...الـــقـــصـــة...

مشاركة رقم: 45 / التاريخ: 24/6/2006

ويظـل الكرسي

 

عـادل بوجلـدين

 

 

قلما يُشاهد واقفاُ.. اللحظات القليلة التي رأيته  واقفاُ كانت مجرد تأهب للجلوس على أول كرسي.. فمن المألوف انه –ودائماً-  ما يختار أول كرسي للجلوس عليه.. منذ نعومة أظفاره وفى البدايات الأولى إبان سنوات الدراسة تعود دائماً ملازمة الدرج.. لم تكن تستهويه فكرة اللعب أو الانخراط فيما يُبعده عن الجلوس.. ورغم غبائه وعدم تميزه إلا أنه يختار دائما الجلوس في الصفوف الأولى رغم أن أكثرنا يختار الصفوف الخلفية لنكون في منأى عن أسئلة الأستاذ وعقابه في أحيان كثيرة.. لم يفارقه هذا الشغف واللحظات القليلة التي يضطر فيها إلى الخروج من الفصل كان يصنع لمؤخرته كرسياً في الباحة  لعين عودته إلى كرسيه الأول في الفصل.

لم أستغرب كثيراً حين فرقتنا الأيام وسمعت أنه تقلد منصباً ما.. كنت الوحيد الذي يدرك أن سعيه نحو المنصب كان بدافع حبه الطفولي للجلوس على الكراسي.. لم أستغرب أيضا حين كانت تصلني الأخبار عن  تنقله في المناصب المختلفة ولجوئه إلى كافة السبل فقد كنت أدرك شغف مقعدته بالجلوس على الكراسي.

مؤخراً علمت بأنه قد أًبعد عن كافة المناصب وقابلته حينها.. كانت السنون قد ناخت عليه بكلكلها.. وشاخ قبل الأوان.. رأيته منهكاً يجر أقدامه في تثاقل.. لا أنكر نظرتي المتلصصة نحو مؤخرته التي ألفيتها قد انبسطت لكثرة اعتيادها على ملازمة الكراسي فبدت تضاريس الكرسي ماثلة عليها.

مؤخراً سمعت انه مرض فجأة ومات.. لم أتمكن من كبح جماح سخريتي حين قادتني قدماي إلى سرادق عزائه.. فقد أحسست أن سلواه الأخيرة هو انتشار الكراسي في خيمة العزاء وتمكن الجميع من الجلوس عليها.. البسمة التي لازمتني وأنا أئد من سرداق عزائه لم تمنع أمنية كنت متأكدا من سعادته بتحقيقها..لو انم دفنوه جالساً على كرسى!!