...بـاب مــفــتــوح...

مشاركة رقم: 42

مجريـات يـوم مُـمِل

 

زياد العيساوي

 

 

 

دقّ ناقوسُ العمل مُنذِراً مثل كل صباح عند الساعة السادسة تماماً.. حاول أنْ يتجاهله حتى يصمت من تلقائه، فلم يفدِه صنيعه شيئاً، فقد أبى المنبه إلا أن يُفرغ كل ما تصدر حركة تروسه من رنين في أذنيه.. أمره شيطانه بأنْ يخرسه، فعبث بيُمناه على الركن الداني منه، فأوقعه أرضاً وتحطّم، وأخيراً كان له ما أراد، فقد تخلص من هذه الزغاريد المُفجعة، وجاء يعتزم العود إلى حالته الأولى، لكنَّ النوم استعصى عليه، فنهض مُتثاقِلاً، بعدما رفع عن نفسه ثقل غطائه، وأتجه ناحية النافذة بخطوتين غير متساويتي الإتساع، قصيرتهما نجمت عن ارتطامه بالجدار.. استجمع قواه بعد تشتتها وتلاشيها من وطأة هزة الاصطدام.. سلط شُعاعاً من عينيه، نفذ خلال زجاج النافذة الشفاف، فأبصر سيارات الحي ماكثة في محالها، كما المشهد الذي رأها عليه ليلة البارحة، كأنها مازالت تغطُّ في نوم عميق، فأستدرك أنه أمام تباشير صباح يوم العطلة الأسبوعية.. حانت منه التفاته إلى المنبه المُحطَّم، فعرف كم أنَّ شيطانه غبي، فصب جام غضبه ولعنة الله عليه.. وقف عند مصطبة منزله متأملاً و استنشق نفساً طويلاً مفعماً بإنتشاءة الهواء البارد، ألحقه بنفس ساخن من سيجارته، وما هما إلا غمضة و فتحة عين، حتى نفثه في شكل بخار ماء أسخن من الهواء الجوي، ثم أتبعه بسحابة من الدخان المُحمَلة بأكسيدي الكربون (الأول والثاني).. داس بكعب حذائه قطعة القطن المتبقية من لفافة التبغ المُستهلكة وبعد ذلك، شعر برغبة جامحة في السير تسري في قدميه، توجه من فوره، من دون وجهة معينة، نزولاً عند تلك الرغبة المُلّحِة التي دبّت في كل أطرافه، وبينما كان ماضياً بلا هدف، لاحت أمامه عُلبة مشروبٍ غازي فارغة ملقاة على قارعة الطريق، لم يتوانَ في ركلها، فتدحرجت غير دحرجة، ثم استقرت مُطعجة ومُطجِعة على أحد جوانبها، وما هي إلا هُنيهة حتى تناهى إلى مسامعه طنينٌ، لم يعرف له مصدراً، خصوصاً وأنَّ الجو كان يُخيم عليه السكون والسكوت، وإذا بها نحلة كانت تقتات بتلذذ على بقايا حبات السكر المُتخمِر، العالقة بالعلبة المعدنية، قد خرجت عليه مُتأبطة شراً به، ومشهرةً سلاحها الدفاعي في وجهه، وهي تطير مترنحة في مسار لولبي، كأنها قد دخلت في خضم زوبعة، جراء تقلبها بداخل العلبة، ثم سقطت قُبيل أنْ تدركه، فلم يصَب بوخزة إبرتها، ولم يشعر بلسعة الضمير، لأنه أولاً لم يقصد إذاءها، وثانياً لأنها ما كانت لتنتج سوى عسلاً مغشوشاً، لا يغني من جوع ولا يشفي من وجع.. أكمل مسيره وحيداً، تاركاً الحشرة البائسة لمصيرها غير المجهول، وهي تدور حول ذاتها بين حياة وموت.. حانت منه انحناءة رأس إلى أسفل، فسقطت من ناظريه نظرتان ثقيلتان على قدميه، ما استطاع رفعهما، ويداه منزلقتان في جيبي بنطاله الأماميين، ورأى كيف أنَّ اليُمنى تتقدم عن اليسرى، ثم تتأخر عنها، بعد أنْ تنتظرها قليلاً وهو مُرتكز عليها، فلم يجد بُداً من مراقبتهما، ثم الدخول في نقاش بيزنطي مع نفسه، حينما تساءل: ترى، أيهما التي قدمتها أولاً عن الأخرى ؟.. إلى أنْ أوقفه اصطدامه بعمود الإنارة، فامتحا ذلك السؤال من سطور قرارته.. ضرب العمود بقدمه، ليس ثأراً منه، بل عقاباً لأفكاره الهدّامة، لكنه ما لبث أنْ أحسّ بألمٍ في كل مفاصله، جراء ما فعل بنفسه، ومن حُسن طالعه أنْ وجد بقربه مقعداً خراسانيا فارتأى أن يأخذ له قسطاً من الراحة بالجلوس عليه، ريثما يزول الألم، وهذا ما فعل، إذْ أنه جلس على متن الكرسي وظهره للبحر المضطرب، وسرعان ما رمق حروفاً محفورة على السطح الإسمنتي، هي لأسماء أصدقائه القُدامى، الذين هاجروا الديار في ظروفٍ غامضة، فارتمى في أحضان الذكريات باكياً، وتذكر كيف كان يطيب له المقام وإياهم على شاطئ البحر، دسّ وجهه في صدر الذكريات مُجهشاً بالبكاء، وهيَّ تُذكّره بتلك الأيام الخوالي التي أضحت أثراً بعد عين، وأثاراً منقوشة على حجر، لكن أناملهم التي حفرت تلك الحروف ورسختها، هي من كفكفت أدمعه المنسكبة بعد حين.. شعر بسياط البرد تجلد ظهره، فعاد من ذكرياته إلى حاضره، ودار حول نفسه ليستقبل بصدره ما ترسله موجات اليم من تيار، ارتسمت في مخيلته علامة استفهام، تستند على أخرى للتعجب، عندما تساءل: لِمَ لا يتغير اتجاه الموج إلى الاتجاه الآخر ؟!.. أي من الشاطئ إلى البحر.. فرّ بجلده، ليس من تلك السياط، وإنما من أفكاره الهّدامة، ثم أخرج من جوفه آهة حرّى مصحوبةً بسحابة من سيجارته التي لم تستطع مواجهة التيار، فعادت لتسكن في أجفانه.. أحسّ بحرقة في عينيه، فدعكهما، وبدا له أنّ ثمة شيئاً يحلق في السماء، دعكهما من جديد، حتى أحمرتا وسالتا دمعاً، كي يتبين جليه الأمر، وإذا به سربُ من طيور (السنونو) تشكلت على هيئة رأس سهم مدبب، وتطير على بطءٍ، لمعاكستها إتجاه التيار، فيطرأ على تشكيلها الدفاعي شيءٌ من الخلل والانحناء في حِدة زاويته واستقامة ضلعيه، ثم تعاود رسمه مجدداً، لإصرارها على الرحيل، فتفطن إلى أنه موسم الهجرة بالنسبة لها إلى ما وراء البحر (الشمال).. سطّر بأصابعه رسماً لجدول في الفراغ، هو للمقارنة بين هذه الطيور وأصدقائه القدامى، الذين غابت شخوصهم وبقيّت أسماؤهم حاضرة على الصخور.. مرّت طفلة مشاكسة بجواره، بينما كان ينجز ذلك الجدول، فشدها ما يفعل، وسألته عن ماهيته، فلم يكلف نفسه حتى النظر إليها، كي لا تقطع عليه حبل أفكاره، وسطور جدوله، حاولت أن تكتشف الأمر بنفسها، فعزّ عليها ذلك، فنبزته بالساحر المجنون.. ابتسم لها على تعليقها هذا، من دون أنْ يُحسسها بذلك، كي تنصرف وتغرب عن وجهه، كان الجدول مؤلفاً من ثلاث خانات عمودية، حملت العبارات الثلاث التالية، وعلى التوالي: (أوجه المقارنة)، (الطيور المهاجرة)، (الأصدقاء المهاجرون).. كتب في الخانة الأولى ثلاث أسئلة كأوجه للمقارنة هي: إلى أين الوجهة ؟.. دوَّن في الخانتين الأخريين إجابة واحدة، هي: (إلى الشمال).. أضاف السؤال الثاني: ما الهدف من الرحيل ؟.. أجاب في الأولى: (البحث عن الدفء والاخضرار).. وفي الثانية: (عن الأوهام).. هل من عودة ؟.. (بالإثبات).. (بالنفي).. ثم أغلق جدوله بخط ٍّ أفقي بسبابته من اليمين إلى اليسار.

