...الـــقـــصـــة...

مشاركة رقم: 58 / التاريخ: 21/9/2006

ذوبــان

 

نجـيـب كعـواش / المغرب

 

 

هي الذكرى.. عندما يلح صهيلها، وينتفض في شعاب القلب والعقل، نتحرك في الزمان والمكان، ونقطع مسافات طويلة فرقت بيننا وبين من نحب، عشرات السنين.. كانت العائلة ملمومة في فناء الدار، صخبها يعلو ويعلو، في تلك الأمسية اليوليوزية، التي انخفضت حرارتها قليلا عن المعتاد. فجأة، انقطعت الكهرباء، وساد الظلام. ورغم أن الليلة كانت مقمرة، والسماء مزروعة ومضاءة بالنجوم، فإننا لم نكتف كالمتشائمين المتقاعسين، بلعن الظلام السائر في إفساد جلستنا، بل فتشنا في دولاب المطبخ، عن الشموع التي كنا نحتفظ بها دائما لمثل هذه المناسبات، لكننا لم نعثر إلا على بضعة شموع، هنا وهناك. ذاب نصفها، وهي تنير ليال قديمة، وظلمات سابقة. تطوع أحدنا، وخرج ليشتري شموعا عذراء، بعدد المتواجدين في الدار، وأشعلناها كلها، وكأننا في ضريح ولي صالح، نتبرك ببركته، أو في حضرة عراف، يقرا مصائرنا.. صنعنا شموسا صغيرة توزع نورها في أرجاء الفناء، بحيث أن الكهرباء لو لم تنقطع، لن يكون نورها أقوى بكثير، من نور الشموع..

 

من الركن الذي أجلس، فيه، كنت أرى بعض ما يجري في الخارج. الباب موارب شيئا ما. رأيت سيارة في الرصيف الآخر، كان سائقها يتردد في التوقف. لم أهتم للأمر، ولم أظهر ذرة من الفضول لمعرفة صاحب السيارة، أو سبب توقفه. ألغيت إغراء الفضول، وانفلتت من سطوته، وحولت رؤيتي إلى فناء الدار.. لكن خيل لي أنني أسمع اسمي، لكنني طردت هذا الخاطر.. <أعماقي تناجي الآن أعماقها> قلت في نفسي.. <وهي مجرد أصوات لا تكف عن الهدير بداخلنا، ويتردد صداها كما في الحلم> لكن الصوت تكرر بوضوح، فتراجعت عن التفسير الأول، ولم أعد أنسبه لأعماقي الهادرة. إنه حقيقي، وقادم من الفضاء الخارجي القريب.. حولت عيني مرة أخرى إلى الفضاء الخارجي.. تولد الاهتمام، وهزمني الفضول.. نطقت أنا بدوري باسم صاحب الصوت، وبصوت مسموع. انتبه البعض إلي، وأوقف لغوه، وصمت الكل في وقت واحد. نطق أحدهم بسؤال بدد صمتهم.. اندفعت كالمسحور إلى الباب، وكنت مديرا لهم ظهري، ولم أعرف صاحب السؤال:

- من (رفيق) هذا؟

 

لم أستطع أن أنسب السؤال إلى أحد، وبقي معلقا على شفتي واضعه. نسيت ولم أعد أعرف إن كان هناك سؤال مطروح، أو بقي معلقا ورائي، وينتظر جوابا.. وصلت إلى عتبة الدار. نزل من سيارته وترجل أمتارا. أنا، في نفس الوقت، قطعت نفس العدد من الأمتار، انطلاقا من عتبة الدار، والتي كانت تفصلني عن نقطة ولحظة التماس. ذبنا في عناق اللقاء الحار.. أسئلة كثيرة ظلت معلقة على حبل المسافات والسنين، بدأت الآن في الذوبان، كما تذوب في هذه الأثناء، وتفنى تلك الشموع التي تسطع كشموس ليلية صغيرة.. - هو. هو.. قلت لنفسي.. وربما ردد هو مع نفسه: - هو. هو.. بعض أفراد العائلة كبر في غيابه، وانضاف إليها آخرون، لم يروه من قبل، ولكن هناك من لا يزال يذكره. هؤلاء بالذات صدرت عنهم تلك الحركات التي نصدرها حينما نتوقع أحدا، أو شيئا ما، ويظهر لنا بعد ذلك، أنه أحد، أو شيء آخر، تماما غير ما توقعناه..قلت له بصوت يكسره النحيب:

- أمي ماتت منذ أسبوع..

احتضنني، وطفرت الدموع من عينيه، وضاع صوته في حنجرته، وهو يقول لي:

- وأمي ماتت من أسبوع أيضا..

احتضنته، وامتزجت دموعنا، وبكينا طويلا، حتى أبكينا معنا الجميع.