|
تيرمينوس
نجـيب كـعواشـي / المغرب
البرد والجوع جائعان إليه ولأمثاله.
يفترسانه. الليل يبتلع المدينة الحبلى
بالناس. لفظتهم أعشاشهم الدافئة
ونزلوا إلى الشوارع ليودعوا سنة
ويستقبلون أخرى. الشوارع تجد ما يسكت
جوعها الأبدي للحركة والضجيج. لا أحد
يمده بما يملأ جوفه الذي يصفر فيه
الجوع أو يصب الدفء في دمائه التي
أوشكت أن تتجمد. استتب الليل وعربد
البرد. عبثت الريح بشعيرات رأسه
البيضاء القليلة. الزخات المطرية لم
تتأخر في الهطول. ازداد إيقاع هطولها
فتوقف عن السير. ساقاه تترنحان. لم
تعودا تسعفانه. يتحسس الطريق كي لا
يصطدم بجدار أو بشجرة. فقد القدرة على
التمييز. هذا الجزء من المدينة كان
يعرفه كجيبه. أصبح الآن مكانا غريبا
عنه ومجهولا لديه. واسى نفسه بسذاجة:
هناك الكثيرون يستعصون على العد
والحصر, قابعون وراء قضبان شروطهم
الإنسانية. يحترقون بنار الغربة
وتدميهم سياط العزلة ولكن لا أحد
يستطيع النفاد إلى متاهات وجدانهم
ليعرف بماذا تعج وتحت أية وطأة تئن..
المارون بمحاذاته يصطدمون به ويوشكوا
أن يخرجوه عن ممراته المتعرجة. هل
بإمكانهم سبر أغوار ذاته أو قراءة
سديم أفكاره؟ ليس هو الاستثناء
الوحيد. هناك استثناءات أخرى تشاطره
نفس الشروط وتؤثث معه نفس المسافات
وتتحرك في نفس المتاهات. قارن بينه
وبين وضع امرأة في المخاض.. رأى وضعه
أشد شراسة لأنه لم يجرب آلام الوضع:
فروق كونية بينه وبين الأنثى.. لكن ما
هذه الشطحات التي انساق وراءها وكيف
انزلق إلى هذه المقارنة وطاوع
إغراءها؟ داهمته الهذيانات وخرج
الموضوع عن إرادته وانفلتت الأمور..
انتهت خطواته المترنحة عند مقهى
المحطة الطرقية.
تهاوى من العياء والأرق على أحد
كراسيها الباردة. الجو الرديء طرد
الناس إلى أعشاشهم وأعلن نهاية العرض.
أحنى رأسه ودس يديه بين فخديه باحثا
عن الإحماء لكن البرودة اخترقته صاعدة
من الأرض إلى رأسه ونازلة إلى أطرافه.
المأكولات الساخنة تغريه بارتكاب
جريمة للظفر بلقمة. لكن الحصول على ما
يدفئ الروح ويقتل الجوع يرتدي أبعاد
المستحيل. إفلاسات مادية ومعنوية قتلت
فيه الأمل. طرق كل الأبواب فصفعه
النكران والعار. اسودت الدنيا في
عينيه وتعملقت كوابيس بلون اليأس في
حقول حلمه.. هل هذه هي الحرية التي
حلم بها؟ هل هذه هي الحياة التي أفنى
جزءا منها في سبيل الكرامة وإحقاق
الحق؟ غزته أمواج التفلسف من جديد
وصدى صراخه يسافر عبر الأمداء: الآن,
فقدت حريتي. |