|
ذات مرّة في الغابة الكبيرة
الهادي نجاح

ذات مرة عندما كان المواطن يوهان شميت
يجلس في الحانة التي تقع في الزقاق
الخلفي لميدان الجمهورية الذي يقع في
فرانكفورت، يداعب سيجارته بأصابع يده
اليمنى، بينما كانت كأسه تنتظره على
المنضدة المقابلة، كنت أنا في طريقي
إلى الخادمة لطلب كوب قهوة.
نظر إليّ يوهان شميت في حيرة ثمّ قال:
إنها جميلة حقا، لكنها لا تريد أن
تذهب معي إلى البيت!. أنا لا أريد
منها أن تذهب معي إلى بيتي، أريدها
فقط أن تؤنس وحدتي.. فأنا مللت دور
الدعارة التي تقع في شارع القيصر.
إنني لا أدري حقيقة ما الذي جعله يقول
ذلك، فالنساء هنا في ألمانيا وديعات
جدا، وليس ثمة فائدة من تبادل النظرات
الرومانسية للفوز برقم هاتف إحداهن.
النساء هنا لسن مثل نساء الشرق
"الموديرن". الفرق بين النساء هنا
وهناك لا يذكر.. نسائنا "الموديرن"
يطبخن، يغسلن الصحون، ينظفن ويمسحن،
يحملن أطفالهن في أحضانهن طوال
النهار. والنساء في ألمانيا يفعلن ذلك
أيضا، بيد أن النساء اللاتي هناك لا
يعرفن من الحياة سوى ذلك. أقصد لا
يعرفن ما معنى أن الأُنس لا يكمن فيما
يفعلنه فقط. فالأنس فن لا يدرّس في أي
جامعة خاصة، ولا يمكن لأي رجل مهما
كانت مكانته، ومهما علت أرصدته، أن
يشتريه لابنته، أو لزوجته، أو لأخته.
وجاءت الخادمة وهي تحمل كوب القهوة.
كانت جميلة حقا، تخطف عيني المرء قبل
أن تخطف قلبه، ولربما جيبه.
طفق يوهان شميت يكذب علي بأحاديثه
المقززة.. عنه وعن وظيفته، عن الأسود
والفيلة، وفي بعض الأحيان عن القطط
التي لا يمكن لها أن تسمن في مجتمع
أصبحت فيه السمنة تهدد أمنه القومي!.
يوهان شميت لم يتبق له من الأسنان سوى
ستة في الفك العلوي، وبضعة أسنان في
الفك السفلي.. ولكنه لا يزل يعتبر
نفسه أسدا!.. أسد يقعد كل صباح، تماما
عند السابعة إلا عشر دقائق، خلف مكتبه
الحديث في إحدى ناطحات فرانكفورت، لكي
يخدم أفراد المجتمع الوديعين، وليقضي
لهم مصالحهم في نطاق قانوني بالغ
السهولة.
وجاءت الخادمة وهي تحمل كأس بيرة
بيكس، لتضعه بعد ذلك على المنضدة،
متمنية ليوهان شميت دوام الصحة
والعافية.. كانت فاتنة حقا، جميلة إلى
حد يجعلك تطلب كوب قهوة آخر، لكي تكمل
السهرة مع الأسد الوديع يوهان شميت.
"
الأسود عندنا في ليبيا ليست بالكثيرة،
إنها أقل من أصابع اليدين والرجلين
مجتمعة..".. نظر إليّ شميت بسرعة، ثم
رمقني بنظرة حنونة، دلق بعدها ما تبقى
من البيرة في معدته.. "في ليبيا؟" قال
يوهان شميت بصوت عال.
"
نعم في ليبيا " قلت أنا..
حكّ يوهان شميت فروة رأسه بسرعة، ثم
قال: "لكنني سمعت أن ليبيا مليئة
بالقطط السمان. أليس ذلك حقيقة؟.. أنا
أقطن فرانكفورت منذ ستة عقود، ولم
يسبق لي هنا أن رأيت قطا سمينا يركب
مرسيدس أو خنفساء!".
"للأسف يا يوهان، أنت تقطن هنا منذ ستة
عقود، ولكنك لم تفكر قط أن تزور ليبيا
لكي ترَ ذلك بأم عينك". قلت أنا.
"نعم، نعم، إنني لم أفكر قط أن أزور
ليبيا، ولكنني في الآونة الأخيرة
قابلت رجالا كثيرين يريدون أن يصدروا
دواء إلى هناك!.. إن ذلك مضحك للغاية،
فالسمنة المفرطة ليست مثل داء تساقط
الأسنان!..".
