...الـــقـــصـــة...

مشاركة رقم: 32 / التاريخ: 3/5/2006

3 قــصــص

 

أمـال العـيـادي

 

 

نـســف

امرأة تعرض حقيقة نصف نائمة، مشاعر عنيفة تباغت خيالاً فوضوياً، هذا ما نسجه إعجاب أبي اللا متناهي ومديح أخوتي.

حنين يجتاح الأحاسيس، أشواق حرّى تُداهم الوجدان لتصل لأزاهير حب مخبأة، نظرات  تتمزق بين ما يعرض بشاشات الذاكرة وبين قطار الطفولة الرائعة كأنسام الربيع الحالم، كم نقشت له من رسوم زاخرة بالروعة، مكتظة بالجمال، لا مثيل لها في الواقع، كم عشقت اسمه مُذ كنت طفلة لا تجيد سوى العبث بتلك الدُمى المسكينة، لطالما احتملت فظاظة طبعي بتدليلي لها حيناً واستنكاري لها أحياناً أخرى، ما أزال أفرض إرادتي بالصراخ وبإيقاع قدمي على سطح البلاط، مازلت أهدد أحبتي بعدم الاستمرار في اللا بكاء كلما مُنعت من شيء أبغيه، لا لشيء إلا لمتعة الامتلاك، ولذة التحطيم.

شيئاً فشيئاً بدأ الصراخ عندي يدخل مجرة الممنوعات، وبدأت أتحاشى أن أثير صدى وقع  قدمي على البلاط، بتُ أشعر برجفة حالما أسمع ضحكاته التي تنشر فراشات الغبطة بأرجاء هذا البيت الصامت إلا من روح أمي، أختلف الأمر كثيراً، صرت أنتظر طرق الباب.. ترى ما سبب هذا التغير المفاجئ؟

وجدت نفسي مهتمة بجمع لفائفه، ألاحق عطره الجنوني المتطاير في الأجواء الذي لم تبدده سحب دخانه الكثيفة!

- ويحي.. ما الذي حدث لي!؟

بت لا أكتفي بسماع قهقهاته المدوية التي يطلقها الواحدة تلو الأخرى.. تأكيداً على وجوده، لم أكتفِ بقراءة كلماته المحفزة الواعدة بالأمل فحسب.

صرت أجمع موسيقاه من بين الأحرف الوردية والسطور الخضراء بكل نهم.

ها هو ضجيج الهاتف ينسف كل الأحلام الهادئة!

 

 

رحـيــل

أفواه مشرّعة.. أثداء ظامئة اتخذت من القمم المدببة ملجأً لها.. حناجر على أهبّة الاستعداد.. معطيات شاحبة الوضوح.. ربما هفيف نابض جمعهما خلسة في نفض مجنون إلام تعزوان ازدياد نسبة الصرخات اللا مباحة!؟

الكل هنا توّاق يبحث عن أحضان دافئة.. متلهف للنّهل من نبع الحياة. والمطلوب هو إثبات أن الأطراف ليست المتلظّية الوحيدة فهناك الكثير.. الكثير.

شبح المقابر يخيم على الأرواح وصرخات لا عد لها ولا حصر.. أهم جيّاع؟ أم أنهم عجزوا عن تفسير ما يجري.. ؟ الدنيا فاتحة ذراعيها للأيتام والمشردين.

هي حية إذن. ماذا لو أنها ميّتة؟

لا بأس علائقنا بالقبور وطيدة منذ الأزل.. لن نحتاج آنذاك لبرهنة معطيات القدر.. أحسدكن على الانطلاق:

- لا.. فمكوثك بغياهب الدجى المهجورة حتى من الوطاويط كما تزعمين، أفضل من خروجك!

نور وهمي زائف. إنه الطّامة الكبرى. أهوى الملاكمة ومن رائدات كرة القدم أنا، إلا أنني أسبح في حوض آمن وسط حاو شفاف، أقضي أوقاتاً مرحة أتقرفص وأفكر في هدوء تام بعيداً عن وحي الإيعاز ولوّث السلطات. مرّ شهر ونصف على وقوع الحدث ولم أفكر بعد في عقد مؤتمر طارئ مع الأحشاء لحل معضلتي.. يتعالى الصراخ، وزغاريد الاستقبال تتفاقم ومازال

بذهني عالقا ذاك السؤال أهي حيّة؟

أترنح بين النزول والبقاء. فالسباحة تطورت من الغطس إلى التجديف في عرض السراب.. رأسي ضائقة بالتساؤلات.. والمسكينة كم يؤلمها إفراطي في تسديد اللكمات والرَّفسات كلما وضعت افتراضاتي لتحليل ارتفاع نسبة الصراخ فيمن سبقوني. يزداد ركلي للجدار رغم اتساع المكان اللامحدود!.. ماذا حدث!؟.

