|
اللون الأبيض
سعاد حجاج / الجزائر
تسألني في كل لقاء: كم مضى من وجعنا؟ كم مضى من
حزننا؟ كم مضى عن بعدنا؟
يا عمراً استـثـنيه من العمر، لا أعلم كم مضى من
العمر أيها العمر. فانا لو استطعت حين
تزورني حبس الزمن بين أطراف أصابعي
بعصوره و ثوانيه...
أتعلم يا طفلاً مسافراً في متاهات الحياة، أني ما
عدت أتأنق بساعة اليد، جميعها يضرب عن
الزمن و يحتج.. جميعها يتوقف في يدي..
فكيف لي أن احسب كم مضى عن بعدنا؟
تحدثني في كل لقاء عن اللون الأبيض، وبعد كل حديث
يزداد حبي للون الأبيض. فأنا منذ
تشبيهك قلبي بقطع الثلج المنصهرة في
الماء الرقراق الصافي، أدمنت اللون
الأبيض.
الثلجُ والسحاب. الفل، الياسمين والورد الأبيض.
الفضة والماس، والأوراق لو استطعت
خطها بالحبر الأبيض. حتى خصلات الشيب
و حبيبات العرق الندية على الجباه
الشقية.
الأبيض سيد الألوان، قماط الرضيع، ثوب العروس،
ملبس الحجيج، كفن الميت. وقلبي أبيض،
رغم حمرته المرجانية، والمرجان حبيبي
باهض و نادر مثلك.. إنه يشبهك كثيرا.
دروبه صعبة المسالك، خجول، دقيق،
حساس.... تشكيله فن راق و اقتناؤه ينم
عن ذوق رفيع.
و في آخر اللقاء ترحل كالطيف، كاللون الأبيض...
تاركا إياي شاردة أغرق في التفكير..
في وحدتي وغربتي، في الوجع و الحزن،
أفكر في شروق وغروب شمس الغد وبعد
الغد و بعد بعد... في السنة العادية و
الكبيسة. أرتب الأوراق البيضاء
المترامية على مكتبي و في حقيبتي.
أحسب عدد الصفحات البيضاء المتبقية في
مذكرتي. أعاود حفظ قانون المساحات
والأحجام، لأتصور العالم بدونك..
وحساب السرعة والتسارع لأدرك كم
سأنتظر لقاءك القادم.. أطالع فيزياء
الضوء والألوان علني استطيع يوماً
تلوين العالم بالأبيض....
النوميرات 15/07/2006 |