|
كلـمات متـقاطـعة
زياد العيساوي
جئت ذات مرة، أزمعُ كعادتي حلَّ شبكة
الكلمات المتقاطعة الموجودة في صفحة
التسالي بإحدى المجلات، وأذكر فيما
اذكر، أنها كانت من فئة (16 × 16) وفي
هذا إيحاءٌ لكم منّي بمدى صعوبة حلِّ
هذا النوع من الشبكات، ذلك أنها ملآنة
بكم هائل من المربعـات المُظلَّلة و
المُضلِّلة في آنٍ واحد، التي أحكم
مُعِد هذه المنظومة دسَّها وتوزيعها
بين المربعات الشاغرة التي كانت في
حاجة إلى أن تعبأ بحروفً لكلمات
متقاطعة، عكساً وبعثرة، وبما هو
منصوصٌ عليه في قائمتين، إحداهما
أفقية، والأُخرى عمـودية.
وبعد أنْ قلّبت صفحات معجم البلدان
والأعلام الراسخة في شرخ ذاكرتي،
واستنفدت كل ما في جُعبتي من معانٍ،
وفرغت حروف كلماتها على تلك الشبكة،
كان لي ما أردت، بعد أنْ أتممت هذه
المهمة الشاقة التي أملتها عليّ هذه
الهواية التي درجت عليها، وأصبحت
مزهواً بنفسي، وبما أنجزته في وقت
قياسي، مقارنةً بعديد الشبكات التي
اخترقت تعقيداتها، وفككت طلاسمها
قبلاً، ولكنْ ثمة أمراً عكّر صفويّ
وأخرجني من دائرة زهويّ، ووقف حائلاً
دون وصولي إلى مبتغاي، ويتمثل في
تفاصيل هذه الحكاية التي سأرويها لكم:
فبعد أنْ لمحت الشكل العام لهذه
الخلية، وقد ازدانت مربعاتها بحروف
متلألئة في ظلمة المربعات السوداء،
نظرت بعد ذلك إلى حيث الخانة الأفقية
التي تتضمن كلمة السّر، التي بمعرفتها
أكون قد أسدلت الستار على هذه
المنظومة الضخمة التي تعجُّ بالحروف،
فألفيتها مؤلفةً من ستة أحرف، كنت قد
توصلت في مناسبات فائتة إلى معرفة
خمسة حروف منها، هي الحرفان الأولان
والحروف الثلاثة الأخيرة، ولم يبقَ
أمامي إلا أن اعرف واسطة العقد (الحرف
الأوسط) لها، وكما هي عادة كل من
يُقدم على ممارسة هذه الهواية، وجدتني
من حيث لا اشعر، أمعنُ النظرَ إلى
القائمة العمودية، حيث الخانة التي
يتقاطع حرفها الأول مع الحرف الضائع
لكلمة السّر، وإذا بها تنصُّ على أنه
أحد حرفي حرف جر يتنهي بحرف النون، ما
جعلني أصاب بحيرة، وأصبح في (حيص بيص)
كما يقولون، ولعلَّ أحدكم يغمز ليّ
متسائلاً: فيما حيرتك؟ ولِمَ تهوّل
الأمـر؟ فحـرف الجـر المطلـوب، سـوف
لن يكون إلا أحـد حـرفي جر، فإمـا أن
يكون (من) أو (عن).. ثم يضيف مستطرداً
ومشترطاً: هذا إنْ كانت كل خطواتك
الفائتة صحيحة.. وإزاء اشتراطه هذا،
فإنه لا يسعني إلا أنْ أعود بكم إلى
ما ورد في المقدمة، لأذكره وإياكم،
بأنني قد أعلمتكم، بأنَّ مُعِد هذه
الشبكة، عرف بدهاء متمرس، كيف يجعل
كلمة السرّ تتربع في مركز الشبكة،
بحيث جعلها تبدو مستقلةً عن سائر
الكلمات الأخرى، لذا فأنني سأستبعد
اشتراطه كلياً، ولهذا السبب، سأقفز
عليه بوثبة متسعة الخطوة، من شأنها
أنْ تجعلني أصلُ بكم مباشرةً إلى
خاتمة هذا المقال، ولكن ليس قبل أنْ
أقرَّ بصحة ما أشار عليّ به، بخصوص
أنَّ حرف الجر المنصوص عليه، سوف لن
يكون إلا (من) أو (عن)..ولكنني سأترك
له حرية الاختيار بينهما، بعد أن
أحيطه علماً بأنَّ كلمة السّر كانت
تعني: (الإنسان الناجح) فما الذي
سيختاره يا ترى؟ هل سيقع اختياره على
حرف الجر (من) لتصبح كلـمة السـر هـي:
(المادي)؟.. أم أنـه سيعـتمد حـرف
الجـر (عـن) لتـكون كلمـة السر هي:
(العادي)؟..
2006.10.15 |