وجدت نفسي فجأة أبحلق في أرجاء الغرفة بعينين يكسوهما القذى، أستنشق رائحة المطهرات والدواء المزاحمة لصرخاتي البكر هنيهة وعاد يكتنفني الظلام!: (آوه ماي قاد..! آي هوب..!).. أحضان الملائكة الفلبينية تحتضنني هامسة بود: مسكين (بيبي صغير.. ما فيش ماما.. حرام!).

صَرختُ هذه المرة وحيدةً.

 

 

 خـثـارة بـــلـل

بين النعيم وعدمه يؤرقني اعتدال أليم.. أرواح تزف الى عوالم نورانية. غيب متلبد يطبق على  أفواه و أعناق الوجود فتنفرط قلادة الوصل وتلتقمها صديفات شفيفة.. فجر عدل عن الانبثاق..خفافيش تحلقت في رقصات ماكرة.. الفراشات تنكفئ نائحة على الزهر المسبّت في دهاليز النعاس.. الأحاسيس تتمطط.. تشتبق.. تنفجر المآسي..تزدردها المتاهات.

أفول.. أفول.. يستقطب كل مغرد‍ ذي جناحين.

بشارع عشرين خيام للمناسبات.. مكرهة دنوت.. إيقاع نبض تصاخب.. خطوي تلعثم وتعثر رغم فصاحة لسان الرصيف. خيمة المأتم بلغتها.. أزحت الرواق بارتعاشة مترنحة. كم أنا جبانة.. احساساتي استحلبتها فدرت ّ حليب المواساة.. استدعيت زمن رحيلها.. بدوار شعرت.. اعترتني اختلاجات حالبة لروح الدمع. أنا أين؟ لم أبرح ذاك المأتم هذا ما أحسسته.. أحزاني دفنتها وودّعت الأسى مذ التقيت حلمي المأمول..

أوه: ميمى ميمى.. ليس وقته الآن.. استشعرت القصاصة المدسوسة بين نهدي. تذكرت بأني سأخلع كسائي الخارجي فبادر مستودع الأثداء وضخها بنقطتين من عصارة العشرة.

استقبلتني صديقتي  بحفاوة حزينة. صافحت المقربات إليها.. احساساتي وقعت صريعة الضغوطات.. لمحتها تضع فويطتها الزرقاء تحت أنفها ماسحة آثار رشح.حينها انكسر شعاع نظري على نهديها الشامخين ر! غم الحزن.. ضربت بيدي على جبهتي. فكرت بالقصاصة..تجولت علامات الاستفهام في تخوم تفكري..أين سيؤّول مستودعها؟

تمالكت نفسي..ولم استطع تدارك نفسي نفسي.. أوه نسيت

- هذه قصاصة عزاء من محمد

التهمتها بعينيها الدامعتين وبعناية فائقة أودعتها بين نهديها..

رعشة مبهجة..سرت في تقاسيمها الآسية..

قدحت عيناها وشعرت بتقزم آلامها.. ألهى أنها نشاّجة  محرورقة.. دموعها مهراقة.. حروقي أشد تمهرق.. بكف مرتجف ربت على كتفها.. هكذا عاملوني في المأتم القريب البعيد !..

- خلوها تبكى كامدة عبرتها..

خشيت انبلاج طيف حنان أختي فيتهاوى اصطباري أتصدع وسط الحشد مقدمة رسالة دكتوراة في العويل واللطم.. لاحظتْ نظرات متضمرة على وشك الانقضاض خفضت بصرها.. ابتلعت ريقها وكأنها في حضرة قسيس أخرجتها وناولتها صديقاتها اختنقت من قبضة إلى قبضة.. وجفت.. بل غـرت من جملة المواسيات اللائي لامسن قصاصة حبيبي.. حلمي المأمول.. لا يوجد آمان.

 

- أسلوبه رائع..

- ليته يراسلني..

- عباراته مؤثرة في المخيخ..

- تمنيت لو يمت لي أحد!

- أه.. أه.. أه ه ه ه

 

آه سلخوني حيّة.. قتلوني.. لن أكون ساعيته مرة أخرى.. سأداري على فتيلتي من ريح المآتم والمناسبات.. الطقس حار.. ثدياي يخزهما صقيع قارس.. أمي.. حنّـو.. عيناي زفيرهما حار..نهار للعذوبة.. يبدو أنها رأتني أو المأمول شعّ مني.. فأعادت لي القصاصة.. أقرأيها.. أسلوبه مبكى.. مرعف للآثداء.. تناولتها بلهفة وابتسمت من قلب قلبي.. كان اللبن الذي يبللها أخف كثافة من لبني..