...الـــقـــصـــة...

مشاركة رقم: 29 / التاريخ: 8/4/2006

مخالب خفية

 

رحاب عثمان شنيب

 

 

أقلقت مضجعه ذبابة فبدأ يقلب وجهه من جهة إلى أخرى وفي كل مرة كان يحك في منطقة هبوطها إلا إنها في لحظة حاسمة أيقظته بفزع وغيظ شديدين حينما دخلت في تجويفه الأنفي فجلس بتوتر وبدأ يدعك أنفه كما لو كان يود نزعه في هذه اللحظة.

أعاد رأسه على الوسادة محاولاً الرجوع إلى نومه، لكن النوم بدى له صعب المنال، وأنه يحتاج إلى عناء كبير تكابده في رحلة نومه السابقة التي أيقظته منها هذه الذبابة اللعينة.

حدق في غرفته نظر إلى النافذة حيث كانت أشعة الشمس قد بدأت بالانسياب في هدوءٍ ووداعة، لتكسو الأرض بيوم جديد، إلا أن هذه الوداعة كانت لها مخالب خفية غرستها في صدره المكتظ بالقلق والضيق، فظل يحاول القبض على النوم بكل عنوة وقوة لكي يحشوه داخل عينيه ومن ثم يجتث نفسه من لحظة الإدراك.. وبينما هو على هذه الحال دق جرس الساعة فبدأت الحياة تدب في هذا البيت ولا يزال متقوقعاً على نفسه راجيا أن يكون أسيرا للصمت والظلمة، انطلقت أصوات الأطفال في البيت وهي تتهارج بصخب، يطوفون في أرجائه كل منهم يصافح أشعة الشمس بكل محبة ووسط هذه الأصوات بكي أحدهم معلناً تذمره على حقيبته البالية الممزقة، يود اقتناء غيرها، فاحتضنته أمه وهي تعده بكل أم أن تشتري له حقيبة غيرها، نظر إليها وهو يعرف أنها لن تشتريها فظل يصرخ ويصرخ..!

- نبيها توا.. نبيها توا..

حاولت الأم تهدئته لكن سيلا من الأصوات الأخرى، انهال عليها فهذا يريد حذاء وهذه تريد قميصاً، وكل كان ينقصه شيء ما.. كل كان الفقر قد لامسه وحتى الأطفال لم تنجو من سياط الفقر.. أطلقت الأم صوتاً منخفضاً تولد من حرقة أعصابها ودوى عالياً في داخلها:

- اسكتوا بوكم راقد . . !

وبينما الأم كانت تحاول ألا تكون مرمى لهذه السهام كانت كلها تنغرس في أحشائه وظل يسترق السمع بكل مرارة يتجرعها كأساً تلو الآخر وإذ بابنته تقول لأمها:

- كنه باتى مامشش للجامعة اليوم?! . .

- موعد التنسيب مازال..!

- بس التنسيب يبى واسطة.!

- ماعندنش واسطة شن انديرولك..?

- لازم اديروا حاجة..

- أسكتي بوك واخذ إجازة يبي ايتريح !!

(يبي اتريح.. يبي ايتريح).. كانت الكلمة مزعجة جداً اغتالته دونما شفقة وظل يتصارع معها.

ازدادت الشمس ضياءً كان المصرف مكتظاً بالبشر وكل يأخذ مرتبه في رضى تام، كانت الشوارع هادئة ووديعة فالسيارات لم تتجاوز احترامها والطرق تتقيف في انبساطها، الأشجار بكامل رونقها، يمضي الطلاب إلى المدارس دونما شغب.. لمح رجلاً مسناً حاول مساعدته فسبقه غيره والكل رغب في مساعدته بكل ود، والوجوه كلها تبتسم، ذهب إلى الجامعة وسجل ابنته دون أي وساطة كانت الأمور في أدق نظام، ذهب إلى عمله، الموظفون يعملون بجد أصبحت الشمس في أوج ضيائها غمرت القلوب بالدفء خرج من عمله اشترى طلبات أولاده داعبته الشمس انسابت في حرارة عانقت الضلوع بكل لطف.. ولم يدرك إلا وبزوجته تضع الغطاء عليه وتقول له: (صقع عليك)..!!