أشعل الأسد الألماني صاحب الأسنان
القليلة سيجارته الخامسة، وأخذ
يداعبها برفق.. فيما ظلت الخادمة
الجميلة تنظر إلينا بحيرة.. كانت
الحانة هادئة، وكان الزبائن لطيفون..
بادلتها النظرات، ثم طلبت منها كوب
قهوة آخر.. فليلة السبت في فرانكفورت
طويلة، والناس في مثل هذه الليال
يملؤون الشوارع، وعلى المرء أن لا
يُذهب عقله بكوب من تلك الأكواب حسنة
المنظر حتى يتسنى له الوصول إلى سريره
هانئ البال، دون التفكير في مراكز
الأمن الشعبي، أو المخبرين السريين..
أو مركز من مراكز الغولة!.
"يحكى أيضا أن اقترح أحدهم قطع رؤوس
تلك القطط بسيف حاد.. أنا لا أرَ في
ذلك أيّة مشكلة.. فلو أنها قد شوهت
منظر العاصمة، فذلك ليس بحل مستبعد..
لكن.. " قال شميت، ثم تململ في جلسته
وأعقب قائلا: "لا أعرف، حقا لا أعرف!".
لا أعرف أنا أيضا إن كان شميت قد سمع
ذلك بينما كان يجلس خلف مكتبه، أم أنه
قد وشى إليه بعض الوافدين من ليبيا
هذا السر!.. فالكل هنا يريد أن يحاول
إيجاد حل للمشكلة الجذرية التي نخرت
عظام الفئران في ليبيا.. والكل يريد
أن يفوز بالعطاء، ولو بقليل من الكيكة
التي سوف توزع بعد الحفل الافتتاحي
للندوة التي ستكون في هذا السياق!. لا
زلت حقيقة أجهل كيفية القضاء على هذا
الداء الذي تفشى في مجتمع مليئ
بالفئران.. فالسيف الذي سوف يقطع رقبة
القطط السمان من الممكن له أيضا أن
يكمل طريقه ويقطع رقاب الفئران،
ولربما الأسود كثيري الأنياب!.
الأهم من كل ذلك هو أن السيد يوهان
شميت يتمتع بصحة جيدة في دولة الألمان
التي بنيت من جديد في زمن قياسي جدا،
والأهم أيضا أن السيد يوهان شميت
يعتبر نفسه أسدا في خدمة المجتمع
والوطن، ولو بستة أنياب، وسنان في فكه
السفلي. إنه لمن المحزن حقا ألا يجد
المرء أسدا وديعا مثله في أزقة
طرابلس، أو بنغازي، أو عند أية ترعة
في ليبيا!.
وجاءت الخادمة من جديد، لم تكن فاتنة
مثلما كانت في كل جولاتها السابقة..
عيناها أصبحتا كبيرتين.. وأسنانها
طالت لتصبح أنيابا.. وضعت ورقة مكتوب
عليها الحساب، فيما بقيت واقفة تنتظر
البقشيش.. نظر إليها يوهان شميت بشفقة
ثم قال: "حسنا، حسنا !.. لن أسألك
مجددا إن أردت أن تذهبي معي إلى
البيت، لا داعي لكل هذا الحنق..!"..
ثم ناولها ورقة مرسوم عليها رقم 20،
وأعقب: "هاك!، والباقي بقشيش!"..
الباقي بقشيش! نعم الباقي بقشيش في
مجتمع يجب أن يصبح فيه الأسد بالقانون
وديعا.."ألا تريد أن تنام ؟ دعك من
قصص الغاب، واذهب لكي تنام!.. إن
النوم راحة للبال!" قال لي يوهان وهو
يرتب على كتفي.. "حقا فالنوم راحة
للبال يا يوهان، والحديث عن دولة بدون
قانون راحة للقلب أيضا، ولكنني سوف
أختار أن أنام، فغدا يجب علي أن أعمل،
وأنا محتاج لمزاجي كي أتقن في عملي..".
وذهب يوهان شميت في طريقه.. وذهبت أنا
أيضا في طريقي.. وأخذ الناس يرشقونني
بنظراتهم الحائرة، كانت في أحيان
كثيرة جارحة، فيما ظلت إحداهن تضرب
بيدها على كتف صديقها، وتقول له:
أنظر! يبدو أن هذا الزنجي من ليبيا!
ألم تسمع بأن لديهم قططا سمانا.. قطط
سمان تملأ المدن ببرازها.. قطط مفرطة
السمنة!؟. |