|
الـرقـصة
محمد الجمل
إنه منتصف النهار.. وإنها شمس الربيع
المحتضر.. تكون أشعتها من القوة بحيث
تخترق ملابسك وتكوي جلدك.. وإنها
نسمات الهواء المنعش.. تلاعب الأغصان
برفق أحياناً وتتركها أحايين.. كانت
تقف بين الأشجار وقد نثرت شعرَها
ليتمايلَ مع النسمات.. كان يذكر ذلك
اليوم بكل تفاصيله عندما التقيا أول
مرة.. كان ذلك مند زمن ليس بالقريب..
لم تكن تقوَ على الوقوف بشموخٍ كما
اليوم.. كان لها السندَ والعون..
عندما تكون في أول المشوار فإنك تحتاج
إلى من يسندك لتواصل طريقك.. لتحس
بوجودك.. لتبدع.. وقد كان هو ذلك
الدعم وذلك السند.. كان يلتقيها كل
يوم في نفس المكان.. ينظر احتياجها..
يوفره لها.. لا تحتاج إلى الكلام..
لأن إحساسه بها أبلغ من كلماتها.. نظر
إليها من بعيد.. من خلف زجاج
النافذة.. حرارة الجو منعته من
الخروج.. لمحها وسط الأشجار ببسمتها
البيضاء الناصعة.. عرف احتياجها
إليه.. لم يستطع المقاومة.. اتجه
إليها مباشرة.. كانت حركاته بطيئة..
إلا أنها واثقة.. وقف أسفلها.. لقد
كانت ترتفع عالياً.. يوما ما كان أطول
منها.. إنه يغبطها.. تتجه بقوة إلى
الأعلى تندفع بكبرياء وكأنها ترفض أن
تستنشق هواء السطح.. تبحث عن هواء
أنقى وعن جو أجمل.. فيما يظل و كأنه
بمستنقعٍ تغوص قدماه أغلب الوقت..
يخرجهما جاهداً لتغوصا مرةً أخرى
بدرجةٍ أكبر من سابقتها.. أنهما
يخضعان لقانونِ جاذبيةٍ واحدٍ.. هو
فقط من يتأثر به.. يكبله ذلك القانون
ويمنعه من الارتفاع.. أزاح الحبل عن
كتفه.. لف طرفه على وسطه.. ولف الطرف
الآخر على وسطها.. ربط نهايتي الحبل
عن يساره.. عانقها وحولهما طوق يمنع
أحدهما من الابتعاد عن رفيقه.. خلع
نعليه وبدآ يرقصان معاً.. كان يرتفع
مع كل قفزة إلى الأعلى.. رحلةُ الصعود
شاقة.. في الأعالي كان الجو مختلفاً..
النسمات الخفيفة بالأسفل تتحول إلى
تيارات قوية بالأعلى.. يتمايلان
معًا.. لا يشعر بالخوف.. فالطوق
جعلهما كجسد واحد.. للأعالي قانون
آخر.. يجب أن تساير الرياح كلما هبت
ومن أي اتجاه.. تتمايل معها.. قد
تأتيك على حين غرة وكأنها تختبر
ولائك.. وقد تكون هناك تيارات مختلفة
وكلٌّ يحاول أن يضمك إليه ويجب أن
يكون ولاؤك دائماً للأقوى.. شيء يجعلك
بلا مبدأ في جو بلا قانون.. إنه
يعرفها.. صلبة.. قوية.. ستقاوم
الرياح..سيكون الأمر سهلاً عند
الارتفاع المنخفض.. لن تكتفِ
بالقليل.. بعدم الارتقاء.. سترتفع
وترتفع.. وستكسر يوماً.. إنه يخشى ذلك
اليوم.. ويأمل أن لا يكون موجوداً عند
حدوث ذلك.. يؤرقه هذا الهاجس.. بلغ
أخيراً غايته.. أصبح أقرب ما يكون
منها.. أمسك عصاه.. وضع بنهايتها قطعة
لها رائحة نفاذة من جراب كان يحمله..
دفعها للإمام.. يعرف هدفه جيداً.. ذلك
الجزء الأبيض الناصع المغطى بعناية
داخل حافظة بنية اللون.. ناعمة الملمس
مخملية من الداخل.. صلبة وخشنة من
الخارج.. تحيط بها وتحميها أشواك
محمولة على خصلات خضراء تنتشر
بعشوائية منظمة تهتز مع النسمات محدثة
حفيفاًً يعجبه ويستمتع به.. جعل ينتقل
من زهرة إلى أخرى ناثراً عطره النفاذ
وموزعاً حمله الثمين.. أخيراً أنهى
مهمته.. تحرك للأسفل.. تركها تنعم
بعلوها.. رحلة الهبوط أيسر وأسرع..
قـفزات معدودة وتكون بالأسفل وكأن
شيئاً لم يكن.. فك الطوق.. وضع الحبل
على كتفه.. غادر النخلة ليواصل الرقص
مع أخرى. |