...الـــقـــصـــة...

مشاركة رقم: 46 / التاريخ: 24/6/2006

حقيبة من جلد التمساح

 

عبد الرحيم العطري / المغرب

 

 

حتما ستغادر السرير باكرا، ستمضي مسرعة نحو الحمام، و بعدئذ إلى المرآة، آه من المرآة، الـ"كلنا" نعشق التحديق فيها، كما لو أننا نعيد اكتشاف ذواتنا من جديد، أو على الأقل لنطمئن أننا ما زلنا آدميين، ما دام العالم منته إلى زوال و انمساخ.

ستحرص حتما على استعمال العطر الذي حدثتني عنه على ضفاف وادي السيليكون، ستصبغ شفتيها بالأحمر القاني، كما حمرة الوقت في لهيب الضياع، و ربما تحافظ أيضا على "زواج الألوان" داخليا، ألم أخبرها على الماسنجر أنني أعشق ذلك اللون الكارثي وهو يعصر الأماكن الحساسة؟ إنه يقلب موازين اللذة و الألم، يحيلني شخصا آخر، و ربما ثورا هائجا من ثيران الكوريدا....

متأكد أنها ستمضي أزيد من ثلاث ساعات قبالة المرآة، لتتوجه إلى دولاب الملابس، ستختار "لباسا إداريا" في غالب الأحايين، هكذا قالت ذات "شات" عابر، لكنها ستحتار في الحسم في اللون المناسب، لو كنت بجانبها لاحترت لها الأبيض إيذانا بالولادة و الامتداد، لكنها عنيدة كما العادة، و هذا ما يشدني إليها أكثر، على الأقل في هذه المسألة تختلف جذريا عن زوجتي التي لا تجيد غير الطاعة العمياء، إذن ستختار الأسود رغما عن أنفي الأجدع. و بعده ستعود مجددا إلى المرآة، لتتأكد مرات أخرى من اتساق ماكياجها المائل جدا إلى البنفسجي. حتما ستفعل ذلك كله في ست ساعات، لتكون في الموعد كالزهرة العذبة في عنفوان الربيع، ستبدو رائعة جدا في تمام الثانية عشرة زوالا بمحطة القطار الرباط/المدينة. لا أدري لماذا فرضت علي هذا الموعد المفتوح على لذة البطن أولا؟ هل تظنني آخذا إياها إلى مطعم فاخر ؟ ألا تعرف جيدا أنني أحسب البصاق ريالا من شدة البخل ؟

 

سآخذها إلى قصبة الأوداية، فالمكان شاعري للغاية، طبعا لن نستقل سيارة أجرة، فالترجل عبر الشارع الرئيسي وكذا "السويقة" له مذاق خاص جدا، و فوق هذا كله فسيارات الأجرة باتت ترهق الجيوب من سرعة "الكونطور"، كما أنني لا أستطيع أن أقلها على متن سيارتي، لقد أقسمت لزوجتي ألا تركبها أي امرأة غيرها.

أنا الآخر سأمكث طويلا أمام المرآة، أتأملني، أمعن النظر في الشيب الذي علا الرأس و الذقن، أغوص في ندم على فائت أنفق في اللاشيء، أتأمل جرحا أعلى الجبين، أتذكر أنه من فعل شقاء الطفولة، أذكر أيضا أنني هزمت ذات الجرح بالبول و"التحميرة"، هكذا نحن في المغرب العميق، نرفض تعاليم باستور، و نهزم المرض والعفن والعطب بأشيائنا الخاصة جدا.

