|
زاوية حرجة للحقيقة
محمد المغبوب
mmaghbob@yahoo.com
صباح النور.
ومددت الخطوات منتحيا رصيف الشارع
الضيق، ولست مكثرتاً للسيارات الفاخرة
والأشخاص في بدلاتهم الآبهة، يحملون
حقائب اليد ليكونوا أكثر وجاهة، ولم
أعر اهتمامي للنساءات المقنعات بأدوات
زينة كى يبدين أوفر جمالاً، وهن يكشفن
أجسادهن بملابس ضيقة.
(الأكثر) هذه مسعى الجميع.
صباح السكر..
وضعت في القهوة السوداء خمسة ملاعق
سكر، الرشفة الأولى، لم يكن لها أي
طعم.
ريقي هذا الصباح الآلف علقم المذاق.
أشعلت سيجارة محلية الصنع بنكهة
رديئة، نفثت منها سحابة دخان أسود
وبعد سعلات متلاحقة، ارتسمت على شفتي
ابتسامة أظهرت أسناني السوداء، فأتتني
تحية من امرأة تراقبني فتظاهرت بأنها
ليست مرمى بصري.
لا بد أنها بعد التحية وتبادل أرقام
الهاتف، ستطالبني ببطاقة الدفع المسبق
لهاتفها النقال.
لست من هذه الصرعة الجديدة في البلاد،
فتجاهلتها.
ذلك أفضل، كأن لا وقت كان لدي.
صباح العسل...
لا جديد في الصحيفة و كل الأخبار
بائتة ما عليها ليس لي فرميتها على
طاولة مهملة.
ضمني الشارع داسا يدي في جيبي، خشية
يد تدخله، وتفرغ ورقة العشرة دنانير
منه أما جيبي الأيمن فقد أهملته على
عمد، هكذا.
اليسار يبدو أكثر احتمالا.
سخرت مني وضحكت علىّ بصوت عال.
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله، جُنَ
الرجل.
لم أعبأ بالقول.
صباح الشهد....
فعلت ذلك هرباً مني لكن لافتة دعائية
تعلن :
(جي.في.سي تجربة مثالية)
تسربت إلى رأسي أزحت بصري من عليها
عازماً على عدم شراء منتجاتها من أي
سوق ولنفسي قلت.
مسكين نوسترادموس فكل ربيعاته ذهبت
تأويل العرافين.
تذكرت فداحة سكنت نفسي، وبلغة شائكة
حاولت استدراج أعماقها فوجدتها غير
مرتبة.
الفوضى قاعدة أساسية للنظام ترتكز
عليه.
ما علينا
صباح الحلم.....
مزاجي لم يكن رائقاً، فقد رأيت
الطوفان قادم ليلة البارحة، سأبحث عن
كتاب ابن سيرين، لأن يوسف عليه السلام
لم يترك لنا كتابا لتفسير الأحلام فقد
انشغل بإدارة العدل بين رعية الملك.
ربما في ذلك حكمة لم يدركها الحكام..
أتذكر بقية الكابوس..
كانت ألواحي قد نخرها سوس البحر،
والأمواج كانت عالية ولولا جناح
الأمل الذي أمسكتُ به جيدا لكنتُ من
الغارقين.
كان يجب تقديم الشكر لرب العالمين،
لابد أن الوقت قد انصرم مني.
أشياء كثيرة، لا نجد الوقت لها، فثمة
من يغتصبه منا، خاصة عند مفترقات
الطرق، لذلك انتحيت جانبا من المكان
دون اختيار موضوعي.
في الحقيقة ليس لي وجهة محددة، فلم
يكن هناك نجماً يستهويني.
تذكرت..
أحدهم قطع الحبل بي، ورأيتني أهوي
كالغروب خلف المدينة بوجه أصفر، لكنني
لم أدر كيف من الغرق نجوت
الحقيقة أنني لم أنجو.
لابد أنني كنت في خطر غير أن الموت
لم يكن في حاجة لي.
وجدتني أهتف..
شكرا يا ربي أرجو أن تطيل عمري لأرى
أكثر وأسمع عنا الكثير.
كابوساً لازمني ليلة البارحة،
والصباحات هنا قاسية تحتاج لأصابع نبي
كى تلين أو نار شوق عاشق نزق.
لا يهم.
