|
|
|
مشاركة رقم:
59 /
التاريخ: 21/9/2006 |
آهـة وأنـيـنـهـا
محمد المغبوب

. بين الآهة وأنينها
.. قلب صغير يعتصر
…
وشوق كبير يحتضر
.... وحيرة كبرى تائهة عند مفترق
الطرق.
وأنا أستند على سنوات عمري، أقيس
المسافة بينهما على مهل، يمكنه أن
يتيح لي التفكير في تدبر أمري، وعلى
بعد خطوات، وجدتُ جسدي، وقد ألم به
جرحُُ،بدا لي قديماً، تشاغلت عنه بحرق
لفافة تبغ،أفلح دخانها، في إخراج بعض
السعلات من صدري قلت:
* ردات الفعل موجعة أحيانا.
فقد تنبهت للجرح وهو ينزف
* أخر العلاج الكي أو البتر.
جدي كان يلوك حكمتها.
أطفأتُ سيجارتي في الجرح، فصرختُ،
وأحسستُ بأن ألماً قد أنزاحَ عن
نفسي.
عاودت العد.
* هذه مسافة العاصفة التي ينبتُ صوتها
في الحلق.
زدت خطوتين..
* هذه رعشة لقلبي كأنه ينتفض، أو أنه
يمارس الرقص على فحيح الألم.
أريد صدرا أتكئ عليه.
يحضنني بأسري.. تمسح يداه على رأسي..
وأبث فيه لنفسي شكواي. هنا أنزرع
الشوق في أرض أحلامي، بيد أن على بعد
خطوة واحدة، كان مذبح الحنين
بالمرصاد.
جاءني صوت التوغل في الحيرة
* ابتعد
* عد من حيث أتيت، فطريقك معبد
بالصدمات.
يا أنت الرجل العدّاد
اللذاذة في الوصول استدراج للهلاك.
عاندتُ الأمر، ولم أكترث كعادتي.
عند مفترق الطرق، اتجهتُ يساراً، كان
الكذب يملأ الرصيف، وفى الناحية
الثانية كان الوهم،والذي يبدو حقيقة،
يغازلان جسد أنثوي، وكل منهما
يستدرجه إليه بكلام معسول، وكان الجسد
يزداد بالفتنة اكتظاظا.
لابد أن شهوة الغواية، ستشعل الحريق
في الأرجاء فلا فائدة تُرتجيَ هنا.
قريب ستخرج السنة العراك مولولة،
والأنياب ستغرز سمها في المكان.
* إنها الحرب بين ضفتي الطريق.
* هذا طريق الهلاك أرجع.
رجعتُ عند النقطة الأولى، ذات
المفترق، جرحى بالكي قد اندمل
* لا بأس هذا أول حصاد للموسم.
بالرغم من أن قدمي بدأتا تتورمان، على
الرغم أيضاً من أن الآهة عنى تبتعد،
وأنينها ما زال عنى يغيب، فإن
التجربة تستعذب خطواتي، وأنا أقيسها.
لكن نزّاعة الوقت تفعل فعلها، وذئب
المكان منى يقترب.
لم أبال.
* الاختيار ممكن.
علىّ بالركونِ إلي الآهة، أو السكن
إلى الأنين، أو أن أختار المنطقة
الوسطى، لا خيار ثالث لي، إلا ممارسة
الهروب من الجميع.
فجأة خطرت علىّ فكرة الصعود إلى
السماء، والاقتراض منها نجمة من
النجمات الفاتنات سحراً ودهشةً،
فالسماء واسعة وطيبة، لن تبخل عنى
بإحدى بارقاتها.
على كتفي سأحملها، أنير بها طريقي،
وأغتال بها حيرتي
لابد أن كل الفواجع ستحترق، والمواجع
ستخرس لسان الألم، لابد من أن الشكوى
ستذوب من وهج النور، وستتصلب الخضات
بين ثنايا الروح.
ستكون المسافات كلها بداية لدرب جديد.
سيعلم الخلق أي معجزة قادر على
الإتيان بها، وسينتبه شيوخ القبيلة،
وأئمة القوم أي جسد كانوا يجلدون، وأي
روح كانوا سيزهقون.
الليل كان مساحة لاستيقاظ النجوم،
والقمر الأبهى يحرس طريقي إلى السماء،
وأنا اردد ابتهالاتي، قصائد من الوله
كانت، وكلما مررت على نجمة سردت، لها
حكاية عشقي الأبدي، فتفرج عن شفتيها
ابتسامة حالمة وتسألني
* هل أمضى معك ؟
* اللعنة على الأشياء الدنيا، والعلو
يهبني سموه، والدنيا ترفضني كائناتها.
زدت صعوداً.
بانت لي السفلي قدراً مضمحلاً متكوراً
على نفسه, فاشمأزت نفسي منه، وخطرت
على ذهني مئات الخواطر حذفتها
جانباً،وأنا أدق باب إحدى النجمات.
خرجت علىّ..
*ها أنت ذا ثانية.
تذكرها دفعة واحدة.
