...الـــنـــثـــر...

مشاركة رقم: 06 / التاريخ: 3/5/2006

الشمباشي.. وتلفزيون الصيد

والبيان الأول؟!!! بير.. ضحى.. هدية

 

حواء القمودي

 

 

سيكون المكان (فمْ الحياش) سيكون الوقت ضحى... صوت سقوط الماء من (البير إلى الميدة)، صوت الزرازير وصوت النسائم هفهافة على وجوهنا التي عفرها التراب.. وفي المكان الحاجة (عيشة بنت كريم)، بلون بشرتها السمراء، بضفيرتها السوداء وبوجهها الطيب، تنادينا، نحن (صغار السانية)، ما الذي تُريده هذه الحاجة التي عادت حديثا من مصر.. مصر التي ذهبت إليها مع ولدها (الصيد) وزوجته، تنادينا الحاجة.. نركض مسرعين إليها.. نتحلق حولها وهي تحمل كيسا.. نشم رائحة الحلوى التي تخرجها.. ثم.. تنادينا واحداً واحداً بنتا وولداً.. صلاح أنور القنطري مختار عيادة سعاد سميرة حوا، وفي يد كل واحد منا تحط شيئاً.. لعبة ما.. قد تأتي سيارة أو قطاراً أو عقداً أو خاتما...أو.. أذكرها.. أذكر رائحتها وهي تنحني على قامتي الصغيرة لتلبس رقبتي ذلك العقد... هل غدونا طيوراً.. ونحن نركض فرحين بهذه الهدايا.. الهدايا التي جاءتنا بها الحاجة (عيشة بنت كريم) زوجة عمنا المرحوم (رمضان الحافي).. الذي مات صغيراً ولم يترك غير ولده " الصيد ".. الصيد الذي من أجله لم تتزوج أمه.. وظلت تعمل وتربيه.. لن أنساها في مدرسة (حليمة السعدية).. بمكنستها تجوب الفصول. تنظف، فراشيتها البنية.. وحبها للأطفال جميعاً.. عشقها لصغار السانية هي التي.. ليس لديها حفيد رغم مرور سنوات عديدة على زواج وحيدها الصيد.. لكن قلبها الكبير ظل كبيراً.. وظلت كلما فقدت أحد أحفادها تحبنا أكثر، قلبها الواسع لم يضق بمكرنا نحن الصغار.. بل ظلت تحبنا وترعانا كأنها أماً أو جدة حنون.. والصيد يأتيه أطفال ميتون.. والحاجة عيشة لا تنسى هدايانا حين تذهب في رحلة الصيف الى مصر مع ولدها وكنتها.. كانت السانية يا أبي القمودي وكنّا.. كان فرح الواحد فرحنا جميعاً وحزن الواحد حزننا جميعاً..وهكذا حين ولد (للحاج الصيد) ولد، ظل حيا لأيام ثلاثة ثم مات.. فكأن " عزري " من أولاد الحافي قد مات (نساوين) السانية و "تريسها".. وحتى نحن الصغار... كنا نبكي ونحس ألماً حاراً في القلب لأن الحاج الصيد مات ولده.. فأين مضت تلك القلوب يا أبي.. ما الذي أكلها.. أم تُراها مازالت تنبض.. ومازال لحوا مكانٌ فيها... كما المكان الذي في تلك الصورة.. الصورة التي نقف فيها طابوراً طويلاً.. بنات وأولاد السانية.. الصورة التي التقطها عمي "محمد الشعبان".. الأومباشي كما كان يقال.. والشمباشي كما كنا نقول.. جاء الأولاد للحاج الصيد "هناء وهند فتحي ومحمد عائشة ورمضان وطه" وذات ربيع جميل.. ذهبتُ إليهم -الحاجة عيشة بنت كريم منذ زمن-رحلت- كبر الصغار.. رأتهم وفرحت بهم ورحلت مطمئنة، صار لوحيدها أولاد.. صار له أخوة وأخوات.. هو الوحيد.. كما وحدتها هي.. مازلت أذكر تلك الليلة وأنا أنظر إليهم أتذكر السانية وجدتهم وهي تنحني فتعبق رائحتها في أنفي أحس، لمسات أصابعها الطويلة حول رقبتي وملامسة ذلك العقد.. وأرى الصيد الذي كان وحيداً يتحلق مع أولاده حول (القصعة) نسيت ما كان العشاء تلك الليلة، لكن الصيد وأولاده مازالوا في ذاكرتي، مازال المشهد مرسوماً..هو ليس بعيداً جداً.. هو قريب حتى أني أسمع همسهم وتعليقاتهم وأرى نظرة الفرح في عينيّ ذلك الوحيد الذي صار كبيراً ومؤتنساً بأولاده، وبناته المتحلقات معي في الركن الآخر على ذلك العشاء، رحل الحاج الصيد باكراً.. لكن (فم الحياش) مكتظً بـ"تريس" السانية " هذه المرة يجلسون جميعا معهم الأولاد الكبار.. والفتيات.. ونحن الصغار نركض نلعب.. ننتبه جميعا لتلك القعدة على الأرض لذلك الاهتمام الشديد من العيون.. العيون التي تنصبُ هناك على ذلك الجهاز - يقولون اسمه "تلفزيون" الجهاز الوحيد في السانية كلها هو للحاج الصيد رمضان الحافي- والجميع منتبهون.. لأول بيان للثورة (كما عرفت حين كبرت). ولم يعد للسانية (فم حياش) يجتمع فيه رجالها للتشاور، ونسائها لعالة الشاهي، ونحن نلعب ونتصايح.. ونترامى بثيابنا في الجابية.. فيعلو صراخ أمهاتنا وضحك آبائنا.. صار البير وحيداً يقف منفرداً..، يرقب ساحة واسعة.. تنهبها عجلات السيارات.. وأقدام المارة.. فهل تُراه يذكر ذلك الضحى والزرازير.. وصوت عيشة بنت كريم.. ينادين، تراه يذكر !!!...