماد معوج. حملت فنجاني
وتجرعت بَركته الراقدة في أخر قطرة
فيه التي تحولت إلي منابع للصمت
وبحيرات من السكينة. قررت الخروج
ومغادرة جدران العزلة إلى فضاء الكون
الفسيح.سأطلق سراحي في براح الطبيعة
الآسر. حضرتني أبيات الشاعر الراحل
عبدالله السعداوي التي يقول فيها:
أحمل دنيايا في قلبي
وكنوز الدنيا أحملها
ومفاتح جنتها عندي
وأنا لا املك قيراطاً
من ياقوت أو من ذهب
أسعى في مملكة الخلد
وعلى رأسي تاج الزهد
والدفء المفعم بالحب
يتدفق ملء شراييني
استوحي شعري
يستهويني العبق القادم
من كون زاخر
أسبح في آفاق أخرى
غير الآفاق
أدرت المحرك وأوقدت سيجارتي الثانية،
ظللت استمع إلى مذياع السيارة الذي
تسربت منه موسيقى ليبية قديمة. بعد
دقائق تحركت بالسيارة قاصدا أطراف
المدينة أو ما اسميه حواف القصعة،
بمحاذاة الطريق الساحلي الذي ينحني
ويرسم امتداده مع خط الشاطئ الشمالي
بداية من مرسى إزريق إلي
ابوفاطمة ثم الجزيرة حتى
جنات حيث يبدأ الشاطئ الشرقي
في الظهور مارا بمرسى العريقات
ويدر حتى قصر أحمد، هذه النقاط
جمعيها ترسم ما اسميه حافة القصعة
الشمالية والشرقية في حين تكتمل
الدائرة الجنوبية والغربية مع
ارتفاعات هضبة البرية بداية من
السكت، إنها طوبوغرافيا القصعة
وبانوراما الحواف. مدينتي شبه جزيرة
وذات شاطئين. عند هذه الحواف ترفل
المدينة الواحة هبة الوديان في قصعة
كبيرة تزينها خمائل النخيل والزياتين
فيما تهمس الكثبان لبيوت الطين
الراقدة في أحضانها. هذا المنظر
الأخاذ يبلغ مداه ويصل الناظر فيه
ذروة التأمل في عشايا الربيع عقب سقوط
رخات المطر حين يغسل الِرهَام لوحة
الطبيعة ويمسح عن الألوان الغبار،
فتفصح الألوان عن سرها معبرة عن
اختلافها المتناغم في ذات المكان. من
فوق ربى الاعتراف وعلى عتبات الزمن
تقودني المسالك والدروب وسط الحقول
والبساتين ناحية أماطين ملتقى
أودية الطين والماء وقلب المدينة وعقر
الدار حيث تلاقت الجموع وتوافدت
القوافل، هنا نحتت حقيقة التساكن
وكتبت قصة التكوين.
كانت سيارتي تنحدر لوحدها تنساب مع
الطريق بسلاسة وهدوء، فيما كنت أطالع
يمين الطريق باحثا عن ملاذ لها ومحراب
أمارس فيه رياضة الروح ومرقب يكشف
أفاق المدينة ومطارح جمالها. عند
التفافة الطريق قرب تلال جنات
ما وراء الكاب وهو رأس الخليج
ومبتدئه، كانت فسحة المكان تسمح بركن
السيارة ففعلت وترجلت قاصدا محرابي
القصي. تلال الرمال المتحجرة تطل
وتسيطر على البر والبحر تمارس الهيمنة
المقبولة، مكوناتها من الرمال
والأصداف البحرية تحكي قصة انحسار
البحر وقصة غزو اليابسة.
قصص الجيولوجيا القديمة التي تعد
بملايين السنين، بعض المساحات من
الخضرة وغدير من مياه الأمطار تغري
طيور البحر والبر بالاجتماع والتلاقي.
مفاعيل الآدميين تبدو واضحة وإفرازات
العصر شديدة الأثر فمستهلكات الحياة
ونفايات المدينة صارت ملوثات حملها
الإنسان بعيدا عن بيته ليضعها بين
قدميه. ظللت امشي بين شعاف الشطان
وأطلق العنان لخيالي، حينا اكلم حجرا
وحينا أنصت للتراب. أنادي ملائكة
المكان ومن عبروا اسمع هدير البحر
وصمت القوارب وأدعية الصيادين. صعدت
أعلى التلال وأكثرها كشفا لما حوله،
وقفت انظر ما حولي وأتنسم هواء البحر
العليل ارصف لوحة الأفق الفسيفيسائية
أمامي، مآذن المساجد السامقة تمجد
الله وتهلل للصلاة. أسراب الطير تسبح
في ملكوت الله ويتردد في الفضاء
شدوها، أكاليل النخيل تتوج الرمال
بالخضرة والهضاب العشبية مرابض للخيول
الأصيلة، أطلال السواني القديمة التي
تكسرت أجنحتها فتراكمت وصارت أنقاضا،
دفنت في تجاويف الماضي وكفنت بالغبار.