هي بعينها التي من قبل رأيتها
ذات حلم،كنت مثلما الآن معها، أتحدث
معها تخاطراً، أمضيت معها حلما في
غاية الصفاء والنقاء، ولما حان موعد
انصرافها، وعدتها بالمجيء إليها
ثانية، فمازال اللقاء معها لم ينته.
* تحب أن تحملني معك، لتضيء بي غياهب
مسافتك.
أعياك العد، وأرهقك الاختيار، يسار
طريقك،كان سمجاً، وحقيراً، يرعب
الأبصار.
جميل أنك لم تلج يمين الطريق، ماجن
رصيفه، فاسق بلاطه، وواجهات جدرانه
أبهة بالفساد مزدحمة، داخله مفقود،
وإن أفلح في مراوغة الاشتهاء، سيظل
داخل متاهة بألسنة لهيب الوهم مسيجة.
شعرت بالرضاء يغمرني، أدركت أن خطواتي
الهاربة قد فسحت إلى مجالاً للفرجة،
والضحك سخرية على فشل الغاويات.
نجمتي التي حلمتُ بها،كانت منذ
الغروب، تخرج من مخدعها، في انتظار كل
فجر قد أتى.
ها هي ذي الآن فوق كتفي، ونور ربنا
يسطع من فوقى، أرى أفاقين، يقطعون
الطريق، بعادات شاذة، واللصوص يسرقون
الوطن، والحية، التي تأتيني في
الكابوس عنوة، تنفث سمها، والجميع
يتقى لسعتها، بصرف النظر عنها، فيما
كانت كل يوم تزداد سمنةً، واستطالاً
لا يزعج خروجها عليهم إلا بعض الحجرات
من الصبية تنطلق.
غير أن الخوف في النفوس كان يكبر،
والرقاد على البطون يزداد، حتى أنك
تضحكك مناظر المؤخرات،وهي دائماً
عارية.
لم تهمن فداحة ما أرى، لكثرة ما رأيت،
حتى وصلتُ أفق السماء طاوياً المسافة
طياً
عملقة كبرى كنتُ أقومُ بها، ولم يأبه
بها أحد، فقد أهتم الجميع بالمحمول،
وأهملوا الحامل
هالهم النور بين كتفي، وعقدت الدهشة
لسان حالهم.
انبهروا بضوء نجمتي، بينما زمرة من
الحذاق، وقطاع الطرق، والذين يمتطون
موج الزحام، ويرتقون ربكة المكان
هؤلاء اللذين يخطفون خبز الفقراء،
ويلوكون صمت المساكين، ويصنعون
الأحلام المؤجلة.
الذين كلما عرفتَ لهم وجهًا، ارتدوا
قناعاً زاغوا به عنك، وجدتهم ينسلون
إلى المكان.
كل منهم حاول إجتزاز جزءاً من نجمتي.
بيد أن الخيبة كانت تقذف نفسها،
والفشل يخلع رداؤه عليهم، فبدوا أضعف
مما هم عليه.
ها هي ذي المسافة أرى أولها، والمح
منتهاها، وأرقص من شدة الضحك على
الجهد الذي بدلته لقياس المسافة
وجدت أول الآهة، هو آخر الأنين
كانت الآهة واحدة على نفسها منقسمة
إلى جزئين يمكنني بكل يسر، إذا ما
توفر الوضوح لدى، أن أقذفها بعيداً،
وأصوبها على تلك الحية، التي أربكت
المكان، فأثلجت قهوتنا، وكسّرت كؤوس
نشوتنا، فلم نعد نروض، مزاجنا كما يجب
لننطق الحكمة، وهي علي رؤوس ألسنتنا
الصامتة
جدي كان يقول
…
(اقطع الرأس تتيبس كل أعضاء الجسد).
ماذا نفعل , وقد سرقوا الفؤوس كلها،
والسادة أحرقوا، الغابات.
الساعة في يدي معطلة، والشمس خلف قصر
الأمير،وأن...
طرحت، من ذهني كل ذلك، وأبصرتُ اللون
الأرجواني عند الأفق، فأدركت,موعد
سطوع نجمتي من عليائها، تنتظر الفجر
الذي يأتي دوماً فإذا هي ترتقي بكل
الزهو سلم السماء إلى حيث كانت، وهو
مكانها الدائم لها.
ما زلتُ أنا هنا كما أنا
غير أنني أدركتُ بعد قياس المسافة. أن
بين الآهة، وأنينها،
قلب صغير يعتصر
وشوق كبير يحتضر
وحيرة كبرى عند مفترق الطرق
تاهت بأنفاسها،العاصفة.
ربما لهذا، واستدراكا للأمر، نبت في
الحلق، صمت الصدى.ليكتب علي الضلوع،
قصة المسافة بين الآهة، وأنينها.
وجدتني منفلتاً من كل ذلك،كأنني لم
أسمع شيئا، ولم أرقب أمرا، وأن
المسألة ليس إلا رواية كل ليلة أكتب
لحبيبتي جزءاً منها بعيداً عن كل
الآهات.
عندما يأتي جلال الليل، وبهاء السحر،
أضع في حجري، قبسا من ضوء نجمتي،
وبكلام الصمت أنشد لها قصيدتي، وأسرد
قصتي عنها.ِ
|
|
|
|
|
|
|
|
|