هي ليلة تسافر في ذاكرة الطريق،
سأودعها غرفة التهميش.
تسكعت في المدينة، أتضيع بين خباياها،
وأتلصص على مراياها المعلقة على
العيون.
عن لي الرقص في الساحة.
تحلق حولي خلق كثير صفق على نشوة
الحزن في جسدي حتى داهمني الإعياء
فسقطت أرضاً وارتطمت بحقارتي بينما
أخذت الأرجل تعود إلي أرصفتها تمشي
على غير هدىً.
الأرض ترقص أحيانا، وهي لا تدري أن
أول الخراب يلحق ببيوت الفقراء.
لا يهم فلا بيت لي ومرقدي عند حافة
النسيان.
لن أنسى إنني موجود مثل زهرة في وجه
الريح لا تحتمل الجراح.
ميت يمشي في جنازته المهيبة بوقار
الأنبياء يصدق نفسه بأنه على قيد
الحياة.
علىّ أن أنهض، فقمت كعربيد أنعشت
الخمر رأسه، وأنتنيتُ إلى الرصيف
الآخر، أجرني بخطوات ثقيلة، ومأساتي
كذلك فوق كتفي حتى وصلتُ باب مكان
عملي، ولم أجتاز العتبة إلى الداخل
حتى خطفت صاحبة المدير وهي خارجة من
مكتبه، رغبتي في العمل.
رأيتُ عينيها تحتفي ببقايا الشباب
لدي، وتعلم أن لأول الشيخوخة مذاق
آخر.
صباح الحب.....
* بعض الحب له رائحة الموت
ـ هو كذلك سيدتي ولا تنسى أن الموت
حياة جديدة على نحو نألفه ونعتاد عليه
منذ لحظة ميلادنا فيه فتعالي نتذوقه.
وافقت وحشرتني في سيارتها الصغيرة.
تقول لها رعشة يدها في يدي.
* سنشطب هذا اليوم من عمرنا التعس.
تضحك، وأضحك.
* أنت رجل يعجبني.
أدارت شريط موسيقى كلاسيكية، داعبني
النعاس، فهزتني.
* أنت لي هذا اليوم لستَ للنوم.
* ضحكتُ على خيبتي.
أول الخطيئة، فمها الذي كوردة المساء
سيلتهم طهري.
لا بأس من التجربة، سأضع العفة خارج
باب بيتها، وعندما أخرج لن أنسى كنس
القذارة، وسأشكر شجرة فواكه جسدها بعد
شبعي.
ربما افلح في تشاغل الشيطان بلعبة فك
وتركيب.
* لو سمحتي يا جميلتي، أريد محلا لبيع
الألعاب.
قرصتني في خاصرتي
* لست طفلتك.
* اعلم هذا. أردت أن اشتري للشيطان
لعبة ينشغل بها عنا.
ضحكت...
* شيطاني جميل ولعبه سيروق لك.
* هذا جيد.
النهر يخط بعصاه مجراه.
وصلنا دارتها،دخلنا سويا، وجدنا
الأريكة وقد تكدس الدفء حولها، وعلى
الطاولة قطة تموء لم تكثرت لي
فحذفتها من رأسي.
كانت تلاصقني واضعةً ساقها على ساقي
تستدرج ذكورتي على استمهال، وأنا
أراقب ما حولي.
ثمة رفاهية استفزت حقدي لكنني لم أترب
عليها، غير أن الذي أمامي كثير جداً
لا بأس من السؤال طالما أن يحمل
الريبة داخلي.
* من أي لك كل هذا ؟
* ممن أبيعه وهو غال لو تدري.
* يحدث كثيرا في بعض الأنحاء.
هناك من يغتصب الخصب من بين أيدينا،
ويترك لنا حشرجتنا وأنين بصفيره
يستقدم مخالب العاصفة.
صوتكِ يشبهني فهو كنبض جريح في آخر
الشارع.
ما علينا
صباح الأنس......
فتحنا نافذة الكلام الآخر..
وجدتها ماهرة تتقن جيدا دور الساقية،
والراقصة والأنيسة والعا... والمخبرة
معاً.
سألتني
* ما هي آخر كتاباتك؟
* قصيدة (الخنجر زينة الخاصرة).
* من الذي تريد قتله ؟
سؤالها كبير لا أطوله، فلم أجد الجواب
عنه.