بيوت شاردة عن ساعة الزمن هنا وبيوت
منهارة هناك تتحدى قاطرة الهدم صامدة
أمام عاصفة التآكل. هجرها إنسانها
القديم وغادرها يقصد المستقبل بعد أن
استودعها تاريخه وبقايا من أدواته
الماضية التي تبحث عن مضارع.
بين التلال تلتوي مسارب العبور وتبرز
قيعان واهدة تسكنها قطعان الماشية
البيضاء تقتات الكلأ، تسرح لاهية في
أحضان الطبيعة الحانية. بعض الرعاة
الكهول أوقدوا من يابس الحطب نارا
يصطلون بها طلبا للرفقة، يدفئون خريف
العمر الواعد بالرحيل. يتجاذبون خيوط
الماضي ويطلقون حسرات اليوم زفرا في
نارهم الداخنة. كانوا غير بعيدين عني،
تنبهوا إلى نباح كلبهم الحارس
فأدركوني بنظراتهم. لوح أحدهم بيده
مرحبا وطلب مني النزول والانضمام إلى
مجلس الحكمة، فهمت إشارته ورددت عليها
بالموافقة. قلت لعلي أدرك من نارهم
مطلبا وانعم برفقتهم الطيبة. وصلتهم
وبادرت بالسلام فردوا علي بأحسن منه،
أفسحوا لي في المكان واختاروا لي
أفضله.
كانوا ثلاثة من الشيوخ ورابعهم كلبهم،
وعشرات من الأغنام ترعى في أمن وسلام،
أجهدوا أنفسهم بإكرامي وحسن ضيافتي،
فيما تمادى أحدهم في السؤال عن اسمي
ونسبي وبالغ في الإشادة بجدي الذي
ترحم على روحه كثيرا، كنت أرد عليهم
بإيجاز وأعقب باختصار وتركت لهم
مساحات واسعة للإطناب ومجالات
للمبالغة. كنت أعرف قدر حبهم للإسهاب
والإطالة ورغبتهم الدائمة في توليد
الأسئلة وسرد الأمثال، في الحقيقة كنت
مسرورا بمجالستهم ولم أملهم بل كنت
اقرأ تعابير الوجوه واستبطن الرؤى
واستكشف عقولهم المجربة، كانت
تقييماتهم تبهرني وتروقني. لاحظت
علامات الاستغراب والريبة في كلماتهم،
لاشك أن ظهوري المفاجئ في هذا المكان
قد أثار شكوكهم نحوي. ربما لكوني دون
أغنام في مرعاهم كما أن ملابسي تفضح
أي ادعاء بعلاقة ما بالرعي أو
الأغنام. قررت إنهاء الاستغراب وإطلاق
الشفافية، بغية فتح مدارات أوسع لحديث
اصدق وأكثر أريحية. قلت:
- أنا أحب المكان وأتردد عليه من حين
لأخر، فمن هنا يمكن مشاهدة البحر
ومعانقة الطبيعة الخلابة، المكان
مناسب للخلوة والتأمل. فالخضرة تسر
العين والهواء العليل يلاطف
الشغاف،يحرك أشياء في أعماقنا يصعب
توصيفها، باختصار في هذا المكان انعم
بإحساسات لذيذة وأحظى بمناظر جميلة.
كانوا يتابعون كلماتي باستغراب
وبجدية. لاقت توضيحاتي قبولا انعكس
على أجواء الحوار اللاحقة وصارت
المفردات ودودة أكثر، حتى أنها حركت
فيهم مشاعر الشعراء وإحساسات
الفنانين، فعرج كل منهم إلى صندوق
الذاكرة يسرد ما فيه عن أيام الطفولة
وملاعب الصبا ومنازل الأحبة ، فيما
أسهب الأخر في الحديث عن مجتمع الأمس
وأهل زمانه وحكمة عصره، شيخنا الثالث
نال حصته كاملة واستلم زمام الأمر كله
فأطلق نظره في الأفق وهو يردد بصوت
شجي وبعبرة مكتومة:
- كنا نفترش الأرض ونستظل بشجرة
ونلتحف السماء، كنا امنين وسعداء،
كانت الحياة أجمل والطبيعة كريمة. كنا
نسرد الحكايات ونسمع الأشعار
والأغنيات ونقيم الأعراس.
