...بـاب مــفــتــوح...

مشاركة رقم: 45

وقـتٌ من طِـين

 

عربي عبدالله

 

 

 

أيامنا وقت يفضي لوقت.. وقت من طين الرداءة لعين..ومني من ماء مهين مخفور ببؤس اللذة.. يجترح عن غير قصد نسلا يائس..

نجتث اليأس بإلحاح..نعلق عليه خيباتنا..نمزجه بعرق أجسادنا ونلعق الصبر في صمت..الصبر موجع و البشاعة تتجلى بصورها المجانية المبكية في الحكايات اليومية التي يرويها لك الناس عن الفقد والألم والجوع والقهر والمرض والحوادث، وفي عيونهم رضا وعتاب..حكايات تفطر القلب والحجر..تفزع الروح.. وحكايات اليوم المعاش التي تروى في سرية عن عهر أيامنا..عن نساء يلتحفن الملاءة ويخرجن طلبا لهوى..عن أم تقود على بناتها..عن صاحب يخون صاحبه في أهله..عن لواط فاحش واغتصاب.

تفوح روائح الدهر الكريهة  بفعل الغبن..نعتاش على الكفاف..ونحلم بالكفاف..الحالمون بالغد مرضى ومخبولون..بعضهم انتحر شنقا وبعضهم  يسعى في الشوارع ويهذي بغصته التي لم يقلها عاقلا..

عبثا وعبئا نتناسل على هامش الحياة..طرائد للموت الذي لا يكل و لا يخلف وعده..الشمس تكرر نفسها كل يوم، أمامنا، في ذات الطقس وفي ذات الإصرار..لا جديد تحت الشمس، هكذا تقول الحكاية القديمة جدا وهذا ما تناقلته الأجيال عبر أزمان مختلة..لا جديد البتة..ونحن نكرر أنفسنا في ذات البلادة المعتادة..

غارقون في بلاهة اليوم المكرور.. والغد مجهول مستتر لا تقدير له..غد وحسب.

صامتون..راضون بكنز القناعة الذي لا يفنى ولا يغني من جوع..نغني للشر  ونصفق له ونرقص أيضا..تاركين بيننا وبينه المسافة التي أوصت بها حكمة بلهاء ترددها الألسن اليائسة كتعويذة و حرز من الشر.. 

أفكارنا عوجاء كذيل الكلب تماما وزمننا غابر ..إرث فاسد ومتعفن من الأفكار البالية والرثة، نتداوله في حرص شديد.. والجيد منه للاستهلاك وتلميع الصور..صورنا الباهتة.. سمتنا نهش في السير.. لا وقت محدد لنميمتنا ولا مكان.. حتى الجامع يمكن أن يكون مكانا لترهاتنا و هراءنا..والصلاة علاقة بحكم العادة لا غير..لا شيء يسلم من بذاءاتنا حتى حيطان دورات المياه بالمسجد نالت نصيبها وكتبت عليها كلمات لا يمكن أن تجدها في قواميس اللغة..أفرزتها عامية داعرة..سباب وشتائم وهتك أعراض وبالاسم الصريح..

أيامنا وطأة من وقت رجيم..وقت لا ينقضي ولا يزول..

وقت من علة..بغيض وكريه..نبصق عليه لاعنينه كلما ألمت بنا مصائبه أو نالنا بسوطه الذي لا يرحم ..

الوقت كما الموت أيضا ..صارم و لا يحترم أحدا.