صباح اللعب.......
رأتني أتراجع فلم أدخل باب اللعبة
معها،ووجدتني أُغضب شيطانها، فرمت
سلاح غوايتها من النافذة. وسألتني
* هل ستنبتُ في قلبي زهرتنا البرية من
جديد ؟
* ربما بعد أن تنعس الشمس وتصحو على
صوت الرعود، عند آخر الغروب، حيث
تكفهر السماء، وتتلبد بالغيوم وتتمادى
الرياح في مكرها.
صباح المطر.......
ارتديت معطفي وخرجت إلى الشارع.
كأن في مسمعي صدى صهيل الشهوة،
واللذة، والغواية بأصوات القطط،
والكلاب، والسكان أجمعين.
كأني رأيتهم قد نزعوا ما عليهم من
ثياب تحت المطر، والريح تعبث بهم،
وتراهم العين سكارى يترنحون بين أرصفة
الطرق التي تحولت إلي أنهارٍ يعلو
سطحها الفوارغ، والأكياس، وأشياء أخرى
ليس من الممكن تحديدها.
لعلهم يتطهرون من كذبة اقترفتها
الألسن على عمد، ونطقت بها الشفاه في
وجه المرايا.
صباح
الكلام.........
فككتُ حروف لغتي الداخلية
التأويل ممكن !
تفسير الجملة مستحيل لدي.
تذكرت التفاحة التي تركتها على
السرير، هرولت فوجدتها قد خلفتني
لخطواتي في المتاهة، ورحلت بعد أن خطت
على سطح الماء سطراً بسؤال.
يا هذاي..
* الحرب دائرة في بلاد أنت
أدرى بالذي فيها.
* هل سيجرفها الطوفان ؟
لا جواب.
صرختُ في الوجود.
صباح الحياة..........
الموت مخلوق أيضاً، والسر ذائع غير أن
البرزخ مسافة لا يمكن قطعها إلا
بالوقت.
سأنتظر أيها الزمن فلابد أن العمر
يعرف بيتي ويعلم أين أخبئ نفسي.
من يدري فربما زمني الجميل لم يبدأ
بعد؟
الليل دليل الشمس في لجة الدهر،
والبداية تعرف طريق أول نقطة لها.
الدنيا جميلة لا تدخل فرحنا المفقود
بثوب بالٍ ونعل قديم. لذلك فالطوفان
بزلزال في البحر كُلاب ينزع من فم
الفضيلة الضروس الفاسدة.
* لا بأس من رائحة البارود كى تحي
القلوب الميتة.
درويش الحي نطق بذلك من على مئذنة
يراقب عملية الغرق بهدوء.
صحت في وجهي.
* لا جنسية لمشاعري، والأحلام جواز
سفر إلي الخيال.
من المستحيل سجني. لست عبداً. والله
فقط يسكن قلبي.
صباح الضياء...........
تطلع الشمس من الشرق، فيوم القيامة لم
يحن بعد، وكل شيء على ما كان عليه.!
لا شيء تغير، ومهما يكن من الأمر فلن
أضرب بفأسي شجرة اللوز المزهرة
بالبياض.
سأصلح ما تهدم من روحي العنيدة، وأرتب
ارتباك الأمكنة، وكما خرجت تلك المرأة
من ضلعي سيخرج طفلي من صلب الفوضى
التي تحيطني، وتزهر في نفسي شجرة
الحلم عليها عصافير الكلام.
صباح الحرير............
وجدت في قلبها بيتي، دسستني فيه،
وضممت ما أتاني ليلة البارحة، فكل ما
تبقي بين يدي ووضعته بين أيدي الجميع،
وأنا أدرع شارع المدينة الكبير،
وبناعم القول دعوتهم إليه.
صباح المزاج...
يقولون....
رجلاً رائق المزاج يهذي بكلام لا
نسمعه كما ينبغي يطل علينا من زاوية
للحقيقة حرجة، ويوزع الصباحات على
الجميع في كل وقت كما تبدو له مرتسمة
بين طيات صور عصية على الفهم.
خرجتُ من جديد أبحثُ عني بين التيه،
والهاوية فثمة موجة للانهيار قادمة،
هي حبل النجاة.
صباح الـ......................................
الجمعة: 21/1/2005 |