إذا كان هذا السرد القصصي يملك مقومات النصِّ الأدبيّ، فهذا يعني وجوب أنْ يكون له خاتمة، مثلما كان له مقدمة ومضمون، لذا سأخبركم بما خلص إليه بعد كل ذلك.

ركّزَ كثيراً على أخر سؤال جاء في خانة أوجه المقارنة، وهمس في قرارة نفسه همسةً عاليةً لم يسمعها ألا هو: (هذا صحيح فالطيور ترحل باحثة عن موسم الربيع عند قدوم الصقيع في بلادنا، لكنها تعود بعد أن يعود، بدليل أنها بعد حلوله، نراها تطير على علو منخفض مخترقةً جموع البشر، كأنها تريد مصافحتنا والارتماء في أحضاننا من فرط الشوق وهي تغرد، كأنني بها تقول: ها قد عاد الربيع وعدت معه).. فالطيور لا أوطان ولا ولاء لها، إلا لأوطان الدفء، فلا يصحُّ أنْ ننعتها بالمهاجرة، بل هم المهاجرون، فكم من ربيع حلّ ثم ارتحل ولم يعودوا.. مسح بيده الجدول وما خلص إليه خوفاً من أن تكون أفكاره هدّامة، وعاد من حيث أتي.

 

4. 10. 2006