 

سأحرص على استعمال مرطب الشعر، لهزم خصلاتي المتمردة صعودا، سأرغمها على الانبطاح فروة، حتى لا أبدو مثل قنفذ البحر، سأمطر وجهي وصدري وإبطي تحديدا بوابل من العطر الرفيع، يتوجب علي أن أكون في مستوى الحدث، أليس العطر أقصر طريق إلى قلب المرأة، وربما إلى تخوم شبقيتها الغائرة؟

لن أتردد في اختيار تلك البدلة الرسمية بربطة عنقها الذهبية اللون، وكذا الحذاء الأسود ذي العلامة الفاخرة، الذي أهدتني إياه زوجتي بمناسبة عيد زواجنا الثامن عشر، الجوارب سأمطرها بالعطر الرخيص هذه المرة، فلربما تفوح منها رائحة عطنة جراء المشي من محطة القطار إلى قصبة الأوداية، علي أن أستعد لكل المفاجآت غير السارة.

سأمضي أزيد من ست ساعات استعداد لهذا اللقاء الذي انكتب أخيرا، بعد طول تواصل على خيوط العنكبوت الافتراضي. كان البدء ذات مساء بارد كانت تغط فيه رفيقة الدرب في نوم ثقيل، على الماسنجر انكتب اللقاء صدفة ليثمر حبا عميقا، عام من الرسائل الإلكترونية القصيرة جدا، الدافئة كثيرا، عام من الحب الافتراضي استوجب لقاء واقعيا في عز ظهيرة يوم قائظ.

ما عدنا نستطيع الفكاك من هذا الحب السيليكوني، أنا الـ"عزيز" الذي عانق الأربعين سنة و لم يجرب الزواج قط، و هي الـ"سميرة" التي احتفلت أخيرا بربيعها التاسع والعشرين، ولم تعرف إلى طعم الحب سبيلا، هذه هي هويتنا المستعارة التي أقسمنا على أنها الحقيقة، لا بأس عندما أقابلها سأعترف لها بكل شيء، فحبها لي سيجعلها تسامحني على كذبتي البيضاء، حتما ستسامحني، إن لها قلبا بحجم السماء.

 

الساعة تطل على منتصف النهار، سأتعرف عليها من خلال حقيبتها اليدوية المصنوعة من جلد التمساح، لا أدري لماذا اختارت هكذا علامة للتدليل عليها؟ وستعرفني أيضا من خلال ربطة عنقي الذهبية التي أهدتني إياها زوجتي الأسبوع الماضي، ستكتشفني أيضا بواسطة حقيبتي الممهورة باسم الجامعة التي أحاضر بها.

محطة القطار الرباطية ملأى عن آخرها، كما كل يوم، بزبناء اللذة، الراغبات في الانصياد، الراغبون في الاصطياد يستعمرون السور القصير المطل على السلالم المؤدية إلى أسفل، عجائزهن منذورة لمن يدفع أحسن، وعيونهم لا تنتهي من التشوير والغمز.

أوهمت صاحب الكشك المنتصب ركنا، أنني قارئ محترم، يبحث جديا عن عنوان ضائع، ما كنت أرغب في القراءة ولا الشراء، أقلب صفحات الكتب و المجلات، وفي الآن ذاته أرقب الباب باحثا عن سيدة تتأبط حقيبة التمساح.

فجأة، يأتيني صوت دافئ من الخلف، يناديني باسمي المستعار "عزيز"، استدرت نحو سيدة بحقيبة من جلد التمساح، تسمرت في مكاني، تاهت عني الكلمات، إنها هي صاحبة الحقيبة إياها و اللباس الإداري الأسود وأحمر الشفاه القاني، والماكياج البنفسجي، وربما الملابس الداخلية الحمراء، وأنا أنا صاحب اللباس الرسمي والربطة الذهبية والحقيبة الممهورة باسم الجامعة، أنا "محمود" صديق زوجها عبد الرفيع الأقرب إلى الخافق من كل الأصدقاء، وهي "كلثوم" صديقة زوجتي صفاء والأقرب إلى خافقها من كل الصديقات.

لم أنبس ببنت شفة، هي الأخرى صامت عن الكلام، غادرت في صمت، ما عاد الكلام مجديا في هكذا موقف، الصمت الفادح سيد الموقف والمكان، تهت بين الزحام، لا ألوي على شيء. رفعت الأقلام وجفت الصحف.