أضاف:
- يا بني كانت أيامنا رائعة وأحلامنا
كبيرة كانت الأنفس هادئة والقلوب
متسامحة.
مد يده إلى جرة الماء الناضحة بالبلل
وشرب منها، ثم قال:
- الحمد لله والشكر له وحده.. وجه
نظره لي وقال:
- هذه الأرض مباركة بدماء الشهداء
انظر هناك ذاك قبر الشهيد وتلك قباب
الصالحين. يا ولدي هذا التراب مقدس
باركته كلمات الله وآيات القرءان
الكريم هذه الزياتين سقاها الجدود
حفاظ كتاب الله بماء اللوح العزيز.
كان صبية الزاوية يغسلون ألواحهم في
حوض الماء هناك وعبر قناة صغيرة تتوجه
المياه إلى بستان الزيتون، أرضنا طيبة
ووطننا عزيز.
سكت الشيخ وتوجه إلي السماء رافعا
يديه وتمتم بدعاء لم اسمعه. لكنني
خمنت. فقلت:
- يا شيخي الطيب سأسمعك شعرا في
بلادنا قاله المرحوم عبدالله
السعداوي، يساوي كلماتك ويضاهي معناك.
فرد الشيخ:
- .... قله بالله عليك
- يقول السعداوي:
إذا سرنا بأرض الله كنا
نسير بذكرها أنى نسير
فنذكرها إذا ما العشب غطى
مرابعها وأزهرت الزهور
ونذكرها إذا قمنا صباحاً
وعمّ الكون إشراق ونور
ونذكرها إذا رحلت طيور
نقول تيمميها يا طيور
ونذكرها ونذكرها كثيراً
وكان لمثلها الذكر الكثير
فليبيا طيب الله ثراها
وبارك أهلها الملك القدير
- لله ذرك يا حفيد الأشراف وسليل
الطيبين، رحمك الله يا عبدالله
كرر الشيخ عبارته هذه مرات معبراً عن
إعجابه بهذه الأبيات الطيبة. الشيخان
الآخرين هزا رأسيهما دلالة الانتشاء.
أردف قائلاً:
- هكذا يكون الحب للوطن وتلك أيامنا
التي كانت فا نظروا ما أنتم فاعلون.
شعرت بالأسى وانتابني بعض الحزن. يبدو
أنني قد حركت مواجيدهم المخفية
ومشاعرهم المكنونة، كانت استفزازاتي
قوية وانتهاكاتي حادة لعوالمهم
المسكونة بالصمت والمغلفة بالسرية
لكنني أدركت أنني في حضرة ثلاثة من
الفلاسفة التعساء في غير زمانهم، لم
يملوا الأحلام ولم ينالهم اليأس من
العيش بفضيلة وسلام. مددت يدي مسلما
وطلبت الإذن بالمغادرة، قام الشيوخ
للسلام ووجهوا لي الدعوة لتكرار
الزيارة فقبلت ووعدت. الشيخ الثالث
أكمل وضوئه للتو نهض وودعني بوضع يده
المبتلة على عنقي وربت على كتفي.
عندها أدركت سر حلم البارحة ولغز
اليوم.
يا حلما زارني في الليل وارتحل
لامس في النفس أوتار الشجن
وجال رواق الفكر وسكن
في صحوة النهار تمثل واكتمل
الأحلام رسائل ليلية تقرأ في النهار
وبين الليل والنهار تستغرقنا لفك
حروفها
الأحلام الكبيرة تحضر في أي وقت وتقرا
في وقت واحد
تأتي للكل ولكن معناها واحد
- الكلمات المميزة بخط مغاير هي أسماء
لاماكن في نواحي مصراتة
- مصراتة مدينة ليبية على ساحل
المتوسط شرق طرابلس ب200 كم
- الزاوية مؤسسة دينية تربوية تقابل
المدرسة في زمننا هذا، عادة ما تلحق
بالمساجد يتعلم فيه الصبية علوم
القرءان وقواعد اللغة، انتشرت في
أنحاء ليبيا والمغرب العربي منذ أيام
الأشراف الأدارسة حوالي القرنين
الثالث عشر والرابع عشر للميلاد. ومن
أقدم الزوايا في الديار الليبية زاوية
السيد الفقيه إبراهيم المحجوب بزاوية
المحجوب بمصراتة التي ترجع إلى عام
1306 ميلادي ولازالت هذه الزاوية
عامرة وقائمة بدورها في تعليم علوم
الدين واللغة.
/ 2/2007
23 |